علوم و تكنولوجيا

موجات الحر تهدد الإنترنت والذكاء الاصطناعي.. هل يمكن أن تتوقف مراكز البيانات عن العمل؟

بلجيكا 24- لم تعد موجات الحر الشديدة تمثل خطراً على صحة البشر فقط، بل أصبحت تشكل تحدياً متزايداً للبنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها العالم الحديث. فمع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في العديد من المناطق، تتزايد المخاوف بشأن قدرة الأجهزة الإلكترونية ومراكز البيانات العملاقة على الاستمرار في العمل بكفاءة.

وفي عصر يعتمد بشكل شبه كامل على الإنترنت والخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي، فإن أي اضطراب واسع النطاق في هذه المنظومة قد تكون له تداعيات تتجاوز مجرد بطء في تصفح المواقع الإلكترونية، ليصل إلى تعطيل خدمات أساسية تمس الحياة اليومية والاقتصاد وحتى خدمات الطوارئ.

الأجهزة الإلكترونية ليست محصنة ضد الحرارة

مثل البشر تماماً، تتأثر الأجهزة الإلكترونية بدرجات الحرارة المرتفعة. فمعظم الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والمعدات الرقمية الحديثة مزودة بحساسات حرارية تقوم بإيقاف الجهاز تلقائياً عند وصول الحرارة إلى مستويات قد تؤدي إلى تلف المكونات الداخلية.

وعند الاقتراب من 40 درجة مئوية، تبدأ الكثير من الأجهزة بإظهار علامات الإجهاد الحراري، وقد تتوقف بعض الأنظمة عن العمل لتجنب حدوث أضرار دائمة.

ويحذر الباحث والكاتب كريستيان كلو من أن استمرار درجات الحرارة المرتفعة لساعات طويلة أو لأسابيع قد يؤدي إلى بقاء بعض الأجهزة غير قابلة للاستخدام لفترات طويلة، وهو أمر قد يسبب اضطرابات كبيرة في مجتمع يعتمد بشكل شبه كامل على التقنيات الرقمية.

الحرارة قد تدمر المكونات الإلكترونية الحساسة

لا تقتصر المشكلة على التوقف المؤقت للأجهزة، بل إن التعرض المتكرر للإجهاد الحراري يمكن أن يؤدي إلى إتلاف مكونات شديدة الحساسية مثل الرقائق الإلكترونية واللوحات الأم والمعالجات الدقيقة.

وتعد هذه العناصر أساس عمل معظم الأنظمة الرقمية الحديثة، في حين أن أنظمة التبريد الحالية ليست دائماً قادرة على توفير الحماية الكاملة عند مواجهة درجات حرارة مرتفعة بشكل استثنائي.

هل يمكن أن يتوقف الإنترنت؟

ورغم أن فكرة “انهيار الإنترنت” تبدو مبالغاً فيها، فإن الخبراء لا يستبعدون حدوث اضطرابات حقيقية في بعض المناطق نتيجة موجات الحر الشديدة.

فخلف شاشات الهواتف وأجهزة الكمبيوتر توجد مراكز بيانات عملاقة تضم آلاف الخوادم والمعالجات التي تعمل على مدار الساعة وتحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة وأنظمة تبريد متطورة.

وتؤكد الدراسات أن هذه المراكز لا تستطيع العمل بكفاءة من دون أنظمة تبريد مستمرة، بل إن درجات حرارة تتجاوز 30 درجة مئوية قد تبدأ بالتأثير في قدرتها على تقديم الخدمات المطلوبة.

الخطر الأكبر هو انقطاع الكهرباء

يرى الخبراء أن التهديد الأكبر لا يكمن في ارتفاع درجات الحرارة وحدها، بل في احتمال حدوث انقطاعات كهربائية تؤدي إلى توقف أنظمة التبريد داخل مراكز البيانات العملاقة.

وفي حال تعطل أنظمة التبريد، قد تجد الشركات المشغلة نفسها أمام خطر توقف أجزاء من البنية الرقمية التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص يومياً.

ومع ذلك، فإن الإنترنت العالمي لن ينهار بالكامل، لأن مراكز البيانات موزعة على مناطق مختلفة من العالم، ومن غير المرجح أن تتعرض جميعها للظروف المناخية القاسية نفسها في الوقت ذاته.

لكن هذا لا يمنع احتمال حدوث تباطؤ ملحوظ في سرعة الإنترنت أو انقطاع بعض الخدمات الرقمية لساعات في مناطق معينة.

الذكاء الاصطناعي في قلب التحدي

يبدو أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تكون من أكثر التقنيات تأثراً بموجات الحر، نظراً لاعتمادها على مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء وتحتاج إلى أنظمة تبريد أكثر تعقيداً.

ويحذر الباحث كريستيان كلو من أن العالم أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي في تسيير العديد من جوانب الحياة اليومية، لدرجة أن حدوث تعطل واسع النطاق في هذه الأنظمة قد يخلق صعوبات حقيقية في قطاعات متعددة.

ولا يتعلق الأمر فقط بمساعدات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT أو Gemini أو Claude، بل يمتد إلى أنظمة النقل والاتصالات والخدمات اللوجستية والبنية التحتية الرقمية بأكملها.

مثال من كاليفورنيا يكشف حجم المخاطر

ومن بين الأمثلة الحديثة التي تكشف حجم الاعتماد على هذه التقنيات، ما حدث في ولاية كاليفورنيا الأمريكية عندما توقفت سيارات الأجرة ذاتية القيادة التابعة لشركة Waymo لساعات عدة نتيجة انقطاع التيار الكهربائي.

وتعتمد هذه المركبات بشكل كامل على الاتصالات والذكاء الاصطناعي. وعندما انقطعت الكهرباء، توقفت السيارات فجأة في أماكنها، ما تسبب في تعطيل حركة المرور في أجزاء من مدينة سان فرانسيسكو لعدة ساعات.

ويرى الباحثون أن هذه الحادثة تقدم لمحة عما قد يحدث مستقبلاً إذا استمر التوسع في الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي من دون تطوير خطط حماية واستجابة للأزمات.

هل يمكن نقل مراكز البيانات إلى الفضاء؟

توجد أفكار مستقبلية تقترح نقل مراكز البيانات إلى الفضاء الخارجي، حيث تكون درجات الحرارة مستقرة نسبياً، وهو ما قد يقلل من الحاجة إلى أنظمة تبريد معقدة.

لكن هذا السيناريو لا يزال بعيد المنال بسبب التحديات الهائلة المتعلقة بنقل البيانات وتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة وصيانتها في الفضاء.

ثلاثة حلول لمواجهة الأزمة

يقترح الباحث كريستيان كلو ثلاثة مسارات يمكن العمل عليها منذ الآن للتقليل من المخاطر.

الحل الأول يتمثل في توضيح المحتوى المنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، سواء كان نصاً أو صورة أو مقطعاً موسيقياً أو فيديو، بما يسمح للمستخدمين بإدراك حجم انتشار هذه التكنولوجيا وتأثيرها على الحياة اليومية.

أما الحل الثاني، فيتمثل في وضع ضوابط سياسية وتنظيمية تحدد سقفاً لاستهلاك الطاقة المخصص لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن الحفاظ على الموارد الحيوية مثل الكهرباء والمياه.

ويتمثل الحل الثالث في تعزيز الوعي لدى المستخدمين وتشجيع الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، بحيث تبقى هذه التقنيات أدوات مساعدة تخدم الإنسان بدلاً من أن تتحول إلى أنظمة يعتمد عليها المجتمع بصورة مفرطة وخارجة عن السيطرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!