هجرة و لجوء

العودة الطوعية في بلجيكا 2026.. لماذا يختار بعض المهاجرين العودة إلى بلدانهم؟ وكيف تعمل البرامج الحكومية فعلياً؟

بلجيكا 24- عندما يسمع كثير من الناس مصطلح “العودة الطوعية” في بلجيكا، يعتقدون مباشرة أن الأمر يتعلق بالترحيل أو الإبعاد القسري، لكن الواقع مختلف تماماً. فالعودة الطوعية تُعتبر برنامجاً رسمياً يسمح لبعض الأجانب أو طالبي اللجوء أو المهاجرين بالعودة إلى بلدانهم الأصلية بشكل اختياري، مع الحصول أحياناً على دعم مالي أو إداري أو لوجستي يساعدهم على بدء حياة جديدة بعد العودة.

وخلال السنوات الأخيرة عاد موضوع العودة الطوعية إلى الواجهة بقوة داخل بلجيكا وعدة دول أوروبية بسبب:

زيادة أعداد طلبات اللجوء، وارتفاع تكاليف الاستقبال، وتعقيد ملفات الإقامة لبعض الأشخاص، بالإضافة إلى وجود مهاجرين قرروا بأنفسهم أن الحياة التي كانوا يتوقعونها في أوروبا لم تتحقق بالشكل الذي حلموا به.

لكن رغم ذلك، ما زال هذا الموضوع غامضاً بالنسبة لكثير من الناس، خصوصاً داخل الجاليات العربية، حيث تنتشر معلومات متضاربة حول:

هل العودة الطوعية تؤثر على إمكانية الرجوع إلى أوروبا مستقبلاً؟ وهل يحصل الشخص فعلاً على المال؟ ومن يحق له الاستفادة؟ وهل يمكن التراجع عن القرار؟ وما الفرق بينها وبين الترحيل؟

في هذا التقرير المفصل نستعرض كيف تعمل برامج العودة الطوعية في بلجيكا، ومن هم الأشخاص الذين يلجؤون إليها، ولماذا يقرر بعض المهاجرين ترك أوروبا والعودة إلى أوطانهم رغم كل ما مروا به للوصول إليها.

العودة الطوعية تختلف بشكل أساسي عن الترحيل القسري. ففي حالة الترحيل يكون الشخص مجبراً على المغادرة بسبب قرار قانوني أو انتهاء حق الإقامة، بينما تقوم العودة الطوعية على فكرة أن الشخص يقرر بنفسه مغادرة بلجيكا والعودة إلى بلده الأصلي بموافقة شخصية منه.

وغالباً ما يتم تنظيم هذه العملية عبر برامج تشرف عليها:

Fedasil (بالفرنسية والهولندية بنفس الاسم تقريباً)، أو بالتعاون مع منظمات دولية مثل المنظمة الدولية للهجرة.

وتشمل المساعدة في بعض الحالات:

حجز تذاكر السفر، وتنظيم الوثائق، والمرافقة الإدارية، وأحياناً تقديم دعم مالي أو مساعدة لإعادة الاندماج داخل البلد الأصلي.

ومن بين أكثر الأشخاص الذين يفكرون في العودة الطوعية:

طالبي اللجوء الذين تم رفض ملفاتهم، أو الأشخاص الذين يعيشون بدون إقامة قانونية مستقرة، أو مهاجرين شعروا بعد سنوات أن الحياة في بلجيكا لم تعد تناسبهم نفسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً.

كما توجد حالات لأشخاص وصلوا إلى أوروبا وهم يتوقعون العثور بسرعة على:

العمل، والمال، والاستقرار، لكنهم اصطدموا لاحقاً بصعوبات اللغة والسكن والعزلة والضغوط النفسية، ما دفعهم إلى إعادة التفكير في فكرة البقاء نهائياً داخل أوروبا.

وفي بعض الحالات يكون العامل النفسي أهم من العامل المادي. فهناك مهاجرون تمكنوا فعلاً من العمل أو الاستقرار النسبي، لكنهم لم يستطيعوا التأقلم مع:

الوحدة، والبعد عن العائلة، والطقس، والروتين، والحياة الفردية داخل المجتمع الأوروبي.

وبعد سنوات من المحاولة يقرر بعضهم أن العودة إلى بلدهم الأصلي، رغم كل الصعوبات الموجودة هناك، تمنحهم راحة نفسية أكبر من الاستمرار في حياة يشعرون فيها بالغربة الدائمة.

أما من ناحية الدعم المالي، فالكثير من الناس يبالغون في تصور حجم المساعدات التي يحصل عليها العائدون. فالعودة الطوعية لا تعني الحصول على “ثروة” كما يشاع أحياناً على الإنترنت، بل تكون المساعدات غالباً محدودة ومرتبطة بالحالة الشخصية وبلد العودة والبرنامج المستخدم.

وفي بعض الملفات يحصل الشخص على:

مبلغ بسيط للمساعدة في بداية العودة، أو دعم لإنشاء مشروع صغير، أو مساعدة مرتبطة بالسكن أو التدريب المهني داخل بلده الأصلي.

لكن هذه المساعدات تختلف من حالة لأخرى، ولا يحصل الجميع على نفس الامتيازات.

ومن النقاط التي تثير خوف بعض المهاجرين سؤال مهم جداً:

هل العودة الطوعية تمنع الشخص من دخول أوروبا مستقبلاً؟

والإجابة تعتمد على الوضع القانوني لكل ملف. ففي بعض الحالات لا يتم فرض منع دخول، خصوصاً إذا تمت المغادرة بشكل قانوني ومنظم، بينما توجد حالات أخرى قد تتأثر بقرارات سابقة مرتبطة بالإقامة أو الترحيل أو مدة البقاء غير القانونية.

ولهذا يُنصح دائماً بعدم الاعتماد على كلام الناس أو الشائعات، بل الاستفسار مباشرة من الجهات المختصة قبل اتخاذ أي قرار مصيري.

كثير من الأشخاص يترددون أيضاً بسبب نظرة المجتمع إلى فكرة العودة. ففي بعض البيئات العربية يُنظر أحياناً إلى الرجوع من أوروبا وكأنه:

فشل، أو خسارة، أو اعتراف بعدم النجاح.

ولهذا يستمر بعض الناس في العيش داخل ظروف صعبة نفسياً أو مادياً فقط خوفاً من كلام الآخرين أو من صورة “المهاجر الناجح” التي يحاولون الحفاظ عليها أمام العائلة والأصدقاء.

لكن الواقع أن تجربة الهجرة تختلف من شخص لآخر، وليس كل إنسان قادراً على التأقلم مع نفس الظروف أو نفس أسلوب الحياة.

ومن الأشياء التي تغيرت خلال السنوات الأخيرة أن بعض العائدين لم يعودوا بالضرورة أشخاصاً فقراء أو فاشلين، بل هناك من عاد لأنه:

جمع مبلغاً مالياً معيناً، أو أراد الاستثمار في بلده، أو فضّل تربية أطفاله قرب العائلة، أو شعر بأن جودة حياته النفسية أصبحت أهم من البقاء داخل أوروبا بأي ثمن.

كما أن بعض الأشخاص يقررون العودة بعد التقاعد أو بعد سنوات طويلة من العمل، خصوصاً إذا كانوا يمتلكون منزلاً أو مشروعاً في بلدهم الأصلي.

وفي المقابل توجد أيضاً حالات لأشخاص عادوا ثم ندموا لاحقاً، بعدما اكتشفوا أنهم اشتاقوا إلى:

النظام، والاستقرار، والخدمات، والرعاية الصحية، والحياة التي اعتادوا عليها في بلجيكا.

ولهذا تبقى العودة قراراً معقداً جداً، ولا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع.

بعض المهاجرين يعيشون فعلياً بين عالمين، فلا هم قادرون على الانفصال الكامل عن أوروبا، ولا يستطيعون التخلي نهائياً عن بلدهم الأصلي. ولهذا يحاولون خلق توازن عبر:

العمل في بلجيكا لفترات، ثم العودة المؤقتة، أو قضاء جزء من السنة في الوطن الأم، خصوصاً عندما تسمح ظروف العمل أو التقاعد بذلك.

كما أن موضوع العودة الطوعية أصبح مرتبطاً أيضاً بالنقاشات السياسية داخل أوروبا، حيث تحاول بعض الحكومات تشجيع المغادرة الطوعية بدلاً من الدخول في:

إجراءات الترحيل الطويلة والمكلفة والمعقدة قانونياً.

لكن منظمات حقوقية تؤكد في المقابل أن بعض الأشخاص يختارون “العودة الطوعية” تحت ضغط:

الفقر، أو رفض اللجوء، أو غياب الحلول القانونية، ما يجعل القرار أحياناً أقل “طوعية” مما يبدو على الورق.

وفي النهاية تبقى الهجرة تجربة إنسانية معقدة جداً لا يمكن اختصارها في فكرة النجاح أو الفشل فقط. فبعض الأشخاص يجدون أنفسهم فعلاً في بلجيكا ويبنون حياة مستقرة وسعيدة، بينما يكتشف آخرون أن الراحة النفسية والانتماء والقرب من العائلة أهم بالنسبة لهم من الاستمرار في الغربة مهما كانت المزايا المادية.

ولهذا فإن العودة الطوعية ليست مجرد إجراء إداري أو تذكرة سفر، بل قرار شخصي عميق يرتبط بالحياة كلها: الهوية، والمستقبل، والعائلة، والراحة النفسية، والصورة التي يريد الإنسان أن يعيش بها بقية عمره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!