السياسة في بلجيكا

موجة الحر تشعل الخلافات السياسية في بلجيكا.. انتقادات للحكومة بسبب غياب خطة وطنية ومقترح جديد لفرض ضريبة على الأثرياء

بلجيكا 24- تحولت موجة الحر الشديدة التي اجتاحت بلجيكا خلال الأيام الماضية إلى محور سجال سياسي واسع داخل الحكومة والبرلمان الفيدرالي، بعدما واجهت السلطات انتقادات حادة بسبب غياب خطة وطنية لمواجهة درجات الحرارة القياسية، والاكتفاء بتوجيه نصائح للمواطنين بشرب المياه وتجنب التعرض المباشر للشمس.

وفي الوقت نفسه، فتحت مبادرة حزب “Les Engagés” لفرض ضريبة جديدة على أصحاب الثروات الكبيرة جبهة سياسية أخرى، بعدما أثارت اعتراضات قوية من حزب الحركة الإصلاحية (MR)، لتزداد الضغوط على حكومة ائتلاف “أريزونا” قبل جولة جديدة من المفاوضات حول الميزانية.

موجة حر غير مسبوقة تضع الحكومة تحت الضغط

مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، عقد المركز الوطني للأزمات اجتماعاً طارئاً لمتابعة تطورات الوضع واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السكان.

لكن مخرجات الاجتماع لم تتضمن إجراءات استثنائية أو خطة حكومية شاملة، بل اقتصرت على مجموعة من التوصيات الصحية التقليدية.

وأكدت المتحدثة باسم المركز الوطني للأزمات أن أهم النصائح تتمثل في شرب كميات كافية من المياه، وتجنب المشروبات الكحولية والمشروبات الغنية بالسكر.

كما دعا وزير الصحة فرانك فاندنبروك المواطنين إلى الإكثار من شرب المياه والابتعاد عن الأنشطة البدنية المكثفة خلال ساعات الحر.

من شرب الماء إلى شرب الجعة… تصريحات تثير الجدل

في المقابل، أثارت تصريحات وزير الدفاع تيو فرانكن موجة واسعة من الانتقادات بعد أن نشر عبر منصة “إكس” رسالة دعا فيها الناس إلى الاستمتاع بالطقس الجميل، وشرب كأس من الجعة بجوار المسبح والاستفادة من الحياة.

ورأى معارضون أن هذه التصريحات بدت بعيدة عن خطورة الوضع، خاصة في وقت كانت فيه البلاد تسجل درجات حرارة مرتفعة وتزداد فيه المخاوف على كبار السن والأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية.

وأصبحت هذه الرسالة مادة للنقاش السياسي والإعلامي خلال الأيام الماضية، بعدما اعتبرها خصوم الحكومة دليلاً على غياب رؤية واضحة لإدارة أزمة الحر.

غياب التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم

كشف وزير المناخ جان لوك كروك عن وجود صعوبات في تنسيق الجهود بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم البلجيكية.

وأوضح أنه اقترح تعزيز التعاون لمواجهة موجة الحر، إلا أن إقليم فلاندرز رفض هذا المقترح.

وأضاف أن السلطات في والونيا أبلغته بأنها تعمل على إجراءاتها الخاصة بصورة مستقلة.

ويرى مراقبون أن هذا الانقسام يعكس استمرار الخلافات المؤسسية بين مستويات الحكم المختلفة في بلجيكا، حتى في الملفات التي تتطلب استجابة موحدة وسريعة.

البرلمان يهاجم الحكومة بسبب غياب خطة لمواجهة الحر

انتقلت أزمة الحرارة إلى قاعة البرلمان الفيدرالي، حيث وجه نواب المعارضة انتقادات لاذعة إلى الحكومة.

وقال رئيس حزب العمال البلجيكي، راؤول هيدبو، إن الحكومة مطالبة بإعداد خطة حقيقية لمواجهة موجات الحر، وليس الاكتفاء بدعوة المواطنين إلى شرب الماء.

وأضاف ساخراً أن الجميع يعرف بالفعل ضرورة شرب المياه، وأن المواطنين كانوا ينتظرون إجراءات عملية لحمايتهم.

كما انتقدت النائبة عن حزب الخضر سارة شليتز أداء الحكومة، معتبرة أن المشهد يعكس غياب التحضير لمواجهة الظواهر المناخية المتكررة.

وسخر نائب آخر من المعارضة قائلاً إنه لولا نصائح الحكومة، لكان الناس ارتدوا القبعات الشتوية والمعاطف الثقيلة، قبل أن يهاجم تصريحات وزير الدفاع حول الاستمتاع بالجعة بجوار المسبح، متسائلاً إن كان جميع المواطنين يمتلكون مسبحاً أساساً.

غياب رئيس الوزراء يزيد الانتقادات

ازدادت حدة الانتقادات بعدما تبين أن الأسئلة البرلمانية كانت موجهة أساساً إلى رئيس الوزراء، الذي لم يكن حاضراً أثناء الجلسة.

وكان رئيس الحكومة قد نشر بدوره عبر وسائل التواصل الاجتماعي نصائح تتعلق بضرورة شرب المياه والمحافظة على ترطيب الجسم، كما دعا إلى الاهتمام بالحيوانات الأليفة خلال موجة الحر، وأرفق منشوره بصورة لقطه.

لكن المعارضة اعتبرت أن التواصل عبر الإنترنت لا يمكن أن يكون بديلاً عن اتخاذ قرارات حكومية واضحة لمواجهة الظروف المناخية الاستثنائية.

حتى الآن… لا خطة جديدة على طاولة مجلس الوزراء

ورغم استمرار ارتفاع درجات الحرارة، لم يتضمن جدول أعمال مجلس الوزراء أي إجراءات إضافية خاصة بموجة الحر.

وعندما سُئل وزير الدفاع تيو فرانكن عما إذا كان المجلس سيناقش هذا الملف، أجاب بأنه لا يعلم، موضحاً أن القضية ليست من اختصاص وزارته، رغم اعترافه بأنها تمثل “أولوية مطلقة”.

وفي الوقت نفسه، واصل المركز الوطني للأزمات إرسال رسائل توعوية تدعو السكان إلى شرب المياه، وتناول وجبات خفيفة، والحفاظ على التضامن مع الأشخاص الأكثر هشاشة.

أما حزب الخضر، فاستغل المناسبة لطرح حلول طويلة الأمد، مثل توفير دخول إلى المسابح مقابل يورو واحد فقط، وتسريع برامج عزل المنازل، وزراعة المزيد من الأشجار داخل المدن للحد من آثار موجات الحر.

مقترح ضريبة على الأثرياء يفتح معركة سياسية جديدة

بعيداً عن أزمة الطقس، تواجه الحكومة تحدياً آخر يتمثل في التحضير لمراجعة الميزانية والبحث عن مليارات اليوروهات لسد العجز المالي.

وفي هذا السياق، طرح رئيس حزب “Les Engagés”، إيفان فيروخسترات، فكرة فرض ضريبة جديدة على الثروات المالية التي تتجاوز 500 ألف يورو.

ويقترح الحزب أن تشمل الضريبة الأصول المالية الكبيرة بهدف المساهمة في تحسين الوضع المالي للدولة.

رفض قوي من حزب الحركة الإصلاحية

أثار المقترح غضب رئيس حزب الحركة الإصلاحية، جورج لويس بوشيه، الذي سارع إلى إعلان رفضه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن هذه الضريبة قد تؤثر سلباً في الاستثمار وجاذبية الاقتصاد البلجيكي.

ورد حزب “Les Engagés” بدوره عبر المنصات الرقمية، مدافعاً عن مشروعه ومعتبراً أن أصحاب الثروات الكبرى يجب أن يساهموا بشكل أكبر في تمويل المالية العامة.

وفي خضم هذا الجدل، لوّح مؤسس شركة Odoo، التي تُقدر قيمتها بمليارات اليوروهات، بإمكانية مغادرة بلجيكا إذا تم اعتماد الضريبة الجديدة، وهو ما أثار نقاشاً إضافياً حول تأثيرها المحتمل على بيئة الأعمال.

الاشتراكيون يرحبون بالمبادرة

من جانبهم، رحب الحزب الاشتراكي بالمقترح، ليس بسبب احتمال مغادرة رجال الأعمال، وإنما لدعمه مبدأ فرض مساهمة أكبر على أصحاب الثروات المرتفعة.

ودعا رئيس بلدية هيرستال، فريديريك ديردين، حزب “Les Engagés” إلى المضي قدماً، مؤكداً استعداد الاشتراكيين للعمل معه وتقديم مشاريع قوانين مشتركة داخل البرلمان.

ويكشف هذا السجال السياسي أن الحكومة البلجيكية ستواجه أسابيع صعبة، سواء بسبب التحديات المرتبطة بتغير المناخ، أو بسبب الخلافات المتزايدة حول كيفية معالجة العجز المالي وتوزيع الأعباء الضريبية بين مختلف فئات المجتمع.

المرحلة المقبلة قد تكون أكثر حساسية

يرى متابعون أن الخلافات الحالية تتجاوز مجرد نقاش حول موجة حر أو ضريبة جديدة، إذ تعكس تبايناً واضحاً داخل المشهد السياسي البلجيكي بشأن أولويات الحكومة وآليات التعامل مع الأزمات.

ومع اقتراب مفاوضات الميزانية المقبلة، يُتوقع أن تستمر هذه الملفات في تصدر النقاش السياسي، خاصة إذا استمرت درجات الحرارة المرتفعة أو عادت قضية الضرائب إلى طاولة الائتلاف الحكومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!