اخبار بلجيكا

صمت دي ويفر الصارم يشعل بلجيكا بإجراءات تهز الاقتصاد والمجتمع

بلجيكا 24- في 8 مايو 2025، يُكمل بارت دي فيفر 100 يوم في منصب رئيس وزراء بلجيكا، وهي فترة تميزت بصمت سياسي لافت وسلوك أقرب إلى الزهد السياسي، لكنه في الوقت ذاته يمضي بخطى ثابتة في تنفيذ خطة إصلاحية وُصفت بأنها الأكثر جرأة وربما الأكثر قسوة في تاريخ البلاد.

بعيدًا عن الصخب الإعلامي وعن أسلوب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي لطالما اتسم بالتصريحات النارية، تبنى دي فيفر أسلوبًا هادئًا ومتحفظًا. فمنذ توليه رئاسة الحكومة، لم يظهر كثيرًا في الإعلام، وأجرى مقابلات صحفية محدودة للغاية، حتى “اتفاق عيد الفصح”، أحد أبرز قرارات حكومته، تم الإعلان عنه دون مؤتمر صحفي، في خطوة غير معهودة في الأوساط السياسية البلجيكية.

وفقًا لمقربين، يتبع دي فيفر نهجًا “كالفينيًا” صارمًا في تسيير شؤون الدولة، مع إدراك عميق لحجم المهمة الملقاة على عاتقه. وقد عبّر عن ذلك بوضوح خلال خطابه أمام البرلمان، حيث صرح بأن بلجيكا على وشك دخول “أصعب مرحلة تقشف مالي في تاريخها”، مؤكدًا أن القرارات المرتقبة سيكون لها “أثر ملموس ومباشر على فئات واسعة من المجتمع”، وأضاف: “أنا أتفهم تمامًا قلق الناس”.

وفي الوقت الذي يحاول فيه رئيس الوزراء تجنب الخطابات العاطفية أو الشعبوية، فإن نبرته الصارمة لم تُطمئن الشارع، بل زادت من مخاوف الكثيرين، خاصة في ظل غياب تفاصيل دقيقة حول كيفية تنفيذ الإجراءات الجديدة، ما زاد من حالة الضبابية والارتباك في قطاعات حيوية.

قلق اجتماعي واسع النطاق
المخاوف الأكبر تدور حول خطة تقليص إعانات البطالة، إذ يعيش آلاف البلجيكيين من المستفيدين من هذه المساعدات، إلى جانب المؤسسات الاجتماعية كالمراكز العامة للعمل الاجتماعي (CPAS) والمنظمات المختصة في التوظيف، حالة من الترقب والقلق بشأن تأثيرات هذه الإجراءات.

كما أن الإصلاحات المقترحة في نظام التقاعد زادت الطين بلّة. القضاة، والأساتذة الجامعيون، والعاملون في الأنظمة الخاصة، جميعهم يشعرون بالتهديد في ظل معلومات متضاربة وأرقام مفزعة تُتداول دون وضوح رسمي، وهو ما زاد من حالة عدم اليقين.

القطاع الصحي كذلك ليس بمنأى عن القلق، مع تضارب في التصريحات الرسمية بشأن تمويل الرعاية الصحية، وعدم وضوح السياسات المستقبلية. وفي خضم ذلك، تتردد الحكومة في حسم مسألة الضريبة على الأرباح الرأسمالية، بينما لا تزال قضايا تمويل وزارة الدفاع عالقة في دائرة الغموض والتردد.

الثورة الصامتة: البداية فقط
رغم كل هذا، فإن هذه الأيام الـ100 الأولى لرئيس الوزراء تُعد بمثابة اللبنة الأولى في مسار إصلاحات كبرى، يرى بعض المراقبين أنها قد تمثل ثورة بنيوية في نمط الحكم ببلجيكا، لكنها أيضًا قد تؤدي إلى شلل سياسي واجتماعي إذا لم تُرفق بخطة تواصل شاملة ومباشرة مع المواطنين.

فالنجاح، وفق المحللين، لا يعتمد فقط على اتخاذ القرارات، بل على مدى قدرة الحكومة على توصيل أهدافها، كسب التأييد الشعبي، وضمان التفاعل الإيجابي مع الإجراءات عبر مؤسسات الدولة.

نداء ديني بلون سياسي
اللافت في خطاب بارت دي فيفر الأخير، هو اقتباسه عبارة لاتينية من العهد الجديد:
“Bonum fac et habebis laudem ex illa” — أي “افعل الخير وستنال المديح من السلطات”.
جملة ذات طابع ديني وعميق المعنى، تعكس فلسفته السياسية التي تمزج بين الانضباط الأخلاقي والمشروع الإصلاحي الصارم.

لكن يبقى السؤال الكبير: هل ستكفي الحكمة والتقشف وحدهما لقيادة بلجيكا نحو الخلاص المالي والاجتماعي، أم أن هذا النهج قد يفتح أبواب المواجهة والتصعيد؟

المصدر: صحيفة L’Echo البلجيكية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!