لماذا يتم فرض ضرائب شديدة على الدخل المهني في بلجيكا؟
بلجيكا 24- تعد الضرائب على الدخل المكتسب في بلجيكا من بين الأعلى في العالم، خاصة بالنسبة للرواتب المنخفضة والمتوسطة، بحسب تقرير “لوسوار”.
وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2023، فإن إجمالي الضرائب على متوسط الدخل المهني، بما في ذلك ضريبة الدخل والمساهمات الاجتماعية ومساهمات صاحب العمل، يحتل المرتبة الأولى عالميًا.
ورغم وجود إجماع سياسي منذ عقود على ضرورة خفض هذه الضرائب، إلا أن محاولات الإصلاح غالبًا ما تفشل. لفهم هذه الظاهرة، من الضروري العودة إلى الجذور التاريخية التي شكلت النظام الضريبي الحالي في بلجيكا.
منشأ الضرائب على الدخل في بلجيكا
بدأت الضرائب التصاعدية على الدخل في بلجيكا بعد الحرب العالمية الأولى، عندما أصبح تمويل إعادة الإعمار أولوية قصوى. تم فرض أول ضريبة على الأجور في عام 1919 بمعدلات تصاعدية تتراوح بين 1% و10%، لكن الغالبية العظمى من البلجيكيين دفعوا ما بين 2% و4%.
في ذلك الوقت، لم يكن هناك إعفاءات للرواتب المنخفضة، حيث سعى الحزب الكاثوليكي لضمان شمول الجميع في النظام الضريبي بدلاً من قصره على أصحاب الدخول المرتفعة. خلال فترة الكساد الكبير، شهدت الضرائب على الأجور ارتفاعًا متكررًا، بما في ذلك ضريبة الأزمة التي تم فرضها في الثلاثينيات.
بحلول عام 1939، كان معظم البلجيكيين يدفعون ضريبة دخل تتراوح بين 5% و8%، إضافة إلى ضريبة أزمة بنسبة 1% إلى 4%.
تحول رئيسي بعد الحرب العالمية الثانية
أدت الحرب العالمية الثانية إلى مضاعفة الضغط الضريبي على الدخل المهني. فبعد استنزاف الاقتصاد البلجيكي من قبل الاحتلال الألماني، اضطرت السلطات المالية إلى زيادة الضرائب بشكل حاد، حيث ارتفع إجمالي العبء الضريبي من 12% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1939 إلى 30% بين عامي 1945 و1950.
كانت الضرائب على دخل العمل هي الأكثر تضررًا، في حين بقيت الضرائب على رأس المال منخفضة مقارنة ببقية أوروبا.
دفع معظم العمال البلجيكيين آنذاك بين 10% و15% من رواتبهم كضرائب، مع إضافة ضريبة أزمة تصل إلى 15% أخرى.
في عام 1962، تم إدخال نظام ضريبة الدخل الشخصي (IPP)، الذي دمج الضرائب المختلفة على الرواتب والدخل العقاري والمنقول في ضريبة واحدة تصاعدية. أدى هذا إلى رفع معدل الضريبة القصوى إلى 55%، بينما تجاوزت الضرائب على الدخل المهني حاجز 30% لمعظم العمال. كان الهدف من هذا الإصلاح هو تبسيط النظام، لكنه في الواقع أدى إلى تعقيد أكبر وزيادة في العبء الضريبي.
أزمة السبعينيات وتصاعد الضرائب
شهدت السبعينيات أزمة نفطية أثرت بشدة على الاقتصاد البلجيكي، حيث زاد العجز في الميزانية وارتفع الإنفاق العام بشكل أسرع من الإيرادات الضريبية.
بحلول عام 1980، كان أغلب العمال البلجيكيين يدفعون أكثر من 50% من دخلهم المهني كضرائب، في حين ارتفع المعدل الأقصى إلى 72%. بلغ العبء الضريبي العام 43% من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت الضرائب على الرواتب تشكل أكثر من نصف الإيرادات الضريبية للدولة.
منذ الثمانينيات، بدأت الدول الأوروبية الأخرى في خفض الضرائب على الأجور لجذب العمالة والاستثمارات، لكن بلجيكا لم تحذُ حذوها. وعلى الرغم من محاولات الإصلاح المتكررة، فإن أي خفض للضرائب كان يتطلب تعويضًا إما عن طريق تقليص الإنفاق العام، وهو أمر غير مقبول سياسيًا، أو من خلال زيادة الضرائب على رأس المال، وهو أمر واجه معارضة قوية من الأحزاب الكاثوليكية والليبرالية.
عوامل سياسية وتاريخية في استمرار العبء الضريبي
إحدى السمات المميزة للنظام الضريبي البلجيكي هي الميل التاريخي للحكومات إلى فرض ضرائب على العمل أكثر من رأس المال. فمنذ عام 1831، كانت وزارة المالية البلجيكية تخضع لسيطرة وزراء كاثوليك أو ليبراليين لمدة 180 عامًا تقريبًا.
هذا التوجه السياسي أدى إلى إبقاء الضرائب على رأس المال منخفضة، في حين استمر الضغط الضريبي على الأجور في التصاعد.
إضافة إلى ذلك، فإن الفيدرالية التي بدأت في السبعينيات زادت من تعقيد النظام المالي البلجيكي، مما دفع الحكومة المركزية إلى الاعتماد بشكل أكبر على الضرائب على الدخل المهني. كما أن العجز المالي المزمن، الناجم عن الأزمات الاقتصادية المتكررة، فرض على الدولة اللجوء إلى زيادة الضرائب بدلاً من تقليص الإنفاق.
هل يمكن إصلاح النظام الضريبي البلجيكي؟
على الرغم من الدعوات المتكررة من قبل النقابات العمالية وأرباب العمل لخفض الضرائب على الأجور، فإن أي إصلاح جوهري لا يزال يواجه عقبات كبيرة. فالبدائل المتاحة، مثل تقليص الإنفاق العام أو فرض ضرائب أكبر على رأس المال، تُعد مقترحات مثيرة للجدل سياسيًا. في الوقت نفسه، تبقى الضغوط الاقتصادية قائمة، حيث تتنافس الدول الأوروبية على استقطاب المواهب والاستثمارات من خلال أنظمة ضريبية أكثر مرونة.
