تحقيقات وتقارير

مشروع الزيارات المنزلية للمهاجرين يثير جدلاً في بلجيكا.. قضاة وأحزاب في الأغلبية يعبرون عن تحفظاتهم

بلجيكا 24- يتواصل الجدل في بلجيكا حول مشروع القانون المتعلق بالسماح بتنفيذ زيارات منزلية لتوقيف أشخاص يقيمون في البلاد بشكل غير قانوني وصدر بحقهم أمر بمغادرة الأراضي البلجيكية. وبينما تدافع الحكومة الفيدرالية عن المشروع باعتباره وسيلة لتعزيز سياسة إعادة المهاجرين غير النظاميين، أبدت جهات قضائية وسياسية عدة تحفظات كبيرة بشأن جدواه القانونية وتأثيره على الحقوق الأساسية.

وخلال جلسة عقدتها لجنة الداخلية في مجلس النواب، أعرب عدد من الفاعلين في القطاع القضائي عن انتقادات واضحة لمشروع القانون. واعتبروا أن التشريعات البلجيكية الحالية تتضمن بالفعل أدوات قانونية كافية تسمح للسلطات بتوقيف الأشخاص الذين يشكلون خطراً على النظام العام أو الأمن الوطني.

قضاة التحقيق يبدون انزعاجهم من الدور الجديد

يمنح المشروع قضاة التحقيق دوراً محورياً، إذ سيتعين عليهم منح الإذن بتنفيذ الزيارة المنزلية بناء على طلب مكتب الأجانب خلال فترة لا تتجاوز خمسة أيام.

لكن ممثلة جمعية قضاة التحقيق، كلير برونيل، أبدت تحفظاً واضحاً تجاه هذا الدور الجديد. وأكدت أن قاضي التحقيق ليس الجهة الطبيعية المختصة بالنزاعات المتعلقة بـ قانون الأجانب والهجرة.

وأضافت أن الدولة البلجيكية تمتلك حالياً وسائل قانونية تتيح تحقيق الأهداف التي يسعى إليها المشروع الجديد، من دون الحاجة إلى استحداث هذه الآلية.

وتبنت ممثلة الجمعية النقابية للقضاة، فيرونيك دو شرايفر، موقفاً مشابهاً. وتساءلت عن الفائدة العملية للقانون الجديد وعن الفئة التي يستهدفها تحديداً. كما رأت أن المشروع، بصيغته الحالية، لا يخدم حسن سير العدالة.

مخاوف تتعلق بالخصوصية وحرمة المسكن

لا تعترض الجهات القضائية على أهمية تطبيق قوانين الهجرة، لكنها تعبر عن قلقها إزاء التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق الأساسية.

فالإقامة غير القانونية تعد مخالفة للقانون، لكنها لا ترقى إلى مستوى الجرائم الخطيرة. في المقابل، تتيح الزيارة المنزلية دخول السلطات بالقوة إلى منزل خاص وتفتيشه، وهو إجراء تعتبره الأوساط القضائية شديد التأثير على مبدأ حماية الحياة الخاصة وحرمة المسكن.

ويشير القضاة أيضاً إلى أن السلطات تمتلك فرصاً متعددة لمراقبة الأشخاص المعنيين وتوقيفهم. كما أن كثيراً منهم تلقوا بالفعل عدة أوامر بمغادرة الأراضي البلجيكية لم تنفذ حتى الآن.

المحامون: المشروع أقرب إلى رسالة سياسية

من جهته، اتخذ مجلس نقابتي المحامين الناطقين بالفرنسية والألمانية موقفاً حاسماً تجاه المشروع. واعتبر أن النص المقترح ليس ضرورياً من الناحية القانونية.

وقال ممثل منظمة Avocats.be، جان فرنسوا جيرار، إن اقتراحهم الأساسي يتمثل في رفض المشروع برمته. وأضاف أن المشروع يبدو أقرب إلى خطوة سياسية ورسالة إعلامية منه إلى استجابة لحاجة قانونية حقيقية.

الحكومة تسعى إلى تحسين سياسة إعادة المهاجرين

تسعى حكومة «أريزونا» من خلال هذا المشروع إلى تحسين نتائج سياستها المتعلقة بالأشخاص الذين رفضت طلبات لجوئهم أو الذين يوجدون في البلاد بصورة غير قانونية.

وتشير بيانات مركز الهجرة الفيدرالي «ميريا» إلى أن السلطات نفذت خلال عام 2024 ما مجموعه 28 ألفاً و250 عملية توقيف إداري. وشملت نحو عشرة آلاف حالة عناصر مرتبطة بالنظام العام.

لكن أقل من ألف شخص فقط نُقلوا فعلياً إلى مراكز الاحتجاز المغلقة، وهو ما يعكس وجود صعوبات أكبر تتجاوز مسألة التوقيف بحد ذاتها.

وتؤكد إينا فاندنبرغه، نائبة مديرة مركز «ميريا»، أن مشروع القانون لن يكون الحل السحري لمشكلة الإعادة. وأوضحت أن العقبات ترتبط أيضاً بعوامل خارجية، مثل رفض بعض الدول استقبال مواطنيها أو بطء التعاون في ملفات الترحيل، ومن بينها المغرب والجزائر.

مخاوف من زيادة الضغط على القضاء

أثار عدد من النواب تساؤلات بشأن حجم الأعباء الجديدة التي قد تترتب على قضاة التحقيق في حال اعتماد القانون.

وأشارت كلير برونيل إلى أن عبء العمل في بروكسل ارتفع بشكل كبير منذ مطلع عام 2025. وأضافت أن عدد الملفات تضاعف تقريباً، في حين لم تشهد الموارد البشرية زيادة مماثلة.

وأوضحت أنها اضطرت خلال إحدى المناوبات إلى الاستماع إلى ثلاثة عشر موقوفاً في يوم واحد، ولم تغادر مقر عملها إلا في وقت متأخر من الليل.

ورغم هذه التحفظات، أكدت القاضية أن السلطة القضائية ستطبق القانون إذا تم إقراره من قبل البرلمان.

تحفظات داخل أحزاب الأغلبية نفسها

لم تقتصر الاعتراضات على الجهات القضائية. فقد تبنى المجلس البلدي في إيتربيك مذكرة تعبر عن تحفظات كبيرة تجاه المشروع.

وجاءت المبادرة بدعم أعضاء من قائمة رئيس البلدية التي تضم أحزاب الحركة الإصلاحية، والليبراليين الفلمنكيين، والديمقراطيين المسيحيين، إلى جانب حزب «الملتزمون».

ورغم أن هذه الأحزاب لا ترفض مبدأ الزيارات المنزلية بشكل كامل، فإنها ترى أن النص المطروح يعاني ثغرات قانونية وإجرائية مهمة.

وأشارت المذكرة إلى ما لا يقل عن اثنتي عشرة نقطة إشكالية، من بينها غياب ضمانات كافية تجعل اللجوء إلى الزيارات المنزلية خياراً أخيراً، وعدم وضوح تعريف مفهوم الخطر على النظام العام أو الأمن الوطني، إضافة إلى محدودية صلاحيات قاضي التحقيق وعدم وجود وسائل طعن فعالة للأشخاص المعنيين.

كما عبرت المذكرة عن مخاوف تتعلق بحماية أصحاب المنازل والأطفال والبيانات الشخصية.

حملة مدنية متواصلة ضد المشروع

اعتبرت مجموعة GETMO ومنصة «أوقفوا الزيارات المنزلية» أن موقف مجلس إيتربيك يمثل ثمرة عدة أشهر من التعبئة المدنية. وشملت هذه التحركات عرائض شعبية وأسئلة موجهة إلى المسؤولين المحليين، إضافة إلى تنظيم تجمعات احتجاجية ضد المشروع.

ويبدو أن مشروع الزيارات المنزلية لا يزال بعيداً عن تحقيق إجماع سياسي أو قضائي في بلجيكا. ومع استمرار النقاش داخل البرلمان، يبقى التحدي الأساسي هو إيجاد توازن بين تطبيق قوانين الهجرة واحترام الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور البلجيكي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!