بعد نحو 160 عامًا.. تغييرات كبيرة في قانون العقوبات البلجيكي تدخل حيز التنفيذ سبتمبر القادم
بلجيكا 24- بعد انتظار استمر قرابة 160 عامًا، تستعد بلجيكا لدخول مرحلة جديدة في نظامها الجنائي، مع دخول قانون العقوبات الجديد حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر.
ومنذ ذلك التاريخ، سيعتمد القضاة القانون الجديد عند تحديد العقوبات بحق مرتكبي الجرائم، مع تغيير كبير في طريقة تصنيف الجرائم والعقوبات المترتبة عليها.
ويأتي القانون الجديد بعد سنوات طويلة ظل خلالها قانون العقوبات البلجيكي القديم قائمًا، وهو قانون يعود إلى عام 1867 وكان مستوحى إلى حد كبير من قانون العقوبات الفرنسي في الحقبة النابليونية. وقد أصبح القانون القديم متقادمًا في عدد من جوانبه، كما كان يعاني من مشكلات في التنظيم وعدم معالجة بعض المسائل الأساسية.
تأجيل موعد تطبيق القانون الجديد
كان من المفترض في البداية أن يدخل قانون العقوبات الجديد حيز التنفيذ في 8 أبريل، لكن تطبيقه تأجل في اللحظة الأخيرة لمدة تقارب خمسة أشهر.
وبالتالي، لن يصل القانون القديم إلى عامه الـ160 كاملًا قبل أن يحل محله النص الجديد.
وقد استغرق إعداد القانون الجديد سنوات من العمل، فيما يرى أستاذ القانون الجنائي في جامعة غنت توم فاندر بيكن أن النص الجديد أسهل في الشرح وأكثر وضوحًا وحداثة مقارنة بالقانون السابق.
ثمانية مستويات جديدة للعقوبات
من أبرز التغييرات التي يأتي بها قانون العقوبات الجديد اعتماد ثمانية مستويات للعقوبات، تبدأ من المستوى الأول للجرائم الأقل خطورة، وتصل إلى المستوى الثامن للجرائم الأشد خطورة.
ويشمل المستوى الأول أفعالًا مثل التشهير والتخريب والحريق غير المتعمد، بينما يشمل المستوى الثامن جرائم مثل القتل والقتل داخل الأسرة والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
وفي المستوى الأول، تختفي عقوبات السجن بشكل كامل.
أما في المستوى الثاني، الذي يشمل مثلًا التمييز والسرقة البسيطة والتزوير واستعمال الوثائق المزورة، فسيصبح السجن خيارًا أخيرًا لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة.
وفي المقابل، ستحتل العقوبات البديلة مكانة أكبر، ومنها السوار الإلكتروني، وعقوبات العمل، وعقوبات المراقبة أو الاختبار.
أما الجرائم المصنفة ضمن المستويين السابع والثامن، ومنها القتل والعنف الجنسي أو التعذيب الذي أدى إلى الوفاة، فستكون من حيث المبدأ من اختصاص محكمة الجنايات.
الظروف المشددة والمخففة ستؤثر على مستوى العقوبة
وسيأخذ النظام الجديد أيضًا الظروف المحيطة بالجريمة بعين الاعتبار عند تحديد مستوى العقوبة.
فإذا كانت هناك ظروف مشددة، مثل كون الضحية قاصرًا أو وجود إصابات أو وفيات، يمكن أن تنتقل العقوبة إلى مستوى أعلى.
وفي المقابل، يمكن للظروف المخففة أن تؤدي إلى خفض مستوى العقوبة بدرجة واحدة أو أكثر.
ويرى أستاذ القانون الجنائي توم فاندر بيكن أن نظام المستويات الثمانية أكثر منطقية من النظام القديم، الذي كان يقسم الجرائم إلى مخالفات وجنح وجنايات، وهو تقسيم سيختفي مع القانون الجديد.
السجن لن يكون الخيار الوحيد في الجرائم الأقل خطورة
يشير فاندر بيكن إلى أن غياب السجن عن بعض المستويات لا يعني غياب العقوبة أو السماح بالإفلات من العقاب.
فالعقوبات يمكن أن تشمل العمل، والمراقبة الإلكترونية، والمراقبة القضائية أو عقوبات أخرى غير السجن.
ويرى أن هذه العقوبات يمكن أن تكون أكثر فاعلية من السجن في بعض الحالات، منتقدًا الاعتقاد بأن إدخال الشخص إلى السجن يعني بالضرورة أنه سيتعلم من تجربته ولن يعود إلى الجريمة.
وبموجب النظام الجديد، لن يحتاج القضاة إلى اللجوء بشكل شبه تلقائي إلى الظروف المخففة لتجنب إحالة بعض القضايا إلى محكمة الجنايات، كما كان يحدث في ظل النظام القديم.
نظام جديد للأشخاص ذوي المسؤولية الجنائية المحدودة
ومن التغييرات المهمة أيضًا إدخال إجراء جديد تحت اسم «العلاج مع الحرمان من الحرية»، لكنه لن يدخل حيز التنفيذ إلا ابتداءً من عام 2035.
ويستهدف هذا الإجراء الأشخاص الذين تكون مسؤوليتهم الجنائية محدودة بسبب حالتهم، ولا سيما حالتهم النفسية، بحيث يمكن معاقبتهم لكن وضعهم لا يسمح بإيداعهم في سجن عادي.
وبموجب النظام الجديد، يمكن وضع هؤلاء الأشخاص في مؤسسة طبية قانونية مغلقة، مع حرمانهم من الحرية وإخضاعهم في الوقت نفسه لعلاج متخصص.
ويمكن أن تتراوح مدة هذا الإجراء بين ستة أشهر و20 عامًا.
ويمكن أن يطبق هذا النظام على جرائم تبدأ من المستوى الثالث، مثل السرقة بالعنف أو التهديد، والابتزاز، وخيانة الأمانة، والاحتيال، وغسل الأموال والفساد.
لكن تطبيق هذا النظام تأجل حتى عام 2035، لأن بلجيكا تحتاج أولًا إلى توفير عدد كافٍ من الأماكن في المؤسسات الطبية القانونية المتخصصة.
نظام «المراقبة الممتدة» يبدأ أيضًا في 2035
ومن الإجراءات التي لن تدخل حيز التنفيذ فورًا نظام «المراقبة الممتدة»، الذي سيحل ابتداءً من عام 2035 محل النظام الحالي المعروف بوضع الشخص تحت تصرف محكمة تنفيذ العقوبات.
ويتيح النظام الجديد للقاضي فرض مراقبة ممتدة على مرتكبي الجرائم ابتداءً من المستوى الثالث، بينما تصبح هذه المراقبة إلزامية بالنسبة إلى الجرائم المصنفة ضمن المستويين السابع والثامن.
ويهدف هذا الإجراء إلى منع بعض الأشخاص الذين يشكلون خطرًا مستمرًا من قضاء عقوبتهم ثم العودة إلى المجتمع دون معالجة المشكلات التي أدت إلى ارتكاب الجريمة.
ويمكن أن تستمر المراقبة الممتدة لمدة تصل إلى 15 عامًا.
ماذا يعني ذلك بعد انتهاء عقوبة السجن؟
يرى النظام الجديد أن مجرد انتهاء مدة العقوبة لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر في بعض الحالات.
فإذا قضى الشخص عقوبته دون أن يعمل على معالجة المشكلات التي يعاني منها أو دون الالتزام بالشروط التي فُرضت عليه، يمكن أن يخضع للمراقبة الممتدة وفقًا للقواعد الجديدة.
أما إذا التزم بالشروط وعمل على معالجة مشكلاته خلال فترة تنفيذ العقوبة، فإن الهدف من هذا النظام يكون أقل ارتباطًا بإبقائه تحت المراقبة بعد خروجه.
ويرى فاندر بيكن أن هناك هنا نوعًا من النظام المكون من ثلاث مراحل، يجمع بين عقوبتين وتدبير أمني، ويعتبر هذا البناء القانوني جديدًا ومثيرًا للجدل.
إجراءات أشد لحماية المجتمع
وبالتوازي مع القانون الجديد، يسمح تشريع أُقر عام 2024 بإبقاء بعض الأشخاص المدانين بجرائم خطيرة خلف القضبان لفترة غير محددة، وربما حتى نهاية حياتهم.
وبعد تنفيذ عقوبة السجن أو الخضوع لإجراء العلاج مع الحرمان من الحرية، ثم تطبيق المراقبة الممتدة أو النظام المقابل لها، يمكن للقاضي أن يفرض «تدبيرًا أمنيًا».
وهذا التدبير لا يعتبر عقوبة بحد ذاته، وإنما يتم فرضه بهدف حماية المجتمع.
ولا يمكن التدخل في هذا التدبير أو إنهاؤه إلا من خلال محكمة تنفيذ العقوبات.
ويهدف هذا النظام إلى إبقاء الأشخاص الذين ما زالوا يشكلون خطرًا كبيرًا على المجتمع بعيدًا عنه لأطول فترة ممكنة، خصوصًا أن بعض إجراءات المراقبة نفسها محددة بمدة زمنية.
وبذلك ينشأ نظام يجمع بين عقوبتين وتدبير أمني في الوقت نفسه، وهو ما يصفه أستاذ القانون الجنائي بأنه بناء قانوني خاص ومثير للتساؤلات.
الشركات أيضًا ستواجه عقوبات جديدة
ولا تقتصر التغييرات على الأشخاص الطبيعيين، إذ يمكن للأشخاص الاعتباريين، مثل الشركات، أن يتعرضوا لعقوبات جديدة إلى جانب الغرامات المالية.
ويمكن أن تصل الغرامة إلى 5.76 مليون يورو.
كما يمكن فرض «عقوبة تقديم خدمات» على الشركة، وهي عقوبة تشبه في طبيعتها عقوبة العمل المفروضة على الأشخاص.
ويشكل ذلك تغييرًا إضافيًا في طريقة تعامل القانون الجنائي مع مسؤولية الشركات والأشخاص الاعتباريين.
تشديد العقوبات على العنف الأسري والإرهاب
ينص القانون الجديد أيضًا على عقوبات أكثر صرامة بالنسبة إلى عدد من الجرائم، وفي مقدمتها العنف داخل الأسرة والإرهاب.
كما ستصبح العقوبات أكثر شدة عندما تكون أعمال العنف موجهة ضد أشخاص يؤدون وظائف اجتماعية، مثل الأطباء وعناصر الشرطة والمحامين.
ويعكس ذلك رغبة المشرع في التعامل بشكل أشد مع الاعتداءات التي تستهدف أشخاصًا أثناء أداء وظائفهم أو أدوارهم داخل المجتمع.
جرائم جديدة تدخل إلى القانون البلجيكي
ويقدم القانون الجديد أيضًا عددًا من الجرائم التي لم تكن موجودة بهذه الصيغة في القانون السابق.
ومن بينها تدنيس جثث الموتى، وإلقاء الأشياء من فوق أسوار السجون، واقتحام السيارات، وهي أفعال ستصنف ضمن المستوى الثاني.
كما أصبحت صناعة وتوزيع أدلة أو كتيبات ذات محتوى متعلق باستغلال الأطفال جنسيًا جريمة جديدة من المستوى الرابع، ويمكن أن تصل عقوبتها إلى السجن لمدة تتراوح بين خمس سنوات و10 سنوات.
وبذلك لا يقتصر الإصلاح على إعادة ترتيب العقوبات، بل يشمل أيضًا إضافة أفعال جديدة إلى قائمة الجرائم المعاقب عليها.
لماذا تأخر تطبيق القانون الجديد؟
رغم أن القانون الجديد كان مقررًا أن يدخل حيز التنفيذ في أبريل، فإن التأجيل كان ضروريًا بسبب الحاجة إلى مواءمة عدد كبير من القوانين الأخرى مع النص الجديد.
كما كان القانون الجديد قد سبق إصلاحًا آخر يتعلق بتنفيذ العقوبات، وتضمن تغييرات لم تكن الإصلاحات المرتبطة بها قد اكتملت بعد.
ومن بين الأمثلة على ذلك مسألة لجان المراقبة، التي كان القانون الجديد يتعامل معها على أساس نظام جديد، بينما لم يكن إصلاح تنفيذ العقوبات قد اكتمل بعد.
ولهذا كان لا بد من العودة عن بعض التغييرات مؤقتًا والإبقاء على أجزاء من النظام القديم إلى حين استكمال الإصلاحات الضرورية.
كما استمر نشر تعديلات وتشريعات مرتبطة بالقانون الجديد في الجريدة الرسمية البلجيكية خلال الفترة الأخيرة، ما تطلب تعديلات إضافية على النص نفسه وعلى المراجع القانونية المرتبطة به.
هل سيؤدي القانون الجديد إلى تخفيف الضغط على السجون؟
يرى أستاذ القانون الجنائي توم فاندر بيكن أن الإصلاح يحمل عددًا من الجوانب الإيجابية، لكنه يعتقد أن هناك مجالًا كان يمكن أن تذهب فيه بلجيكا أبعد.
ومن أبرز النقاط التي يعتبرها نقصًا استمرار ارتفاع مستوى العقوبات في بلجيكا مقارنة بعدد من الدول المجاورة.
فصحيح أن القانون الجديد يعيد تنظيم نطاق العقوبات ويجعل السجن خيارًا أخيرًا في بعض المستويات، لكن ذلك لا يعني أن العقوبات أصبحت أخف بشكل جوهري في جميع الجرائم.
ولا يزال القاضي يتمتع بهامش واسع لتحديد طبيعة العقوبة ومدتها، كما أن القانون الجديد لا يزال يسمح بفرض عقوبات سجن طويلة في الحالات التي يرى فيها القاضي أن ذلك مناسب.
ويرى فاندر بيكن أن تخفيف الاعتماد على السجن يمكن أن يكون وسيلة فعالة أيضًا لمواجهة مشكلة الاكتظاظ في السجون البلجيكية، التي تعاني أصلًا من ضغوط كبيرة.
ما الذي يتغير بالنسبة إلى المواطنين ابتداءً من سبتمبر؟
لن يقتصر تأثير قانون العقوبات الجديد على إعادة ترتيب النصوص القانونية، بل سيغير طريقة تصنيف الجرائم والعقوبات في بلجيكا.
فالسجن لن يكون العقوبة الأساسية في الجرائم الأقل خطورة، وستصبح العقوبات البديلة مثل العمل والمراقبة الإلكترونية أكثر حضورًا.
وفي الوقت نفسه، ستصبح بعض الجرائم، مثل العنف الأسري والإرهاب والعنف ضد العاملين في وظائف اجتماعية، أكثر تشددًا من حيث العقوبات.
كما سيشهد القانون إضافة جرائم جديدة، بينما ستدخل بعض الإجراءات المتعلقة بالأشخاص ذوي المسؤولية الجنائية المحدودة والمراقبة الممتدة حيز التنفيذ في مرحلة لاحقة، ابتداءً من عام 2035.
ويبدأ بذلك فصل جديد في القانون الجنائي البلجيكي، بعد قانون استمر العمل به منذ عام 1867، في إصلاح يقول الخبراء إنه يجعل النظام أكثر وضوحًا وتنظيمًا، لكنه لا يخلو في الوقت نفسه من نقاشات وأسئلة حول شدة العقوبات ومستقبل السجون في البلاد.
