الحياة في بلجيكا

لماذا يشعر بعض المهاجرين في بلجيكا وأوروبا بالتعب الدائم حتى عندما تبدو حياتهم مستقرة؟

بلجيكا 24- لم يعد التعب الذي يتحدث عنه بعض المهاجرين في بلجيكا وأوروبا مرتبطًا فقط بالعمل الشاق أو قلة النوم. فهناك نوع آخر من الإرهاق لا يمكن رؤيته بسهولة، ولا يظهر في الصور أو المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. إنه شعور داخلي بالاستنزاف يتسلل ببطء إلى حياة الإنسان، حتى عندما تبدو أموره مستقرة من الخارج.

يستيقظ في الصباح، يذهب إلى عمله، ينجز مسؤولياته اليومية، ثم يعود إلى منزله في المساء. لديه وظيفة وسكن وحياة تبدو منظمة، وربما يملك سيارة وأطفالًا ومستقبلًا أكثر استقرارًا مما كان يتخيله قبل سنوات. لكن خلف هذا المشهد الهادئ، يعيش بعض المهاجرين شعورًا دائمًا بالإرهاق النفسي والذهني يصعب شرحه لمن لم يعش تجربة الغربة.

هذه الحالة لا يتحدث عنها الناس كثيرًا، لكنها تتكرر في أحاديث عدد كبير من المهاجرين داخل أوروبا. فبعد سنوات من السعي وراء الاستقرار، يكتشف البعض أنهم أصبحوا متعبين باستمرار، حتى عندما لا توجد أزمة مالية أو مشكلة قانونية أو سبب واضح يفسر هذا الشعور.

واللافت أن هذا الإرهاق لا يقتصر على الأشخاص الذين يواجهون صعوبات كبيرة، بل يشمل أيضًا من نجحوا في بناء حياة مستقرة نسبيًا. فالهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل تجربة طويلة ومعقدة من التأقلم وإعادة بناء الذات والحياة داخل مجتمع مختلف تمامًا.

في الواقع، تبدأ الضغوط النفسية للهجرة منذ اللحظة الأولى تقريبًا. فعندما يقرر الإنسان مغادرة وطنه، فإنه لا يغيّر مكان إقامته فقط، بل يدخل في رحلة طويلة من القرارات الصعبة والقلق وعدم اليقين ومحاولة التكيف مع بيئة جديدة. وفي كثير من الأحيان، يقضي المهاجر سنواته الأولى في حالة يمكن وصفها بـ«وضع البقاء».

خلال هذه المرحلة، تذهب معظم طاقته إلى العمل، وتدبير السكن، وإنهاء الأوراق الإدارية، وتعلم اللغة، ودفع الفواتير، والبحث عن الاستقرار. ومع مرور السنوات، يبدأ الجسم والعقل في دفع ثمن هذا الضغط المتواصل.

كما أن نمط الحياة في أوروبا يحمل تحدياته الخاصة. فالحياة هنا تعتمد إلى حد كبير على السرعة والتنظيم والمواعيد والالتزامات الدقيقة. ولا يقتصر الأمر على ضغط العمل فقط، بل يشمل أيضًا التعامل المستمر مع العقود والإدارات والضرائب والتأمينات والمراسلات الرسمية والمسؤوليات اليومية التي لا تتوقف تقريبًا.

ولهذا يشعر بعض المهاجرين وكأن حياتهم تحولت إلى سلسلة طويلة من الواجبات التي يجب إنجازها باستمرار، دون وجود مساحة كافية للهدوء أو التقاط الأنفاس.

ومن الأسباب التي لا ينتبه إليها كثير من الناس، التعب الناتج عن اللغة. فحتى الأشخاص الذين يتحدثون الفرنسية أو الهولندية بشكل جيد قد يبذلون جهدًا ذهنيًا مستمرًا في محاولة فهم التفاصيل الدقيقة أو اختيار الكلمات المناسبة أو متابعة النقاشات المهنية والإدارية والاجتماعية.

هذا الجهد قد يبدو بسيطًا في البداية، لكنه يتراكم مع الوقت ويتحول لدى البعض إلى نوع من الإرهاق العقلي المستمر.

العمل بدوره يمثل عاملًا أساسيًا في هذه المعادلة. فكثير من المهاجرين يعملون لساعات طويلة أو في وظائف مرهقة جسديًا وذهنيًا بهدف الحفاظ على مستوى معيشة مستقر، وتسديد الإيجار والفواتير وتأمين مستقبل أفضل لأسرهم.

وفي المقابل، قد لا يملكون الوقت الكافي للراحة أو ممارسة الهوايات أو بناء علاقات اجتماعية أو حتى الاهتمام بصحتهم النفسية والجسدية. ومع مرور السنوات، يتحول هذا النمط من الحياة إلى حالة من التعب المزمن.

إلى جانب ذلك، تستهلك الغربة نفسها جزءًا كبيرًا من الطاقة النفسية للإنسان. ففي بلده الأصلي، يعيش الشخص وسط لغة وعادات وأشخاص يشبهونه ويتحرك بينهم بشكل تلقائي. أما في مجتمع جديد، فقد يجد نفسه في حالة انتباه دائمة: كيف يتصرف؟ كيف يفهم الآخرون؟ وهل اندمج بما يكفي؟

هذا الجهد النفسي المستمر قد يكون مرهقًا حتى لو لم يدركه الشخص بشكل واضح.

الحنين أيضًا يؤدي دورًا صامتًا في هذا الشعور. فبعض المهاجرين يعيشون سنوات طويلة وهم يحملون داخلهم اشتياقًا دائمًا للعائلة واللغة الأم والأصدقاء والأماكن القديمة والإحساس البسيط بالحياة الذي تركوه وراءهم.

وقد لا يتحول هذا الحنين إلى حزن واضح أو اكتئاب، لكنه يبقى كنوع من الضغط النفسي الخفيف والدائم الذي لا يختفي تمامًا.

كما أن الطقس في بلجيكا يؤثر على عدد كبير من الناس أكثر مما يعتقد البعض. فالأيام الرمادية الطويلة وقلة أشعة الشمس وفترات الشتاء الباردة قد تؤدي لدى بعض الأشخاص إلى انخفاض مستويات الطاقة والشعور بالخمول والثقل النفسي، خاصة لدى القادمين من دول اعتادوا فيها على الأجواء المشمسة والدافئة.

ومن العوامل الأخرى التي تضاعف هذا الإرهاق، شعور بعض المهاجرين بأن عليهم إثبات نجاحهم باستمرار. فكثيرون يعتقدون أنهم يجب أن يظهروا دائمًا بمظهر الشخص الناجح والمستقر والقوي، خصوصًا أمام العائلة والأصدقاء في بلدانهم الأصلية.

ولهذا السبب، يخفي بعض الأشخاص تعبهم الحقيقي لسنوات طويلة، ويواصلون العمل وتحمل الضغوط بصمت.

وتواجه بعض الأسر نوعًا مختلفًا من الإرهاق يتمثل في غياب شبكة الدعم العائلي. ففي كثير من البلدان، يعتمد الناس بشكل طبيعي على الأهل والأقارب في رعاية الأطفال وتقديم المساعدة اليومية. أما في أوروبا، فيجد الزوجان نفسيهما مسؤولين وحدهما تقريبًا عن العمل والأطفال والمدارس والمشاكل المنزلية ومتطلبات الحياة اليومية.

وهذا يخلق لدى بعض العائلات شعورًا دائمًا بأنها تعمل بلا توقف.

والمشكلة أن هذا النوع من التعب لا يختفي غالبًا بعد يوم راحة أو عطلة قصيرة، لأنه ليس مجرد إرهاق جسدي عابر، بل نتيجة تراكم سنوات من الضغوط والغربة والمسؤولية ومحاولات التأقلم المستمرة.

ولهذا يقول بعض المهاجرين إنهم يشعرون أحيانًا بأنهم «مرهقون من الداخل» دون أن يتمكنوا من تحديد سبب واحد وواضح لهذا الشعور.

ورغم كل ذلك، يحاول كثير من الناس التكيف مع هذا الواقع بطرق مختلفة، مثل ممارسة الرياضة، وبناء حياة اجتماعية، والاهتمام بالصحة النفسية، وتخصيص وقت للراحة، والسفر من حين إلى آخر، والسعي إلى تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية.

ومع مرور الوقت، يبدأ بعض المهاجرين أيضًا في إدراك أن النجاح لا يعني فقط العمل المتواصل وجمع المال، بل يشمل كذلك الحفاظ على الصحة النفسية ومنح الذات حقها في الراحة والهدوء.

وفي النهاية، فإن شعور بعض المهاجرين بالتعب الدائم لا يعني بالضرورة أنهم فشلوا أو أنهم لا يملكون حياة جيدة. بل قد يكون ببساطة الثمن النفسي والذهني الذي يدفعه الإنسان عندما يعيد بناء حياته بالكامل داخل مجتمع جديد. فالهجرة ليست مجرد رحلة إلى مكان آخر، بل تجربة إنسانية عميقة تستهلك الكثير من الطاقة والمشاعر، حتى عندما يبدو كل شيء من الخارج مستقرًا وطبيعيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!