طقس بلجيكا

موجة الحر في بلجيكا تكشف فجوة مناخية مقلقة.. الأسر الفقيرة بين أولى الضحايا

موجة الحر في بلجيكا تكشف أوجهاً جديدة لعدم المساواة

بلجيكا 24- بينما يستعد الساحل البلجيكي لاستقبال ما يصل إلى 150 ألف زائر يومياً خلال عطلة نهاية الأسبوع هرباً من درجات الحرارة المرتفعة، يكشف تقرير جديد عن جانب آخر أكثر قسوة لموجة الحر التي تضرب البلاد.

فبعيداً عن صور المصطافين على الشواطئ، تعيش آلاف الأسر ذات الدخل المحدود في المدن البلجيكية أوضاعاً صعبة تجعل من موجات الحر تهديداً حقيقياً لصحتها ورفاهيتها.

ويشير التقرير الصادر عن مركز الإيكولوجيا الحضرية ومركز الأبحاث الاجتماعية والاقتصادية إلى أن التغيرات المناخية لا تؤثر في جميع السكان بالطريقة نفسها، بل تزيد من حدة الفوارق الاجتماعية القائمة.

الهروب إلى الساحل بالنسبة للبعض مسألة بقاء

بالنسبة للكثير من سكان المدن ذوي الدخل المحدود، لا يمثل السفر إلى الساحل أو مغادرة المدينة خلال موجات الحر مجرد رحلة ترفيهية أو استجماماً صيفياً.

بل أصبح بالنسبة للبعض وسيلة للنجاة من ظروف سكنية غير مناسبة تتحول خلال فترات الحر الشديد إلى أماكن يصعب العيش فيها.

ويؤكد التقرير أن البحث عن أماكن أكثر برودة أصبح استراتيجية للبقاء بالنسبة لبعض الأسر التي لا تستطيع تحمل درجات الحرارة المرتفعة داخل مساكنها.

وتسلط هذه الظاهرة الضوء على ما بات يعرف باسم “عدم المساواة المناخية”، حيث ترتبط آثار التغيرات المناخية ارتباطاً وثيقاً بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للأفراد.

الأسر الفقيرة الأكثر تضرراً من الحرارة

تضرب موجات الحر بشكل خاص الأحياء المكتظة في المدن الكبرى، والتي تتعرض لظاهرة تعرف باسم “الجزر الحرارية الحضرية”.

وفي هذه المناطق، تميل درجات الحرارة إلى الارتفاع أكثر مقارنة بالمناطق الأقل كثافة سكانية أو التي تحتوي على مساحات خضراء واسعة.

وبحسب بيانات مكتب الإحصاء البلجيكي، يقر نحو واحد من كل ستة أسر في بلجيكا بأنه غير قادر على الحفاظ على برودة منزله خلال فصل الصيف.

وتؤثر هذه الحالة بشكل خاص في المستأجرين ذوي الدخل المنخفض والأسر المعرضة لخطر الفقر.

كما تصل هذه النسبة إلى نحو ربع الأسر التي تواجه مخاطر الفقر، وترتفع إلى حوالي 40% لدى الأسر التي تعاني من حرمان مادي شديد.

بروكسل من بين أكثر المناطق تعرضاً للمشكلة

في العاصمة بروكسل، تظهر آثار هذه الظاهرة بشكل أكثر وضوحاً.

فالأشخاص الذين يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة هم الأكثر تعرضاً للمعاناة من درجات الحرارة المرتفعة داخل منازلهم.

ويعيش معظم هؤلاء السكان في أحياء مركزية ذات كثافة سكانية عالية ومساحات إسمنتية واسعة، وهي مناطق تميل إلى الاحتفاظ بالحرارة لفترات أطول.

كما تضم هذه الأحياء نسبة كبيرة من المساكن القديمة أو غير الملائمة من الناحية الصحية، إلى جانب نقص واضح في الحدائق والأشجار والمساحات الخضراء القادرة على تخفيف تأثير الحرارة.

لا مال للعزل ولا للتكييف

تواجه الأسر ذات الدخل المحدود تحديات متعددة عند محاولة التكيف مع موجات الحر المتزايدة.

فالكثير منها لا يملك الإمكانيات المالية اللازمة لتنفيذ أعمال عزل حراري داخل المنازل.

كما أن شراء أنظمة التكييف أو تحمل تكاليف تشغيلها يظل أمراً بعيد المنال بالنسبة لعدد كبير من العائلات.

وتزداد الصعوبات بسبب أزمة السكن والضغط على سوق الإيجارات في بلجيكا، ما يجعل الانتقال إلى مساكن أكثر ملاءمة أمراً صعباً بالنسبة للكثيرين.

وفي بعض الحالات، يجد السكان أنفسهم محاصرين داخل مساكن غير مناسبة للظروف المناخية الجديدة.

كبار السن من بين الفئات الأكثر هشاشة

تشير الدراسة إلى أن كبار السن الذين يعيشون بمفردهم يشكلون إحدى أكثر الفئات عرضة لمخاطر موجات الحر.

فهؤلاء غالباً ما يقطنون في مساكن يصعب تبريدها ولا يملكون الوسائل المالية أو الجسدية الكافية للتعامل مع الحرارة المرتفعة.

كما أن التقدم في السن يزيد من حساسية الجسم للحرارة ويضاعف مخاطر الإصابة بالجفاف أو الإجهاد الحراري أو المضاعفات الصحية الخطيرة.

ولهذا السبب، تنبه السلطات الصحية باستمرار إلى أهمية متابعة أوضاع كبار السن خلال فترات الطقس الحار.

الساحل البلجيكي يتحول إلى ملاذ من الحرارة

بالنسبة للأسر التي تمتلك بعض الإمكانيات، يصبح مغادرة المدينة أمراً ضرورياً خلال فترات الحر الشديد.

ويعد ساحل بحر الشمال أحد أهم وجهات الهروب من موجات الحر في بلجيكا، نظراً لدرجات الحرارة المعتدلة نسبياً مقارنة بالمدن الداخلية.

وتساهم العروض المخفضة التي تقدمها شركة السكك الحديدية البلجيكية خلال عطلات نهاية الأسبوع في تسهيل هذا التنقل بالنسبة للعديد من الأسر.

وأصبح الساحل بالنسبة للكثير من البلجيكيين مساحة للتنفس والبحث عن ظروف أكثر راحة خلال ذروة درجات الحرارة.

التغير المناخي يزيد التحديات الاجتماعية

تكشف موجة الحر الحالية أن التغير المناخي لا يمثل فقط قضية بيئية، بل أصبح أيضاً قضية اجتماعية واقتصادية وصحية.

فالأسر ذات الموارد المحدودة تجد نفسها في مواجهة مخاطر أكبر، رغم أنها الأقل قدرة على التكيف مع الظروف المناخية المتطرفة.

ويرى الخبراء أن المدن البلجيكية ستحتاج خلال السنوات المقبلة إلى استثمارات أكبر في مجال العزل الحراري وتحسين جودة السكن وتوسيع المساحات الخضراء.

كما أن تعزيز العدالة المناخية سيصبح عنصراً أساسياً في السياسات العامة، لضمان ألا تتحول موجات الحر المتكررة إلى عامل جديد يزيد من الفوارق الاجتماعية داخل المجتمع البلجيكي.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، تبدو حماية الفئات الأكثر هشاشة واحدة من أكبر التحديات التي ستواجه بلجيكا خلال العقود المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!