طقس بلجيكا

بلجيكا تقترب من مرحلة مقلقة.. عالم مناخ يحذر: لا تنتظروا حتى يصبح التكيف مستحيلًا

بلجيكا 24- لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ظاهرة صيفية عابرة، إذ أصبحت درجات الحرارة المرتفعة وقلة الأمطار تطرح سؤالًا أكثر خطورة يتعلق بمستقبل المياه وقدرة الدول على مواجهة فترات الجفاف.

وفي الوقت الذي شهدت فيه أوروبا شهري يونيو ويوليو من بين الأكثر حرارة، إلى جانب تسجيل واحدة من أكثر الفترات جفافًا خلال القرن الماضي، تستعد المنطقة لموجة جديدة من الحرارة.

وفي بلجيكا تحديدًا، يحذر عالم المناخ البلجيكي جان باسكال فان إبرسل من ضرورة التعامل مع الوضع بجدية أكبر، مؤكدًا أن البلاد لم تصل بعد إلى مرحلة حرجة، لكنها تقترب منها وتحتاج إلى الاستعداد قبل أن تصبح الخيارات أكثر صعوبة.

الحرارة تعود بقوة إلى بلجيكا.. وهذه المرة يومان سيكونان الأصعب

متى يمكن القول إن بلجيكا تعاني من الجفاف؟

الجفاف لا يعني ببساطة أن السماء لم تمطر لعدة أيام.

وبحسب فان إبرسل، يمكن الحديث عن الجفاف عندما تصبح كميات المياه التي تسقط من السماء أو المتوفرة في التربة أو الموجودة في الأنهار والمجاري المائية أقل من المستويات الطبيعية لفترة مستمرة.

لكن لا يوجد رقم واحد يمكن استخدامه لتحديد بداية الجفاف في جميع الحالات، لأن الظاهرة لها أشكال مختلفة وتتأثر بعدة عوامل.

ثلاثة أنواع من الجفاف

يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع رئيسية من الجفاف.

الجفاف الجوي: يحدث عندما لا تهطل كميات كافية من الأمطار لفترة معينة.

الجفاف الزراعي: يظهر عندما تصبح الطبقات الأولى من التربة أكثر جفافًا، ما يجعل نمو النباتات والأشجار أكثر صعوبة.

الجفاف الهيدرولوجي: يظهر عندما تصبح مستويات المياه في الأنهار والمجاري المائية أقل من المعتاد بشكل واضح.

وهذه الأنواع لا تظهر بالضرورة في الوقت نفسه، ولذلك قد يبدأ تأثير نقص الأمطار في الطبيعة والزراعة قبل أن يشعر السكان مباشرة بنقص في مياه الشرب.

المشكلة قد تبدأ في الشتاء وليس الصيف

ومن النقاط المهمة التي يلفت إليها عالم المناخ أن الجفاف الذي يظهر خلال الصيف قد تكون بدايته الحقيقية خلال الشتاء.

فالشتاء يمثل فترة مهمة لإعادة تكوين احتياطات المياه، بسبب ارتفاع كميات الأمطار عادة وطول الفترات التي تتساقط خلالها، ما يمنح المياه وقتًا للتغلغل داخل التربة والوصول إلى المياه الجوفية.

لكن إذا لم تكن الأمطار الشتوية كافية، فإن المياه الجوفية والاحتياطات المائية لا تحصل على فرصة كافية للتجدد.

وبالتالي يبدأ الربيع مع ما يشبه «عجزًا» مائيًا منذ البداية.

وإذا تزامن ذلك مع قلة الأمطار خلال الربيع والصيف وارتفاع درجات الحرارة، تصبح المياه الموجودة في التربة عرضة للتبخر بسرعة أكبر، ما يزيد من خطر الجفاف.

بلجيكا ليست في الوضع الحرج بعد.. لكنها تقترب

ويرى فان إبرسل أن احتياطات المياه خلال الشتاء الماضي تحسنت بشكل كبير، لكنها لم تكن كافية بالنظر إلى قلة الأمطار التي تلت ذلك، وخصوصًا الحرارة المرتفعة جدًا خلال شهر يونيو.

فدرجات الحرارة المرتفعة تؤدي إلى زيادة كبيرة في تبخر المياه، سواء من أسطح المياه أو من التربة التي تعتمد عليها الأنظمة البيئية.

ويشير عالم المناخ إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تقلبات متزايدة، مع عدم حصول المياه الجوفية في بعض الفترات على الوقت أو الكميات الكافية لإعادة تكوين احتياطاتها، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالجفاف خلال الصيف.

وعند مقارنة الوضع في بلجيكا بما يحدث في فرنسا، يرى فان إبرسل أن فرنسا أكثر تعرضًا للجفاف بسبب موقعها الجغرافي جنوبًا، بينما تقع بلجيكا بعيدًا نسبيًا عن المناطق الأكثر تأثرًا بالجفاف، خصوصًا حوض البحر الأبيض المتوسط.

لكن هذا لا يعني أن بلجيكا خارج دائرة الخطر.

ويؤكد عالم المناخ أن الوضع في بلجيكا ليس حرجًا تمامًا في الوقت الحالي، لكنه يقترب من ذلك ويحتاج إلى مراقبة شديدة.

من سيتأثر أولًا إذا اشتد الجفاف؟

قد يعتقد البعض أن أول ما سيتأثر هو مياه الشرب، لكن التأثيرات يمكن أن تبدأ في أماكن أخرى قبل الوصول إلى هذه المرحلة.

وبحسب فان إبرسل، ستكون الأنظمة البيئية والنباتات والكائنات الحية القريبة من سطح الأرض من بين أول المتضررين.

كما يمكن أن تتأثر الزراعة، خصوصًا إذا لم تحصل المحاصيل على كميات المياه التي تحتاج إليها، ما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي.

وفي مرحلة لاحقة، يمكن أن يصل الضغط إلى موارد مياه الشرب نفسها، وهو ما يجعل الحفاظ على المياه قبل الوصول إلى هذه النقطة أكثر أهمية.

تحذير خاص للحدائق في بلجيكا

يرى عالم المناخ أن بلجيكا تحتاج بجدية إلى البدء في تكييف حدائقها مع صيف أكثر جفافًا.

وهذا يعني التفكير في أنواع النباتات والأشجار التي تحتاج إلى كميات أقل من المياه، بدل الاعتماد بشكل متزايد على الري خلال فترات ارتفاع الحرارة.

كما أن استخدام المياه في الأنشطة غير الضرورية يجب أن يكون من أول الأمور التي يجري الحد منها عندما يصبح الوضع أكثر صعوبة.

ومن بين الأمثلة التي أشار إليها فان إبرسل غسل السيارات وري المساحات الخضراء التي يمكن استبدالها بأنواع نباتية أكثر قدرة على تحمل الجفاف.

متى يمكن أن تبدأ القيود على استخدام المياه؟

مع وجود قيود على استخدام المياه في بعض المناطق، يرى فان إبرسل أن السلطات قد تحتاج، إذا ازداد الضغط على الموارد المائية، إلى الانتقال إلى مستوى أكثر صرامة.

ومن بين الإجراءات الممكنة منع الاستخدامات غير الأساسية للمياه بهدف الاحتفاظ بأكبر كمية ممكنة من الموارد للقطاعات الأكثر حاجة، وعلى رأسها الزراعة.

كما يمكن إعطاء الأولوية لاستخدام المياه في الحدائق المنزلية وزراعة الخضروات عندما يكون ذلك ضروريًا، بدل استخدامها في أنشطة يمكن الاستغناء عنها.

والرسالة الأساسية هنا هي أن المياه ليست موردًا لا ينفد، خصوصًا عندما تتزامن قلة الأمطار مع ارتفاع درجات الحرارة والتبخر.

المشكلة تبدأ من الإسفلت والخرسانة

التكيف مع الجفاف لا يتعلق فقط بكمية المياه التي نستخدمها، وإنما أيضًا بقدرة الأرض على الاحتفاظ بها.

ولهذا يشير فان إبرسل إلى أهمية تقليل الأسطح غير القابلة لنفاذ المياه، مثل الخرسانة والإسفلت، وزيادة المساحات التي تسمح للمياه بالتغلغل داخل التربة.

فكلما تمكنت مياه الأمطار من الوصول إلى التربة، زادت فرص تخزينها على المدى الطويل وإعادة تغذية المياه الجوفية.

وهذا النوع من الإجراءات تتجه إليه بعض الدول المجاورة من خلال مشاريع تهدف إلى إزالة الأسطح الصلبة وإعادة جعل التربة أكثر قدرة على امتصاص مياه الأمطار.

خزانات مياه الأمطار قد تصبح أكثر أهمية

من الإجراءات الأخرى التي يمكن اعتمادها زيادة استخدام خزانات مياه الأمطار.

ويمكن جمع المياه المتساقطة على أسطح المنازل والاستفادة منها في ري الحدائق والخضروات، أو في بعض الاستخدامات المنزلية التي لا تحتاج إلى مياه صالحة للشرب، مثل تنظيف المراحيض.

كما يمكن اختيار نباتات وأشجار تحتاج إلى كميات أقل من المياه، ما يقلل الحاجة إلى الري خلال فترات الجفاف والحرارة المرتفعة.

التكيف وحده لن يكون كافيًا

لكن فان إبرسل يحذر من نقطة أكثر أهمية: التكيف مع تغير المناخ لا يمكن أن يكون الحل الوحيد.

فحتى لو قامت بلجيكا بتغيير حدائقها وإدارة مياهها وتحسين طريقة تخزين مياه الأمطار، فإن ارتفاع درجات الحرارة واستمرار تغير المناخ سيجعلان التكيف أكثر صعوبة إذا لم تترافق هذه الإجراءات مع خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

ويحذر عالم المناخ من أنه إذا لم تُبذل كل الجهود الممكنة للحد من تغير المناخ، فقد تصل الأوضاع خلال العقود المقبلة إلى مرحلة تصبح فيها قدرة المجتمعات على التكيف محدودة جدًا.

العلماء حذروا منذ التسعينيات

المفارقة أن الكثير من التغيرات التي يشهدها العالم اليوم لم تأتِ دون تحذير.

فبحسب فان إبرسل، كانت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC قد حذرت منذ تسعينيات القرن الماضي من العديد من المخاطر المرتبطة بتغير المناخ.

ويعبر عالم المناخ عن شعور بالحزن والإحباط لأن العديد من الرسائل التي قدمها المجتمع العلمي لم تؤخذ بالجدية والحجم المطلوبين، سواء من جانب السياسيين أو الفاعلين الاقتصاديين أو حتى جزء من المواطنين.

واليوم، أصبحت آثار تغير المناخ أكثر وضوحًا، من موجات الحر والجفاف إلى الحرائق والضغوط المتزايدة على الموارد المائية.

هل يمكن أن تصل الحرارة إلى 50 درجة في بلجيكا؟

مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل متكرر، يطرح سؤال مخيف نفسه: هل يمكن أن تصل درجات الحرارة يومًا ما إلى 50 درجة مئوية في بلجيكا؟

لا يتوقع فان إبرسل حدوث ذلك في المستقبل القريب، ويرى أن الوصول إلى 50 درجة يمكن أن يحدث في بعض مناطق فرنسا خلال القرن الحادي والعشرين، لكنه غير مقتنع بأن بلجيكا ستصل بالضرورة إلى هذه الدرجة.

ومع ذلك، لا يستبعد الاحتمال تمامًا، ويشدد على أن عدم انتظار الوصول إلى درجات حرارة قصوى هو النقطة الأهم.

فالمشكلة، في رأيه، لا تبدأ عندما تصبح الحرارة غير محتملة، وإنما عندما تبدأ المؤشرات الحالية بالتراكم دون اتخاذ الإجراءات اللازمة.

بلجيكا ما زالت متأخرة في الاستعداد

ويرى عالم المناخ أن بلجيكا لم تتعامل حتى الآن مع التكيف مع تغير المناخ بالسرعة المطلوبة.

ويشير أيضًا إلى أن بعض المجالس والاستشارات العلمية التي تم إنشاؤها رسميًا في بلجيكا، سواء على المستوى الفيدرالي أو في والونيا، لم تصبح حتى الآن جاهزة للعمل بالشكل المتوقع منها.

وبالنسبة له، فإن الاستماع إلى العلماء يجب ألا يكون مجرد فكرة موجودة على الورق، بل يجب أن يتحول إلى آلية فعلية تساعد صناع القرار على التعامل مع المخاطر القادمة.

«الوقاية أرخص بكثير من العلاج»

الرسالة الأبرز التي يوجهها فان إبرسل تتعلق بالتكلفة.

ففي مواجهة تغير المناخ، قد يبدو الإنفاق على البنية التحتية وتخزين المياه وتغيير المدن والحدائق وتقليل الانبعاثات مكلفًا في الوقت الحالي.

لكن الانتظار حتى تصبح الأضرار واسعة النطاق قد يكون أكثر تكلفة بكثير.

ولهذا يرى عالم المناخ أن الوقاية أرخص بكثير من محاولة علاج الأضرار بعد وقوعها، وأن الاستعداد اليوم لمواجهة مناخ أكثر تطرفًا أقل تكلفة من الانتظار حتى تصبح درجات الحرارة والظواهر المناخية شديدة لدرجة يصعب معها التعامل معها.

وبالنسبة لبلجيكا، فإن الرسالة واضحة: الحفاظ على المياه، تكييف المدن والحدائق، السماح لمياه الأمطار بالتغلغل في التربة، تقليل الهدر وخفض الانبعاثات ليست إجراءات يمكن تأجيلها إلى أن تصبح الأزمة واضحة للجميع.

فالجفاف الذي يظهر في الصيف قد تكون جذوره قد بدأت قبل أشهر، والمياه التي يتم الحفاظ عليها اليوم قد تكون هي نفسها التي تحتاج إليها الطبيعة والزراعة والسكان غدًا.

المصدر: RTBF

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!