الرقمنة في بلجيكا تتحول إلى عقبة.. نحو نصف السكان يواجهون صعوبات في الوصول إلى الخدمات
بلجيكا 24- أصبحت الرقمنة جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في بلجيكا، إذ بات الهاتف أو الحاسوب بوابة للقيام بالعديد من الإجراءات، من تحويل الأموال وحجز المواعيد الطبية إلى تسجيل الأطفال في المدارس والتواصل مع الإدارات. لكن ما يبدو للبعض تطورًا يسهل الحياة، يتحول بالنسبة إلى آخرين إلى عقبة حقيقية أمام الوصول إلى الخدمات وممارسة الحقوق.
وتزداد حدة المشكلة بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يمتلكون المهارات الرقمية الكافية، في وقت تشير فيه بيانات مقياس مؤسسة الملك بودوان إلى أن قرابة نصف البلجيكيين يعانون شكلًا من أشكال الهشاشة الرقمية.
وفي ظل هذا الوضع، تم تقديم شكوى جماعية ضد الدولة البلجيكية أمام اللجنة الأوروبية للحقوق الاجتماعية، بينما عاد النقاش حول كيفية ضمان وصول جميع المواطنين إلى الخدمات، حتى بالنسبة لمن لا يستطيعون التعامل مع الأدوات الرقمية.
عندما تتحول التكنولوجيا من وسيلة مساعدة إلى شرط
إجراء تحويل مصرفي، حجز موعد مع الطبيب، تسجيل طفل في المدرسة أو إنجاز معاملة لدى إحدى الإدارات، كلها إجراءات أصبحت تمر بشكل متزايد عبر الهاتف أو الحاسوب.
لكن بالنسبة إلى إليز ديغراف، الأستاذة في جامعة نامور والمتخصصة في قانون التكنولوجيا، فإن المشكلة لا تكمن في استخدام الرقمنة بحد ذاته، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها الأداة الرقمية من خيار متاح إلى وسيلة مفروضة على المواطن.
وتوضح أن التكنولوجيا مجرد أداة، مثل الدراجة أو مجفف الشعر، وبالتالي يجب أن يظل للشخص الحق في اختيار استخدامها أو عدم استخدامها.
وترى أن الهدف من التطور الرقمي يجب أن يكون توسيع حرية الأشخاص وتسهيل حياتهم، وليس زيادة الصعوبات التي يواجهونها.
ما المقصود بـ«الحق في عدم استخدام الخدمات الرقمية»؟
من هنا يأتي مفهوم «الحق في عدم استخدام الوسائل الرقمية»، الذي يدعو إلى الحفاظ على بدائل بشرية عندما يتم تحويل الخدمات إلى منصات إلكترونية.
وبحسب هذا المبدأ، يجب أن يتمكن المواطن من الحصول على الخدمة نفسها من خلال وسائل أخرى، مثل الهاتف أو التوجه إلى شباك الاستقبال أو إرسال الطلب عبر البريد.
وتشير إليز ديغراف إلى أن بلجيكا اعتمدت بالفعل عدة تشريعات في هذا الاتجاه، من بينها ترتيبات موجودة في إقليم والونيا وإقليم بروكسل، إضافة إلى قانون اتحادي تم اعتماده مؤخرًا ويكرس الحق في عدم استخدام الوسائل الرقمية.
لكن وجود القوانين لا يعني بالضرورة أن المشكلة انتهت، إذ ترى الخبيرة أن هناك فجوة بين النصوص القانونية وبين تطبيقها على أرض الواقع.
وتوضح أن الاعتراف بحق معين في القانون لا يضمن تلقائيًا أن هذا الحق سيُحترم فعليًا في جميع الحالات.
الشكوى الأوروبية تطال البنوك وشركات التأمين أيضًا
ولا يقتصر التحرك أمام اللجنة الأوروبية للحقوق الاجتماعية على الخدمات الحكومية.
إذ تطرح الشكوى أيضًا مسألة الخدمات الخاصة التي أصبحت أساسية في حياة المواطنين، وعلى رأسها البنوك وشركات التأمين.
وتشير إليز ديغراف إلى أن هذه الخدمات أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالقدرة على ممارسة عدد كبير من الحقوق، ما يجعل صعوبة الوصول إليها مشكلة تتجاوز مجرد عدم القدرة على استخدام تطبيق أو موقع إلكتروني.
الرقمنة تسلب بعض الأشخاص استقلاليتهم
ومن واقع عملها الميداني، تلاحظ آن كوبيرتييه، مديرة منظمة «Lire et Écrire»، منذ سنوات الآثار التي خلفتها رقمنة الخدمات على فئات معينة من السكان.
وتوضح أن بعض الإجراءات التي كانت تتم سابقًا بطريقة مباشرة أصبحت أكثر صعوبة، ومنها تسجيل الأطفال في المدارس، وإنجاز المعاملات البنكية، والتواصل مع البلديات أو مراكز المساعدة الاجتماعية CPAS.
وتقول إن الأمر أصبح بالنسبة إلى بعض الأشخاص مشكلة حقيقية في الوصول إلى حقوقهم.
لكنها ترى أن التأثير لا يبدأ بالضرورة من فقدان الحق نفسه، بل من الإحساس بفقدان الاستقلالية. فالأشخاص الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن إنجاز معاملات بسيطة بسبب الرقمنة قد يفقدون الثقة بأنفسهم ويشعرون بأنهم غير قادرين على مواكبة المجتمع.
وتشير كوبيرتييه إلى أن هذه التجربة يمكن أن تكون قاسية نفسيًا، لأن بعض الأشخاص يشعرون بأنهم غير قادرين على القيام بأمور تبدو سهلة بالنسبة إلى الآخرين، وهو ما قد يولد لديهم الغضب والإحباط.
المشكلة لا تخص كبار السن وحدهم
وتؤكد آن كوبيرتييه أن الفجوة الرقمية لا تقتصر على الأشخاص الأكبر سنًا، رغم أنهم قد يكونون من الفئات المتضررة منها.
فالصعوبات تمتد أيضًا إلى أشخاص يواجهون مشكلات في القراءة والكتابة، إضافة إلى فئات أخرى لا تمتلك المهارات اللازمة للتعامل مع الخدمات الإلكترونية.
وتشير إلى أن أكثر من 40% من السكان في بلجيكا، ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و75 عامًا، يواجهون صعوبات مرتبطة بالرقمنة، وهو ما يعني أن القضية تتجاوز بكثير مشكلة كبار السن وحدهم.
ومع استمرار انتقال الخدمات العامة والخاصة إلى المنصات الرقمية، يطرح هذا الواقع سؤالًا أساسيًا في بلجيكا: كيف يمكن الاستفادة من التطور التكنولوجي دون أن تتحول الرقمنة نفسها إلى حاجز يمنع جزءًا من المواطنين من الوصول إلى حقوقهم وخدماتهم الأساسية؟
