اخبار بروكسل

من أنتويرب إلى بروكسل.. هل انتقلت حرب العصابات إلى شوارع العاصمة؟

بلجيكا 24- إطلاق نار في أندرلخت، ثم حادث آخر في مولنبيك، وآخر في سكاربيك، وأخبار متكررة عن أشخاص أصيبوا أو قتلوا بالرصاص في شوارع العاصمة البلجيكية.

قد يبدو كل حادث منفردًا وكأنه واقعة جنائية مستقلة، لكن تكرار المشهد بهذا الشكل يطرح سؤالًا أكبر بكثير من تفاصيل كل جريمة على حدة: ماذا يحدث في شوارع بروكسل؟

هل نحن أمام موجة عابرة من العنف؟ أم أن العاصمة أصبحت ساحة لصراعات بين شبكات إجرامية تتنافس على تجارة المخدرات والمال والنفوذ؟ وهل يمكن القول إن العنف الذي ارتبط خلال السنوات الماضية بشكل كبير بأنتويرب بدأ يجد مساحة أكبر في بروكسل؟

إطلاق نار في أندرلخت ليلًا.. إصابة شخص والشرطة تبحث عن المشتبه به

101 عملية إطلاق نار في بروكسل خلال عام واحد

الأرقام الرسمية تجعل من الصعب التعامل مع الظاهرة باعتبارها مجرد انطباع أو سلسلة حوادث متفرقة.

فبحسب التقرير السنوي للشرطة الفيدرالية البلجيكية، شهدت بروكسل خلال عام 2025 ما مجموعه 101 عملية إطلاق نار، بغض النظر عن دوافعها.

وتشير الشرطة الفيدرالية إلى أن العام نفسه تميز بعدد كبير من أعمال العنف المرتبطة بالمخدرات، خصوصًا في العاصمة، وهو ما دفع إلى تعزيز متابعة حوادث إطلاق النار في بروكسل.

وفي إطار عمل الشرطة القضائية الفيدرالية، كان هناك 26 ملفًا متعلقًا بعمليات إطلاق نار مرتبطة بالمخدرات قيد المتابعة.

هذه الأرقام لا تعني أن كل عملية إطلاق نار في بروكسل مرتبطة بالمخدرات، وهي نقطة يجب التأكيد عليها. فكل حادث يخضع لتحقيق مستقل، ولا يمكن تحديد الدافع الحقيقي قبل انتهاء التحقيقات القضائية.

لكن وجود عشرات الملفات التي تربط الشرطة بينها وبين تجارة المخدرات يكشف أن العلاقة بين العنف المسلح والجريمة المنظمة أصبحت مشكلة حقيقية وليست مجرد احتمال.

المشكلة لم تعد محصورة في «النقاط الساخنة»

الأكثر إثارة للقلق أن العنف بدأ يظهر خارج المناطق التي كانت السلطات تعرفها باعتبارها بؤرًا رئيسية لتجارة المخدرات.

ففي النصف الأول من عام 2026، وقعت 63% من عمليات إطلاق النار في بروكسل خارج مناطق تجارة المخدرات المصنفة رسميًا كنقاط ساخنة، مقارنة بـ46% خلال العام السابق.

وهنا تظهر مشكلة جديدة: إذا كان العنف يتحرك من منطقة إلى أخرى، فإن التعامل معه من خلال التركيز على عدد محدود من الأحياء قد لا يكون كافيًا.

بمعنى آخر، يمكن أن تنجح السلطات في الضغط على منطقة معينة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء المشكلة. فقد تنتقل المواجهات إلى حي آخر أو شارع آخر.

وهذا ما يجعل الحديث عن «انتقال» العنف أكثر تعقيدًا من مجرد تحديد مدينة واحدة باعتبارها مركز المشكلة.

مافيا المخدرات تسقط في انتويرب: سيارات فارهة وأموال طائلة بقبضة الشرطة

أنتويرب.. بوابة ضخمة للمخدرات إلى أوروبا

إذا أردنا فهم ما يحدث، فمن الصعب تجاهل أنتويرب.

ميناء أنتويرب يمثل أحد أهم المداخل الأوروبية للكوكايين القادم عبر البحر، وتتعامل السلطات البلجيكية منذ سنوات مع شبكات إجرامية دولية تستغل الميناء لإدخال المخدرات إلى أوروبا.

وفي عام 2025، صادرت الجمارك البلجيكية نحو 55 طنًا من الكوكايين في ميناء أنتويرب، بزيادة بلغت 24% مقارنة بعام 2024.

كما أوقفت شرطة الملاحة في منطقة الميناء 207 أشخاص في قضايا مرتبطة بالمخدرات خلال عام 2025، بينهم 191 شخصًا يشتبه في أنهم كانوا يقومون بإخراج المخدرات من الحاويات.

وفي العام نفسه، فتحت الشرطة القضائية الفيدرالية في أنتويرب 160 ملفًا جديدًا مرتبطًا بالاتجار الدولي المنظم بالكوكايين عبر الميناء.

هذه الأرقام تعطي فكرة عن حجم الأموال التي تتحرك داخل هذه التجارة، وبالتالي عن حجم المصالح التي تتصارع عليها الشبكات الإجرامية.

هل انتقلت عصابات أنتويرب إلى بروكسل؟

هنا يجب أن نكون حذرين.

لا توجد معطيات تسمح لنا بالقول ببساطة إن «عصابات أنتويرب انتقلت إلى بروكسل». الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك.

الأقرب إلى الواقع هو أن شبكات الجريمة المنظمة المرتبطة بالمخدرات لا تعمل بالضرورة داخل حدود مدينة واحدة. تجارة الكوكايين تبدأ من طرق الإمداد والموانئ، ثم تنتقل عبر شبكة واسعة من الأشخاص والوسطاء والموزعين ومناطق البيع.

والشرطة الفيدرالية نفسها تؤكد أن الشبكات التي تقف خلف تهريب الكوكايين عبر الموانئ الأوروبية أكثر تعقيدًا من مجرد البائعين الموجودين في الشوارع، وأن التحقيقات تستهدف أيضًا الأشخاص الذين يديرون هذه الشبكات والوسطاء الذين يقومون بتجنيد وتوجيه المنفذين.

وهذا يعني أن الجريمة المنظمة يمكن أن تمتد من مدينة إلى أخرى، وأن الصراع على المخدرات والأموال والنفوذ قد يظهر في أكثر من منطقة في الوقت نفسه.

إذن لماذا إطلاق النار؟

عندما تدخل مبالغ ضخمة في تجارة غير قانونية، لا توجد عقود تجارية أو محاكم لحل الخلافات بين الأطراف المتنافسة.

ومن هنا يأتي العنف.

صراع على نقطة بيع، شحنة مخدرات اختفت، أموال لم تُدفع، خلاف بين مجموعتين، محاولة للسيطرة على منطقة، أو رغبة في الانتقام من أحد أفراد شبكة منافسة.

في مثل هذه البيئة، يمكن أن يتحول السلاح إلى وسيلة لفرض النفوذ وتسوية الحسابات خارج القانون.

لكن من المهم أيضًا عدم اختزال كل حادث إطلاق نار في بروكسل في هذه الصورة. بعض الجرائم قد تكون لها دوافع شخصية أو جنائية أخرى، ولا يمكن معرفة السبب الحقيقي إلا من خلال التحقيق القضائي.

العنف لم يعد بعيدًا عن حياة السكان

المشكلة الحقيقية ليست فقط في عدد عمليات إطلاق النار، بل في المكان الذي تحدث فيه.

عندما تقع المواجهات في الشوارع والأحياء السكنية، يصبح المواطن العادي جزءًا من دائرة الخطر، حتى لو لم تكن له أي علاقة بعالم المخدرات أو الجريمة.

قد يخرج شخص لشراء شيء من متجر، أو ينتظر الحافلة، أو يقود سيارته في شارع عادي، ثم يجد نفسه بالقرب من عملية إطلاق نار بين أشخاص لا يعرفهم.

وهنا يتحول الأمر من مشكلة بين عصابات إلى قضية أمن عام تمس حياة سكان المدينة وحقهم في الشعور بالأمان داخل أحيائهم.

هل مكافحة «النقاط الساخنة» وحدها كافية؟

السلطات البلجيكية أطلقت خلال السنوات الماضية استراتيجيات تستهدف المناطق التي يتركز فيها نشاط المخدرات، مع تعزيز التعاون بين الشرطة وخدمات الوقاية والجهات المحلية.

لكن الأرقام المتعلقة بمكان وقوع عمليات إطلاق النار تطرح سؤالًا مهمًا حول مدى قدرة هذه الاستراتيجية على مواكبة تطور الظاهرة.

إذا كانت نسبة كبيرة من عمليات إطلاق النار تحدث خارج المناطق المصنفة كنقاط ساخنة، فهذا يعني أن الجريمة لا تبقى ثابتة في مكان واحد.

والحل بالتالي لا يمكن أن يعتمد فقط على مراقبة بضعة شوارع، بل يحتاج إلى استهداف الشبكات نفسها، ومصادر تمويلها، والوسطاء الذين يديرون عملياتها، والأسلحة التي تصل إلى أيدي عناصرها.

المعركة الحقيقية ليست في الشارع فقط

المواجهة مع الجريمة المنظمة لا يمكن أن تقتصر على اعتقال الشخص الذي أطلق النار.

هذا الشخص قد يكون مجرد منفذ صغير داخل شبكة أكبر.

الشرطة الفيدرالية البلجيكية تدرك ذلك بالفعل، ولهذا تركز التحقيقات في أنتويرب على الهياكل القيادية للشبكات الإجرامية، وعلى الوسطاء الذين يقومون بتجنيد الأشخاص وتوجيههم لتنفيذ عمليات استخراج المخدرات وأعمال العنف وغسل الأموال.

وهذا النوع من التحقيقات هو الذي يمكن أن يصل إلى قلب المشكلة بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها في الشوارع.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم

قد تختلف أسماء الأحياء، وقد تختلف المدن، وقد تتغير طرق تهريب المخدرات وأساليب العصابات، لكن المواطن البلجيكي أو المقيم في بلجيكا لا يعنيه كثيرًا اسم الشبكة التي تقف خلف الجريمة.

ما يعنيه هو أن يعيش في مدينة آمنة، وأن يستطيع أطفاله الذهاب إلى المدرسة والعودة إلى المنزل دون أن تتحول شوارع الأحياء إلى مناطق خطر.

المواطن لا يريد أن يعرف من يسيطر على أي نقطة لبيع المخدرات، ولا أي عصابة تتصارع مع أخرى، ولا من يقف وراء شحنة كوكايين مفقودة.

يريد فقط أن يعرف لماذا أصبح سماع أصوات إطلاق النار خبرًا يتكرر بهذه الصورة، ومتى ستتمكن السلطات من وقف هذه الدائرة.

لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: من أطلق النار؟ ومن يقف وراء هذه الجريمة؟

السؤال الأكبر والأهم هو: إلى متى ستظل شوارعنا مسرحًا لهذه الجرائم؟

فإذا كانت تجارة المخدرات تدر مليارات على الشبكات الإجرامية، وإذا كانت الأسلحة تصل إلى أيدي المنفذين، وإذا كان العنف ينتقل من منطقة إلى أخرى، فإن المطلوب ليس فقط إطفاء كل حريق بعد اندلاعه، بل الوصول إلى الشبكات التي تشعل هذه الحرائق من الأساس.

بروكسل ليست ساحة حرب، وشوارعها ليست ملكًا للعصابات. ومن حق سكانها أن يروا استراتيجية أمنية قادرة على ملاحقة الجريمة المنظمة قبل أن تتحول عمليات إطلاق النار المتكررة إلى أمر عادي في حياتنا اليومية.

المصدر: Belg24 + وكالات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!