البرلمان البلجيكي يناقش قانونًا جديدًا لتفتيش منازل مهاجرين يقيمون بصورة غير نظامية
بلجيكا 24- لا يزال مشروع قانون «الزيارات المنزلية» الذي تقدمت به الحكومة البلجيكية يثير نقاشًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا داخل البرلمان، بعدما تحول إلى أحد أكثر مشاريع القوانين إثارة للجدل خلال الدورة التشريعية الحالية. وبينما تؤكد الحكومة أن الهدف منه هو تعزيز سياسة إعادة الأجانب المقيمين بصورة غير نظامية الذين يشكلون خطرًا على الأمن العام، ترى أحزاب المعارضة وجمعيات حقوق الإنسان أن المشروع يهدد الحقوق والحريات الأساسية.
وشهدت لجنة الداخلية في مجلس النواب، الأربعاء، ساعات طويلة من المناقشات، وسط مؤشرات على أن التصويت النهائي على المشروع لن يتم في اليوم نفسه، بسبب استمرار النقاشات وتقديم العديد من الملاحظات والاستفسارات.
ما الذي ينص عليه مشروع القانون؟
يقضي مشروع القانون، الذي قدمته وزيرة اللجوء والهجرة آنلين فان بوسويت، بالسماح لمكتب الأجانب بطلب مساعدة الشرطة لدخول منزل خاص من أجل توقيف شخص أجنبي يقيم في بلجيكا بصورة غير قانونية، إذا كان قد صدر بحقه أمر بمغادرة البلاد ويُعتبر، وفق السلطات، تهديدًا للأمن الوطني أو للنظام العام.
وينص المشروع في الوقت نفسه على ضرورة الحصول مسبقًا على إذن من قاضي التحقيق قبل تنفيذ أي عملية دخول إلى منزل خاص، وهو ما تقول الحكومة إنه يشكل ضمانة قانونية لاحترام الحقوق الأساسية.
مشروع يعود إلى الواجهة بعد سنوات
ليست هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها مثل هذا التشريع، إذ سبق أن حاولت الحكومة البلجيكية في عامي 2017 و2018 تمرير مشروع مشابه، إلا أنه واجه معارضة واسعة من الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية، وانتهى بعدم اعتماده.
ورغم أن النسخة الحالية أكثر تقييدًا من المشروع السابق، فإنها ما زالت تواجه اعتراضات من القضاة والمحامين وعدد من المنظمات المدنية، التي ترى أن النص يثير مخاوف تتعلق بحماية حرمة المنازل والحقوق الفردية.
المعارضة: المشروع يهدد الحريات
وخلال المناقشات البرلمانية، اعتبرت أحزاب اليسار أن المشروع يمثل تراجعًا عن المبادئ الأساسية لدولة القانون.
وقال النائب جوليان ريبو عن حزب العمال البلجيكي إن المشروع “عاد إلى الحياة” بعد أن تم إسقاطه قبل سنوات نتيجة احتجاجات واسعة، مضيفًا أن جزءًا كبيرًا من المجتمع لا يزال يرفض منح السلطات صلاحيات قد تمس بحرمة المساكن.
من جهته، استعرض النائب الاشتراكي خليل العواستي سلسلة من الاعتراضات القانونية، مؤكدًا أن النص، بصيغته الحالية، يثير إشكالات تتعلق بالفصل بين السلطات، وحرمة المسكن، وحق الأفراد في الطعن القضائي، معتبرًا أن بعض مواده قد لا تكون متوافقة مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
الحكومة ترفض الاتهامات
في المقابل، شددت أحزاب الأغلبية على أن المشروع لا يستهدف جميع المهاجرين غير النظاميين، وإنما يقتصر على الحالات التي تعتبرها السلطات خطرًا فعليًا على الأمن العام أو الأمن الوطني.
وأكد النائب دينيس دوكارم أن الهدف من القانون هو “حماية المواطنين وإبعاد الأشخاص الذين يشكلون تهديدًا خطيرًا”، نافيًا بشكل قاطع أن يكون المشروع موجهًا ضد الأشخاص لمجرد عدم امتلاكهم وثائق إقامة.
كما اتهم بعض نواب الأغلبية خصوم المشروع بنشر معلومات مضللة حول مضمونه، مؤكدين أن النص لا يمنح الشرطة صلاحيات مطلقة، بل يفرض رقابة قضائية مسبقة عبر موافقة قاضي التحقيق.
تساؤلات داخل أحزاب الأغلبية
ورغم دفاع الحكومة عن المشروع، فإن النقاش لم يقتصر على المعارضة، إذ برزت تساؤلات مهمة من داخل أحزاب الائتلاف الحاكم، خاصة لدى حزب “ليزانغاجيه” (Les Engagés)، الذي سبق أن عارض المشروع المشابه عام 2017.
وطالب النائب كزافييه دوبوا الحكومة بالإجابة عن مجموعة من الأسئلة القانونية والعملية قبل اتخاذ موقف نهائي، مؤكدًا أن حزبه سيدرس الردود بعناية قبل تحديد كيفية التصويت على المشروع.
وأثارت هذه المواقف تساؤلات داخل البرلمان حول ما إذا كان الحزب سيدعم النص بصيغته الحالية، في ظل الانتقادات المتزايدة التي أبدتها الأوساط القضائية والحقوقية.
نقاش مرشح للاستمرار
ويبدو أن مشروع «التفتيش المنزلي» سيظل من أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل الساحة السياسية البلجيكية خلال الفترة المقبلة، إذ يجمع بين اعتبارات الأمن والهجرة من جهة، وحماية الحقوق والحريات الفردية من جهة أخرى.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن القانون ضروري لتعزيز تنفيذ أوامر مغادرة البلاد بحق الأشخاص الذين يمثلون خطرًا على المجتمع، تصر المعارضة وعدد من الهيئات القضائية والحقوقية على ضرورة توفير ضمانات إضافية تحول دون المساس بحرمة المنازل أو انتهاك الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور البلجيكي والاتفاقيات الأوروبية.
المصدر: RTBF
