قرار استثنائي من زمن كورونا ما زال يؤثر على أكثر من 18 ألف شخص في بلجيكا حتى اليوم
بلجيكا 24- بعد مرور ست سنوات على جائحة كورونا، لا يزال أكثر من 18 ألف شخص في بلجيكا يعيشون على مخصصات العجز عن العمل حتى بلوغ سن التقاعد، نتيجة إجراء استثنائي اتُّخذ خلال ذروة الأزمة الصحية عندما كانت المؤسسات الطبية تواجه ضغطًا غير مسبوق.
وتكشف أرقام جديدة طُلبت من قبل حزب التحالف الفلمنكي الجديد (N-VA) أن 18,443 شخصًا ما زالوا حتى اليوم يستفيدون من هذا النظام، رغم أن القرار كان في الأصل إجراءً مؤقتًا فرضته الظروف الاستثنائية التي رافقت انتشار فيروس كورونا.
كيف بدأت القصة؟
في ديسمبر 2020، كانت بلجيكا تعيش الموجة الثانية من جائحة كورونا، مع فرض إجراءات إغلاق صارمة شملت حظر التجول ومنع التجمعات العائلية الكبيرة، بينما كانت المستشفيات تعمل تحت ضغط شديد بسبب تزايد أعداد المرضى.
وفي تلك الفترة، لم يكن الضغط يقتصر على المستشفيات فقط، بل شمل أيضًا الأطباء المكلفين بمراقبة ملفات الأشخاص الموجودين في حالة عجز طويل الأمد عن العمل. وبسبب القيود الصحية، لم يعد بالإمكان إجراء الفحوص الطبية الحضورية بالشكل المعتاد، ما أدى إلى تراكم آلاف الملفات وتعطل عمليات التقييم.
تمديد ما يقارب 30 ألف ملف بضغطة زر
أمام هذا الوضع، اتخذت اللجنة العليا للمجلس الطبي للعجز التابعة للمعهد الوطني للتأمين الصحي والعجز (INAMI) قرارًا استثنائيًا يقضي باعتبار 29,145 شخصًا غير قادرين على العمل حتى بلوغ سن التقاعد.
وجرى تنفيذ القرار بصورة آلية، دون أن يخضع أي من هؤلاء الأشخاص لفحص طبي جديد، أو تقييم لاحتمال عودتهم إلى العمل، ولو بشكل جزئي. وبموجب هذا القرار، مُددت ملفاتهم مباشرة حتى سن التقاعد القانوني، ولم يعد مطلوبًا منهم، من حيث المبدأ، المثول مرة أخرى أمام الطبيب المستشار التابع لصندوق التأمين الصحي.
من هم الأشخاص الذين شملهم القرار؟
لم يكن اختيار الملفات عشوائيًا، إذ ركزت اللجنة على الأشخاص الذين كانت فرص عودتهم إلى سوق العمل ضعيفة جدًا.
وشملت القائمة، على سبيل المثال، أشخاصًا تجاوزوا 58 عامًا وكانوا في حالة عجز عن العمل منذ أكثر من عشر سنوات، إضافة إلى آخرين في الخمسينيات من العمر أمضوا ما بين خمس وعشر سنوات خارج سوق العمل بسبب أوضاعهم الصحية.
لكن السن لم يكن الشرط الوحيد، إذ إن أي شخص تجاوزت مدة مرضه عشر سنوات كان يمكن أن يُصنف ضمن الفئة التي تُمنح العجز حتى التقاعد، وهو ما يعني أن بعض المستفيدين ربما كانوا في الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر وقت اتخاذ القرار.
بعد ست سنوات… أكثر من 18 ألف شخص ما زالوا ضمن النظام
تشير أحدث البيانات إلى أن 18,443 شخصًا لا يزالون حتى الآن يستفيدون من هذا الإجراء الاستثنائي.
وفي المقابل، خرج أكثر من 9,500 شخص من هذه الإحصاءات خلال السنوات الماضية، بعدما بلغ بعضهم سن التقاعد، أو توفي، أو عاد إلى العمل سواء بشكل طوعي أو بعد إعادة تقييم وضعه الصحي.
انتقادات سياسية للإجراء
النائب أكسل رونسه عن حزب (N-VA) اعتبر أن استمرار هذا النظام بعد انتهاء أزمة كورونا أمر يثير القلق، مؤكدًا أن الإجراء الاستثنائي لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة دائمة.
وأضاف أن كثيرًا من المستفيدين قد يكون لهم الحق قانونًا في الحصول على مخصصات المرض، إلا أن ذلك لا يلغي ضرورة خضوعهم لفحص دوري من قبل طبيب مختص لتقييم قدرتهم على العودة إلى العمل.
ويرى رونسه أن منح نحو 30 ألف شخص مخصصات حتى التقاعد دون أي مراقبة طبية مستمرة يصعب تبريره، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يزيد الضغط على نظام الضمان الاجتماعي.
الحكومة تعيد الفحوص الطبية ابتداءً من الخريف
من جانبه، أكد وزير الصحة فرانك فاندنبروك أن الحكومة الحالية تعمل على إعادة أكبر عدد ممكن من الأشخاص القادرين إلى سوق العمل، مشيرًا إلى أن الظروف الصحية للأفراد قد تتغير بمرور الوقت.
ولهذا السبب، ستعود الفحوص الطبية الدورية اعتبارًا من الخريف المقبل، بحيث يُطلب من جميع الأشخاص الموجودين في حالة عجز طويل الأمد، بمن فيهم الذين مُنحوا العجز حتى التقاعد، مراجعة طبيب مختص مرة واحدة على الأقل كل عام لإعادة تقييم أوضاعهم الصحية.
وسيحدد الطبيب خلال كل مراجعة ما إذا كان الشخص قادرًا على العودة إلى العمل، ولو بشكل جزئي، أو ما إذا كان لا يزال بحاجة إلى الاستمرار في الاستفادة من نظام العجز.
إعادة فحص أكثر من 218 ألف ملف حتى عام 2029
وتعتزم وزارة الصحة إعادة دراسة ملفات نحو 218 ألف شخص من أصحاب حالات العجز الطويلة بين عامي 2026 و2029، مع منح الأولوية للأشخاص الذين صُنِّفوا سابقًا على أنهم غير قادرين على العمل حتى التقاعد.
وأكد الوزير أن الهدف من هذه الخطوة ليس حرمان المرضى من حقوقهم، بل التأكد من أن كل حالة ما زالت تستوفي شروط الاستفادة، خاصة أن ما كان مستحيلًا قبل خمس سنوات قد يصبح ممكنًا اليوم بفضل تطور العلاجات وتحسن الحالة الصحية لبعض المرضى.
وأوضح أيضًا أن الحالات الطبية الخطيرة جدًا، مثل السرطان في مراحله المتقدمة، والخرف، والشلل الشديد، ومرض التصلب الجانبي الضموري (ALS)، ومرض باركنسون، ومتلازمة كورساكوف، ستظل مؤهلة للحصول على اعتراف دائم بالعجز عندما تبرر حالتها ذلك.
الحكومة: العودة إلى العمل قد تكون جزءًا من العلاج
وشدد وزير الصحة على أن العودة إلى العمل، حتى ولو لساعات محدودة، قد تساعد بعض المرضى في تحسين حالتهم النفسية والاجتماعية، من خلال استعادة الشعور بالاندماج وبناء العلاقات مع الآخرين، مؤكدًا أن الحوار السنوي مع الأشخاص الموجودين في حالة عجز سيصبح جزءًا أساسيًا من السياسة الجديدة لتقييم إمكانية العودة التدريجية إلى سوق العمل.
المصدر: HLN
