بلجيكا 24- تشهد أوروبا خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في خريطة الجريمة المنظمة، مع بروز الشبكات الإجرامية الألبانية الناطقة بالألبانية كلاعب رئيسي في تجارة المخدرات الدولية. وبينما اعتادت الأنظار أن تتجه نحو المافيات الإيطالية أو الكارتلات القادمة من أمريكا الجنوبية، تكشف تقارير وتحقيقات حديثة أن مجموعات إجرامية ألبانية أصبحت اليوم من أكثر الجهات نفوذاً وتأثيراً في سوق المخدرات الأوروبية، بما في ذلك داخل بلجيكا.
ورغم أن هذه الشبكات نادراً ما تظهر في واجهة الأحداث من خلال عمليات إطلاق نار متكررة أو استعراض للثروات، فإن نفوذها يتوسع بهدوء وبشكل متواصل، مستندة إلى أرباح ضخمة من تجارة الكوكايين وشبكات علاقات تمتد عبر عدة قارات.
تطور سريع يقلق أجهزة الأمن الأوروبية
تصف وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول) تطور الجريمة المنظمة الألبانية خلال السنوات الأخيرة بأنه أصبح أكثر دولية واتساعاً وفعالية. ويرى خبراء مكافحة الجريمة أن هذه الشبكات نجحت في بناء نموذج عمل مختلف عن العديد من المنظمات الإجرامية التقليدية، يعتمد على المرونة والقدرة على التكيف السريع مع المتغيرات الأمنية والاقتصادية.
وفي بلجيكا، أجرى عدد من الصحفيين والباحثين تحقيقات استندت إلى مقابلات مع ضباط شرطة وقضاة ومتخصصين في مكافحة غسل الأموال، بالإضافة إلى دراسة ملفات قضائية متعددة كشفت جانباً من النشاط المتزايد لهذه الشبكات داخل البلاد وخارجها.
قضية بدأت في شارع صغير بمدينة سيرينغ
تعود إحدى القضايا البارزة إلى نحو 15 عاماً عندما لفت مواطن ألباني الأنظار في مدينة سيرينغ التابعة لمقاطعة لييج.
وخلال عملية تفتيش نفذتها الشرطة عام 2011، تم العثور على أكثر من 166 ألف يورو نقداً داخل منزله. وفي الوقت نفسه، ضبط المحققون أكثر من خمسة كيلوغرامات من الكوكايين في منطقة أخرى قريبة.
أُدين الرجل لاحقاً وحُكم عليه بالسجن وغرامات مالية ومصادرة مبالغ كبيرة، إلا أن السلطات واجهت مشكلة أساسية؛ إذ لم تكن هناك أصول مسجلة باسمه داخل بلجيكا يمكن مصادرتها لتنفيذ الأحكام المالية الصادرة بحقه.
SKY ECC يكشف خيوطاً جديدة
شهد الملف تحولاً كبيراً بعد اختراق تطبيق الاتصالات المشفر SKY ECC، الذي استخدمته شبكات إجرامية عديدة في أوروبا لتنسيق أنشطتها بعيداً عن أعين السلطات.
وأظهرت التحقيقات أن المشتبه به كان من بين مستخدمي التطبيق، كما كشفت الرسائل المشفرة عن امتلاكه أصولاً وثروات كبيرة خارج بلجيكا، وتحديداً في ألبانيا.
هذه المعلومات دفعت السلطات البلجيكية إلى التعاون مع الجهات القضائية الألبانية، التي فتحت تحقيقات مستقلة استناداً إلى المعطيات الجديدة.
مصادرة عقارات بملايين اليوروهات
أسفرت التحقيقات في ألبانيا عن مصادرة حسابين مصرفيين وثمانية شقق تقع على الساحل الأدرياتيكي.
ووفق التقديرات الرسمية، بلغت قيمة هذه الأصول نحو خمسة ملايين يورو، وهو مبلغ يفوق بكثير قيمة الأموال التي كانت السلطات البلجيكية تسعى لاستردادها منذ سنوات.
وتُعد هذه القضية مثالاً واضحاً على الطبيعة العابرة للحدود التي أصبحت تميز عمل الشبكات الإجرامية الحديثة، حيث يتم نقل الأموال والأصول بين عدة دول لتجنب المصادرة والملاحقة القضائية.
ميناء أنتويرب في قلب المعركة ضد الكوكايين
في ملف آخر أكثر تعقيداً، تنظر المحاكم البلجيكية في قضية دولية مرتبطة باستيراد كميات ضخمة من الكوكايين إلى أوروبا.
وتتعلق القضية بما يعرف إعلامياً بملف “سامبا”، الذي يضم أشخاصاً يُشتبه في لعبهم أدواراً محورية في تجارة الكوكايين الدولية.
وتشير التحقيقات إلى أن بعض العمليات المرتبطة بالقضية شملت إدخال ما يصل إلى 16 طناً من الكوكايين، كان جزء منها يمر عبر ميناء أنتويرب، الذي يعد أحد أهم الموانئ الأوروبية وأكثرها استهدافاً من قبل شبكات تهريب المخدرات.
كما كشفت التحقيقات عن تحركات مالية بملايين اليوروهات مرتبطة بعمليات غسل أموال معقدة امتدت عبر عدة دول.
من جرائم تقليدية إلى إمبراطوريات مخدرات
في بداية الألفية الجديدة، كانت بعض المجموعات الإجرامية الألبانية معروفة أساساً بأنشطة مثل السرقات أو استغلال شبكات الدعارة.
لكن خلال العقدين الماضيين، شهدت هذه المجموعات تحولاً جذرياً، حيث استثمرت بشكل متزايد في تجارة الكوكايين، وهي من أكثر الأنشطة الإجرامية ربحية في العالم.
هذا التحول منحها موارد مالية هائلة سمحت لها بتوسيع نفوذها وبناء تحالفات مع منظمات إجرامية كبرى حول العالم.
قوة تقوم على المرونة والتنظيم
بحسب خبراء أمنيين، لا تعتمد الشبكات الألبانية على هياكل تنظيمية جامدة كالتي اشتهرت بها بعض المافيات التقليدية.
بدلاً من ذلك، تعمل من خلال شبكات مرنة تسمح لها بتغيير أساليبها بسرعة والتكيف مع الضغوط الأمنية المتزايدة.
ويعتبر هذا النموذج أحد الأسباب الرئيسية وراء نجاحها في الحفاظ على نشاطها رغم الضربات الأمنية المتكررة التي تستهدف تجارة المخدرات في أوروبا.
توسع نحو أسواق جديدة
لم تعد أنشطة هذه الشبكات مقتصرة على الكوكايين فقط، إذ تشير تقارير أمنية إلى دخول بعض المجموعات في تجارة القنب المستورد من كندا وولاية كاليفورنيا الأمريكية.
وتتم عمليات الشحن أحياناً عبر الطرود الجوية قبل توزيع المنتجات داخل بلجيكا أو إعادة تصديرها إلى أسواق أوروبية أخرى، ما يعكس قدرة هذه الشبكات على استغلال مسارات تهريب جديدة باستمرار.
تحديات متزايدة أمام السلطات الأوروبية
ترى أجهزة الأمن الأوروبية أن الخطر لا يقتصر على تجارة المخدرات نفسها، بل يمتد إلى التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن غسل الأموال والفساد.
فالأموال غير المشروعة التي يتم ضخها في الاقتصاد القانوني قد تؤدي إلى تشويه المنافسة الاقتصادية وإضعاف الثقة بالمؤسسات، وهو ما يدفع أجهزة الشرطة والقضاء في بلجيكا والدول الأوروبية الأخرى إلى تكثيف التعاون الدولي لملاحقة هذه الشبكات.
ومع استمرار توسع نشاطها وقدرتها على بناء تحالفات مع منظمات إجرامية عالمية، تبدو مواجهة الشبكات الإجرامية الألبانية واحدة من أبرز التحديات الأمنية التي ستواجه أوروبا خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في ظل الأرباح الضخمة التي لا تزال تحققها تجارة الكوكايين العابرة للحدود.
المصدر: rtbf
