بعد ساعات من إقرار إصلاح ساعات العمل.. انقسام سياسي ونقابي واسع في بلجيكا
بلجيكا 24- توصلت الحكومة الفيدرالية في بلجيكا، بعد مفاوضات استمرت حتى ساعات الفجر، إلى اتفاق مبدئي بشأن عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية، كان أبرزها إصلاح نظام احتساب ساعات العمل، وذلك من خلال اعتماد الحساب السنوي لساعات العمل بدلًا من النظام الأسبوعي المعمول به حاليًا.
ويُنظر إلى هذا الإصلاح باعتباره أحد أبرز التغييرات في قانون العمل خلال السنوات الأخيرة، إذ يمنح الشركات مرونة أكبر في توزيع ساعات العمل على مدار العام، بينما يثير في الوقت نفسه مخاوف النقابات العمالية بشأن تأثيره على الموظفين.
الحكومة البلجيكية توافق على نظام جديد لساعات العمل.. ماذا سيتغير بالنسبة للموظفين؟
كيف سيعمل النظام الجديد؟
بموجب المشروع الجديد، لن يتم احتساب ساعات العمل أسبوعًا بأسبوع، وإنما سيتم توزيعها على مدار اثني عشر شهرًا.
ويعني ذلك أن الموظف قد يعمل عددًا أكبر من الساعات خلال الفترات التي تشهد نشاطًا مرتفعًا داخل الشركة، ثم يعمل ساعات أقل خلال الفترات الهادئة، مع بقاء متوسط ساعات العمل السنوية ضمن الحدود القانونية.
وأكد وزير العمل دافيد كلارينفال أن مدة العمل القانونية الكاملة ستظل 38 ساعة أسبوعيًا في المتوسط، ولن يتم تغيير هذا السقف.
تطبيق النظام بموافقة العامل
ينص المشروع، الذي حصل على موافقة مبدئية في القراءة الأولى، على أن تطبيق نظام توزيع ساعات العمل السنوية لن يتم إلا بعد موافقة العامل.
كما سيستمر الموظف في تقاضي الراتب نفسه كل شهر، بغض النظر عن عدد الساعات التي يعملها خلال فترة معينة، وهو ما يعني أن الدخل الشهري سيظل ثابتًا طوال العام.
الحكومة: مرونة أكبر للعامل وصاحب العمل
وترى الحكومة أن هذا النظام يمنح العامل حرية أكبر في تنظيم وقته بما يتناسب مع ظروفه الشخصية والعائلية، مثل رعاية الأطفال أو التعامل مع فترات الانشغال المختلفة خلال السنة.
وفي المقابل، يمنح الشركات قدرة أكبر على الاستجابة لفترات ارتفاع الطلب دون الحاجة إلى اللجوء باستمرار إلى حلول استثنائية، وهو ما تعتبره الحكومة توازنًا بين احتياجات الاقتصاد وحقوق العاملين.
قطاعات ستستفيد أكثر من غيرها
تشير الحكومة وأوساط أصحاب العمل إلى أن بعض القطاعات تعتمد بطبيعتها على مواسم تشهد ارتفاعًا أو انخفاضًا في النشاط، مثل السياحة، والفنادق والمطاعم، والصناعات الغذائية المرتبطة بالمناسبات.
وفي هذه القطاعات، قد تحتاج الشركات إلى تشغيل عدد أكبر من الموظفين ولساعات أطول خلال مواسم الذروة، مقابل تخفيف ساعات العمل عندما ينخفض النشاط.
واعتبرت مورغان دو هينين، وهي صاحبة ورشة لصناعة الشوكولاتة، أن هذه المرونة ستساعد الشركات الصغيرة على تلبية الطلب المرتفع خلال مواسم مثل عيد الحب وعيد الفصح وعيد الميلاد، دون تحمل تكاليف تشغيل مرتفعة طوال العام.
اتحاد الشركات: خطوة مهمة لسوق العمل
رحب اتحاد الشركات البلجيكية (FEB) بالإصلاح، واعتبره محطة مهمة لسوق العمل في بلجيكا.
وأوضح الاتحاد أن توزيع ساعات العمل على مدار السنة يمنح المؤسسات مرونة أكبر لتنظيم العمل بما يتناسب مع احتياجاتها الفعلية في ظل الظروف الاقتصادية المتغيرة.
وشدد الاتحاد في الوقت نفسه على أن العامل لن يكون ملزمًا بالانضمام إلى هذا النظام، وإنما سيتم تطبيقه فقط إذا تم التوصل إلى اتفاق فردي بينه وبين صاحب العمل.
الخلاف حول القدرة الشرائية
ورغم الاتفاق المبدئي، بقيت مسألة القدرة الشرائية واحدة من أكثر النقاط إثارة للنقاش داخل الائتلاف الحكومي.
ويخشى الحزب الاشتراكي الفلمنكي “Vooruit” من أن يؤدي اعتماد الحساب السنوي إلى تقليص فرص الحصول على الساعات الإضافية، وبالتالي فقدان بعض الامتيازات المالية والضريبية المرتبطة بها.
ولهذا السبب، أصر الحزب على تضمين مبدأ التعويض عن أي تراجع محتمل في دخل الموظفين.
وأوضح نائب رئيس الوزراء فرانك فاندنبروك أن الاتفاق ينص على ضرورة وضع آلية لتعويض أي خسارة في القدرة الشرائية، إلا أن شكل هذا التعويض لم يُحسم بعد، وقد يكون على هيئة مكافأة مالية، أو ساعات راحة إضافية، أو قسائم تعويضية.
وأكد فاندنبروك أن حزبه لن يمنح الموافقة النهائية على الإصلاح ما لم يتم الاتفاق على تعويض يحمي القدرة الشرائية للعمال.
أصحاب الأعمال: الإصلاح يخدم الاقتصاد والوظائف
من جهته، اعتبر الأمين العام لنقابة المستقلين (SNI)، كريستوف وامبيرسي، أن النظام الجديد يستجيب لحاجة حقيقية لدى العديد من القطاعات التي تختلف فيها وتيرة العمل باختلاف المواسم.
وأشار إلى أن الشركات التي تتمتع بمرونة أكبر تكون أكثر قدرة على الحفاظ على وظائفها وتعزيزها، لأنها تستطيع التكيف مع الطلب دون تحمل أعباء إضافية غير ضرورية.
النقابات تحذر من ضغوط على الموظفين
في المقابل، ترى النقابات العمالية أن الإصلاح قد يخل بالتوازن بين الحياة المهنية والحياة الخاصة، رغم ما تؤكده الحكومة من أنه سيحقق العكس.
وقالت الأمينة العامة للاتحاد العام للشغل في بلجيكا (FGTB)، سيلينا كاربونيرو فرنانديز، إن العامل قد يجد نفسه تحت ضغط غير مباشر للموافقة على النظام الجديد، بسبب علاقة التبعية الموجودة بينه وبين صاحب العمل.
وأضافت أن كثيرًا من الموظفين قد يترددون في رفض النظام خوفًا على وظائفهم أو على فرصهم المهنية.
مخاوف على الحياة الأسرية
وترى النقابات أيضًا أن توزيع ساعات العمل بطريقة مرنة قد يجعل جداول العمل أقل قابلية للتوقع، الأمر الذي قد يصعب على الموظفين تنظيم حياتهم العائلية، خاصة فيما يتعلق برعاية الأطفال.
وأشارت إلى أن هذا الوضع قد يؤثر بشكل أكبر على الأسر التي يعيلها أحد الوالدين فقط، والتي تعتمد على جداول عمل مستقرة لتنظيم حياتها اليومية.
الإصلاح لم يصبح نهائيًا بعد
ورغم موافقة الحكومة على المشروع في القراءة الأولى، فإن الإصلاح لم يدخل حيز التنفيذ بعد.
ومن المنتظر أن يُعرض الملف خلال المرحلة المقبلة على الشركاء الاجتماعيين، بما في ذلك النقابات ومنظمات أصحاب العمل، لاستكمال المشاورات قبل اعتماد الصيغة النهائية للقانون، وهو ما يعني أن تفاصيل مهمة لا تزال قابلة للتعديل خلال المفاوضات القادمة.
المصدر: RTL Info
