صحة

بلجيكا تتحرك لمواجهة العنف أثناء فحوص النساء والولادة.. تغييرات جديدة في تدريب الأطباء والقابلات

بلجيكا 24- تتجه منظومة التعليم الصحي في بلجيكا إلى إجراء تغييرات مهمة في طريقة تدريب الأطباء والقابلات وغيرهم من العاملين في مجال الرعاية الصحية، بهدف الحد من الممارسات التي قد تشكل عنفًا نسائيًا أو توليديًا، وتعزيز احترام حقوق المريضات وحقهن في اتخاذ القرارات المتعلقة بأجسادهن.

وجاء ذلك بعد أن أصدرت أكاديمية البحث والتعليم العالي (ARES)، التي تمثل مؤسسات التعليم العالي في اتحاد والونيا-بروكسل، تقريرًا جديدًا يتضمن مجموعة واسعة من التوصيات الموجهة إلى الجامعات والمدارس العليا والجهات التي تشرف على تدريب العاملين في القطاع الصحي.

تقرير جديد يطالب بتغيير طريقة تدريب العاملين في الصحة

نشرت ARES في 22 سبتمبر تقريرًا يتعلق بالحق في تقرير المصير الجسدي ومواجهة أشكال العنف النسائي والتوليدي في بلجيكا.

ويأتي هذا العمل استكمالًا لتقرير أقره مجلس الشيوخ البلجيكي في يناير 2024، بعد نقاشات صعبة، تناول واقع العنف النسائي والتوليدي في البلاد وقدم عددًا من التوصيات، خصوصًا للمؤسسات التعليمية التي تتولى إعداد المهنيين العاملين في مجال الرعاية الصحية.

وبناءً على ذلك، طلبت وزيرة التعليم العالي آنذاك، فرانسواز بيرتو (MR)، من ARES تحويل هذه التوصيات إلى إجراءات عملية، ومساعدة الجامعات والمدارس العليا على تطوير برامجها التعليمية بما يساهم في تحسين الممارسات المهنية.

ما الذي تقترحه التوصيات الجديدة؟

يتضمن تقرير ARES مجموعة من التوصيات المشتركة التي يفترض أن تشمل مختلف العاملين في مجال الرعاية الصحية، مع التركيز على تعريف الطلاب والمهنيين بالقوانين والنصوص المرجعية المتعلقة بحقوق الأشخاص ومناهضة التمييز.

ومن بين النصوص التي يوصي التقرير بإدراجها في البرامج التعليمية القوانين البلجيكية المتعلقة بالنوع الاجتماعي ومكافحة التمييز، إضافة إلى اتفاقية إسطنبول والقانون الخاص بمكافحة العنصرية.

ويرى التقرير أن برامج التعليم والتدريب يجب أن تساعد أيضًا على الحد من الأحكام المسبقة المرتبطة ببعض الممارسات الطبية، بما في ذلك المواقف الأخلاقية والاجتماعية التي قد تحيط ببعض أنواع الرعاية الصحية، مثل الإجهاض.

كما يدعو التقرير إلى إدراج القوانين المتعلقة بحقوق المرضى وجودة الممارسة الصحية ضمن المناهج الدراسية، حتى يتلقى العاملون في المستقبل تدريبًا واضحًا بشأن احترام استقلالية المريض، والموافقة المستنيرة، وحق الشخص في رفض العلاج، إلى جانب المبادئ الأساسية لأخلاقيات الممارسة الطبية.

الموافقة على العلاج وحق المريضة في الرفض

أحد المحاور الأساسية في التوصيات يتعلق بضرورة أن يفهم العاملون في القطاع الصحي أن تقديم الرعاية لا يقتصر على المعرفة الطبية والمهارات التقنية، بل يشمل أيضًا احترام قرارات المريضات وحقوقهن خلال مختلف مراحل العلاج والفحص.

ولهذا السبب، يدعو التقرير إلى إدخال هذه المفاهيم بشكل واضح في تدريب الأطباء والقابلات وغيرهم من المتخصصين، حتى تصبح جزءًا من الممارسة اليومية وليس مجرد معلومات نظرية.

لماذا تريد بلجيكا تدريس تاريخ هذه الممارسات؟

لا يكتفي التقرير بالجانب الطبي، بل يطالب أيضًا بتدريس مقاربة اجتماعية وتاريخية للعنف النسائي والتوليدي.

وتعتبر ARES أن طريقة تنظيم المؤسسات الصحية وأساليب تقديم الرعاية الحالية تشكلت نتيجة مجموعة من التأثيرات التاريخية والاجتماعية، ولذلك فإن فهم هذه الخلفيات يمكن أن يساعد المهنيين على مراجعة بعض الممارسات الحالية وتطويرها.

ويحدد التقرير أربعة مجالات تعليمية رئيسية يمكن من خلالها تناول هذه القضية: الدروس النظرية خلال مرحلة التكوين، والإشراف على التدريبات الميدانية، والتعلم القائم على المحاكاة وورش التواصل، إضافة إلى التدريب المستمر للعاملين في القطاع الصحي والمشرفين على المتدربين.

كما يتضمن التقرير توصيات خاصة بكل مسار تعليمي، ومن بينها برامج تكوين القابلات وبرامج البكالوريوس والماجستير في العلاج الطبيعي.

«خطوة مهمة» في التعليم الصحي

رحبت شارلوت فيردان من «المنصة المدنية من أجل ولادة تحترم حقوق النساء» بصدور التقرير، معتبرة أنه يمثل خطوة مهمة في مجال التعليم العالي الناطق بالفرنسية في بلجيكا.

وترى فيردان أن هناك تغيرًا بدأ يظهر داخل القطاع، مع تزايد عدد الطلاب والمهنيين الشباب الذين يبحثون عن طرق جديدة لتقديم الرعاية، بالتزامن مع قيام عدد متزايد من المهنيين ذوي الخبرة بتطوير ممارساتهم.

وبحسب موقف المنصة، فإن هذا التطور يحتاج إلى دعم من خلال تحديث المحتوى التعليمي وطرق التدريب، مع إعطاء مساحة أكبر للتطبيق العملي.

المشكلة لا تتعلق بالدروس النظرية فقط

وتطرح فيردان مجموعة من الأسئلة حول كيفية تحويل المبادئ المتعلقة بحقوق المريضات إلى ممارسات فعلية داخل عيادات الأطباء وأقسام الولادة.

فاحترام الموافقة الحرة والمستنيرة، والاستماع إلى المريضة، ومراعاة حقوقها، وتقديم رعاية تتمحور حول المرأة أو الشخص المعني، كلها أمور لا يمكن اكتسابها من المحاضرات النظرية وحدها.

وتؤكد المنصة أن الرعاية الصحية تعتمد على المعرفة العلمية والبيانات الطبية، لكنها في الوقت نفسه ممارسة إنسانية تقوم على التواصل والاستماع والقدرة على التكيف، وهي مهارات تحتاج إلى تدريب عملي مستمر.

دعوة لإشراك المريضات والجمعيات في التدريب

وترى المنصة المدنية أن تطوير هذا المجال يتطلب أيضًا الابتعاد عن اقتصار النقاش على العاملين داخل المهن الطبية، وإعطاء الأشخاص المعنيين والجمعيات التي تعمل يوميًا في هذا المجال دورًا حقيقيًا في عمليات التفكير والتدريب.

وتوجد بالفعل بعض المبادرات التي تسير في هذا الاتجاه، مثل تنظيم شهادات وتجارب شخصية بالتعاون مع الجمعيات، واللقاءات مع الأشخاص الذين مروا بهذه التجارب، وورش المحاكاة، والاستعانة بخبيرات يمتلكن خبرة مباشرة في الموضوع.

وتعتقد المنصة أن الخطوة المقبلة يجب أن تتمثل في دعم هذه المبادرات وتوسيع نطاقها وإدماجها بشكل أكثر انتظامًا داخل برامج تدريب المهنيين الصحيين.

كما أن التغيير، وفق المنصة، لا يقع على عاتق الجامعات والمدرسين وحدهم، بل يشمل أيضًا إدارات المؤسسات الصحية ورؤساء الأقسام والمديرين والمنسقين المسؤولين عن تنظيم العمل والإشراف على الممارسات.

بلجيكا اعتمدت أول تعريف رسمي للعنف النسائي والتوليدي

وفي تطور آخر شهدته بلجيكا خلال مارس 2026، تم اعتماد أول تعريف رسمي للعنف النسائي والتوليدي في البلاد.

ويشمل هذا النوع من العنف، وفق التعريف المعتمد، أي فعل أو كلام أو سلوك أو إغفال يصدر عن مهنيين في إطار خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، ويمكن أن يمس بسلامة النساء أو يؤدي إلى أضرار أو معاناة جسدية أو نفسية.

وبموجب هذا التعريف، يمكن أن تشمل الممارسات المعنية إجراء فحص نسائي دون موافقة المريضة، أو إجراء شق العجان من دون مبرر طبي، أو عدم توجيه المريضة إلى جهة أخرى بعد رفض تقديم خدمة الإنهاء الطوعي للحمل، أو الضغط عليها لإجراء فحص أو تدخل طبي رغم رفضها المستنير.

كما يمكن أن يدخل ضمن هذه الممارسات تضخيم خطورة وضع صحي بهدف دفع المريضة إلى قبول إجراء طبي لم تكن ترغب فيه.

تعريف جديد بمشاركة جهات طبية وحقوقية

تم اعتماد هذا التعريف من جانب مختلف الشركاء المشاركين في مجموعة العمل المشتركة بين السلطات الفيدرالية والكيانات المحلية المعنية بالعنف النسائي والتوليدي.

وجاءت هذه المجموعة في إطار خطة العمل الوطنية لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، التي أُطلقت خلال الولاية التشريعية السابقة، ويشرف عليها معهد المساواة بين النساء والرجال.

وتضم المجموعة جهات مسؤولة عن الصحة والمساواة على مستويات مختلفة من السلطة، إلى جانب جمعيات مهنية طبية وخبيرات وجمعيات تمثل المريضات، من بينها المنصة المدنية من أجل ولادة تحترم حقوق النساء.

المرحلة الأصعب تبدأ بعد صدور التوصيات

لا تتوقف القضية عند إصدار التقارير والتوصيات، إذ ترى الجهات المشاركة في هذا الملف أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه المبادئ إلى تغييرات ملموسة داخل برامج التعليم والتدريب والممارسة اليومية في المؤسسات الصحية.

وتؤكد المنصة أن نجاح هذه العملية سيعتمد على قدرة الجامعات ومؤسسات التدريب والقطاع الصحي والسلطات العامة على تنفيذ التوصيات بشكل مستمر، خصوصًا في ظل الضغوط المالية التي تواجه مختلف المؤسسات.

وبذلك تدخل بلجيكا مرحلة جديدة في التعامل مع ملف العنف النسائي والتوليدي، حيث لا يقتصر النقاش على تحديد الممارسات التي يجب منعها، بل يمتد أيضًا إلى كيفية إعداد الأطباء والقابلات والمهنيين الصحيين منذ بداية مسيرتهم المهنية لضمان احترام حقوق المرضى والمريضات داخل منظومة الرعاية الصحية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!