بلجيكا 24- قررت الحكومة البلجيكية برئاسة بارت دي فيفر تأجيل مناقشة عدد من الملفات الأخلاقية الحساسة، وفي مقدمتها تمديد المهلة القانونية للإجهاض. وجاء القرار في محاولة لتجنب انقسامات داخل الائتلاف الحاكم في وقت يواجه فيه تحديات سياسية ومالية متزايدة.
ويُستخدم مصطلح “وضع الملف في الثلاجة” في السياسة البلجيكية للإشارة إلى تأجيل القضايا الخلافية إلى وقت لاحق. ويبدو أن رئيس الوزراء اختار هذا المسار لتفادي تفجر الخلافات داخل حكومته قبل معالجة ملفات يعتبرها أكثر إلحاحاً.
توتر متزايد داخل الائتلاف الحاكم
شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً في حدة التوتر داخل الأغلبية الحكومية. فقد بدأت أحزاب المعارضة في البرلمان الدفع بمقترحاتها الخاصة بشأن بعض الملفات الأخلاقية، وعلى رأسها مشروع تمديد المهلة القانونية للإجهاض إلى 18 أسبوعاً.
ويستند هذا المقترح إلى توصيات قدمتها لجنة خبراء كلفها البرلمان البلجيكي بدراسة الملف قبل أكثر من ثلاث سنوات. وترى المعارضة أن الوقت حان لاتخاذ قرار نهائي بشأن هذه القضية.
في المقابل، أبدى حزب فورويت، وهو الحزب الوحيد من يسار الوسط داخل الائتلاف الحاكم، انزعاجه من استمرار التأجيل. وظهرت مؤشرات على إمكانية تصويته إلى جانب المعارضة لتجاوز اعتراضات حزب CD&V.
أما حزب CD&V، الذي يعتبر القضية مسألة حكومية أساسية، فقد اقترح حلاً وسطاً يقضي بتمديد المهلة القانونية للإجهاض إلى 14 أسبوعاً فقط. ويعني ذلك إضافة أسبوعين مقارنة بالقانون الحالي، لكنه يبقى أقل بأربعة أسابيع من توصية الخبراء.
ولم ينجح هذا المقترح في إرضاء أي من الطرفين. فالمعارضة اعتبرته غير كافٍ، بينما رأى حزب فورويت أنه لا يستجيب للمطالب المطروحة منذ سنوات.
دي فيفر يختار تأجيل المواجهة
أمام هذا الانقسام، فضل بارت دي فيفر إبعاد الملف مؤقتاً عن طاولة الصراع السياسي. وقررت الحكومة تأجيل مناقشة هذه القضايا إلى موعد لاحق، مع الالتزام بعرض حزمة من النصوص القانونية في قراءة أولى قبل الأول من ديسمبر المقبل.
ولا يقتصر التأجيل على ملف الإجهاض وحده. بل يشمل أيضاً قضايا أخرى ذات حساسية كبيرة، مثل الولادة السرية، والقتل الرحيم للأشخاص المصابين بالخرف، وتنظيم قضايا الأمهات البديلات.
وتندرج جميع هذه الملفات ضمن الاتفاق الحكومي، لكنها لا تزال تحتاج إلى توافق سياسي شامل قبل الانتقال إلى مرحلة التشريع.
وسجلت الحكومة تقدماً محدوداً في ملف أقل حساسية من غيره، ويتمثل في إمكانية رفع السرية عن هوية المتبرعين بالحيوانات المنوية، وهو موضوع يحظى بقدر أكبر من التوافق بين الأحزاب.
انتقادات لفكرة المقايضة بين الملفات
أثار جمع هذه الملفات ضمن حزمة واحدة انتقادات واسعة في الأوساط السياسية. ويرى منتقدو القرار أن الربط بين قضايا أخلاقية مختلفة قد يفتح الباب أمام صفقات سياسية على حساب المبادئ الأساسية لكل ملف.
ويطرح مراقبون تساؤلات حول إمكانية استخدام بعض القضايا كورقة تفاوضية. فهل يمكن مثلاً التراجع عن توسيع حقوق النساء في الإجهاض مقابل تنازلات في ملفات أخرى؟ وهل يمكن ربط تعديلات تتعلق بالقتل الرحيم أو بالأمومة البديلة بتنازلات سياسية متبادلة؟
وتوجه بعض الانتقادات بشكل خاص إلى حزب CD&V، الذي يقدم موقفه على أنه قائم على مبدأ احترام الحياة. ويرى معارضون أن هذا المبدأ يصعب التوفيق بينه وبين منطق المساومات السياسية.
الأزمة المالية تتقدم على الملفات الأخلاقية
تشير المعطيات السياسية إلى أن بارت دي فيفر لا يريد الدخول في مواجهة مع حزب CD&V قبل التوصل إلى حلول للأزمة المالية التي تواجهها الحكومة.
وتحتاج الحكومة البلجيكية إلى إيجاد نحو سبعة مليارات يورو قبل شهر أكتوبر المقبل من أجل معالجة الاختلالات المالية والحد من تدهور الميزانية العامة.
ولهذا السبب، يبدو أن قرار التأجيل يحمل بعداً استراتيجياً. فالهدف الأساسي هو تخفيف الضغوط السياسية والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك داخل الائتلاف، حتى تتمكن الحكومة من معالجة الملف المالي الذي تعتبره أولوية مطلقة.
وبعد الانتهاء من المفاوضات المتعلقة بالميزانية، من المتوقع إعادة فتح الملفات الأخلاقية المؤجلة. لكن ذلك سيبقى مرتبطاً بقدرة حكومة دي فيفر على تجاوز المرحلة الحالية والحفاظ على بقائها السياسي خلال الأشهر المقبلة.
