بلجيكا 24- شارك “الملك فيليب” ملك بلجيكا شخصيًا في احتفالات تحرير مدينة بلزن-Pilsen التشيكية، التي تُعد واحدة من أبرز رموز النصر الأوروبي في الحرب العالمية الثانية، حيث لعبت القوات البلجيكية دورًا بطوليًا في تحريرها رفقة نظيرتها الأمريكية عام 1945.
وتُعتبر هذه الزيارة ذات رمزية قوية، إذ تحيي الدور المركزي للجيش البلجيكي في تحرير بلزن، المدينة التي تقع غرب التشيك وتُعرف بأنها مسقط رأس بيرة “لاغر“، والتي لم تنل حريتها على يد القوات السوفيتية كما هو حال أغلب المدن التشيكية، بل عبر تدخل مباشر من الكتيبة البلجيكية السابعة عشرة من فوج المشاة، إلى جانب القوات الأمريكية.
في أعقاب نهاية الحرب، حُرّرت بلزن ضمن عملية عسكرية دقيقة قادها الحلفاء، وشكّلت القوات البلجيكية رأس الحربة في هذه العملية الفاصلة. غير أنّ هذا الدور طاله النسيان لفترة طويلة بسبب التحولات السياسية التي شهدتها أوروبا الشرقية. فقد خضعت تشيكوسلوفاكيا بعد الحرب مباشرةً لسيطرة النظام الشيوعي، ما جعل من غير المسموح الاعتراف بالدور البلجيكي-الأمريكي خلال حقبة الحرب الباردة، حيث ساد النكران والتعتيم.
لكن في خريف عام 1989، وتحديدًا بعد سقوط جدار برلين يوم 9 نوفمبر، بدأت الحقائق تعود إلى الواجهة، وأعيد الاعتراف بالدور الفعّال للبلجيكيين والأمريكيين في تحرير بلزن.
ومنذ عام 1990، تُنظَّم في المدينة مهرجانات سنوية كبرى تُعرف باسم “مهرجان التحرير”، تحيي هذه الذكرى وسط حضور شعبي ورسمي واسع، وشهدت هذه المهرجانات على مدار السنوات مشاركة شخصيات بارزة من المجتمعين البلجيكي والتشيكي.
لوك رينسونيت، ابن الجندي البلجيكي جورج رينسونيت الذي شارك ضمن الكتيبة السابعة عشرة، يروي تفاصيل شخصية مؤثرة عن العلاقة العائلية بهذه المناسبة: “والدي حضر أول احتفال عام 1990، ولم يتخلف عنه حتى وفاته في أبريل 2011.
ويتابع، رافقته ثلاث مرات، ومنذ وفاته، أحرص على الحضور سنويًا لتكريمه”. وأضاف: “رغم مرور العقود، لا يزال سكان بلزن ممتنين لما فعله الجنود البلجيكيون”.
ويصف الرائد ديف وارنييه، رئيس قسم التاريخ في الأكاديمية العسكرية الملكية في بروكسل، الأجواء بأنها “مبهرة بكل المقاييس”، حيث تتحول بلزن إلى مسرح مفتوح مفعم بالأعلام البلجيكية والأمريكية، وتُعرض مركبات عسكرية قديمة تُقاد أحيانًا من قبل محاربين قدامى، كما يُقام موكب تذكاري ونصب رسمي لتخليد الحدث.
ويؤكد وارنييه، الذي حضر إحدى الذكريات قبل عشر سنوات بمناسبة الذكرى السبعين للتحرير، أن مشاعر الامتنان لا تزال حية بين سكان المدينة: “من يرتدي زيه العسكري البلجيكي هناك، يُقابل باحترام وامتنان كبيرين. إنها لحظة تواصل عاطفي وإنساني تتجاوز الحاضر، وتُحيي روابط تاريخية لا تُنسى”.
ومن القصص التي رُويت خلال الاحتفالات، ما حدث لبعض المحاربين القدامى البلجيكيين، إذ يروون أنهم وأثناء دخولهم منطقة حرجية بسيارة جيب عسكرية، تفاجأوا بتطويقهم من قبل جنود ألمان مسلحين. وبينما توقعوا اشتباكًا دامياً، فوجئوا بالألمان يرفعون أيديهم ويستسلمون دون قتال. “كانوا محظوظين”، كما قال أحدهم، مشيرًا إلى أن وحدات أخرى لم تكن بنفس الحظ واضطرت لخوض معارك شرسة.
زيارة الملك فيليب إلى بلزن هذا العام تأتي تأكيدًا على أهمية استذكار التاريخ المشترك، ودور بلجيكا الفعّال في صناعة السلام والحرية في أوروبا، ورسالة سياسية وإنسانية بأن أبطال الأمس لا يجب أن يُنسوا.

