السياسة في بلجيكا

خلافات حادة داخل الحكومة البلجيكية: وزيرة العدل تواجه انتقادات غير مسبوقة من شركائها في الائتلاف

بلجيكا 24- تشهد الحكومة الفيدرالية البلجيكية أزمة سياسية جديدة بعد تصاعد الانتقادات الموجهة إلى وزيرة العدل أنيليس فيرليندن، المنتمية إلى حزب الديمقراطيين المسيحيين والفلمنكيين. واتهمت أطراف عدة داخل ائتلاف «أريزونا» الوزيرة بتعطيل أعمال الحكومة وإثارة توترات داخلية بسبب طريقة إدارتها لبعض الملفات الحساسة.

وتأتي هذه الخلافات في وقت حساس بالنسبة للحكومة، التي تستعد للبحث عن موارد مالية إضافية تتراوح قيمتها بين سبعة وعشرة مليارات يورو لسد فجوات الميزانية وتمويل التزاماتها المقبلة.

كونر روسو يشكك علناً في موثوقية الوزيرة

من النادر أن يهاجم رئيس حزب سياسي وزيراً في الحكومة بشكل علني ويشكك في مصداقيته. لكن هذا ما حدث عندما وجه رئيس حزب Vooruit، كونر روسو، انتقادات مباشرة إلى وزيرة العدل خلال مقابلة إذاعية صباح الاثنين.

وتساءل روسو عما إذا كان لا يزال بالإمكان الوثوق بفيرليندن بعد الطريقة التي تعاملت بها مع عدد من الملفات خلال الأسابيع الأخيرة. وأضاف أن هذه ليست المرة الأولى التي تتسبب فيها الوزيرة بمشكلات داخل الحكومة.

وأوضحت مصادر داخل حزب Vooruitأن تصريحات روسو عبرت عما يفكر فيه كثيرون داخل الائتلاف الحاكم. وأكدت أن الانتقادات الموجهة إلى وزيرة العدل لا تقتصر على المعسكر الاشتراكي، بل تمتد إلى مختلف الأحزاب المشاركة في الحكومة.

إقرأ ايضًا: أزمة ثقة داخل الحكومة البلجيكية.. رئيس حزب Vooruit يشكك في أداء وزيرة العدل

شعور بالعزلة وانتقادات متكررة

ليست هذه المرة الأولى التي تجد فيها فيرليندن نفسها في مواجهة شركائها. فقبل نحو ستة أشهر، واجهت انتقادات مشابهة خلال النقاش حول أزمة الاكتظاظ في السجون.

وفي ذلك الوقت، اتهمها شركاؤها بعدم فهم طبيعة العمل السياسي القائم على التسويات. كما رأى بعض المسؤولين أنها احتفظت بعقلية المحامية ولم تتبنَّ بعد أسلوب السياسي القادر على تقديم التنازلات.

وعادت هذه الانتقادات إلى الواجهة خلال الأسابيع الأخيرة مع تصاعد النقاشات المرتبطة بالملفات الأخلاقية والاجتماعية الحساسة.

ملف الإجهاض يشعل الخلاف داخل الحكومة

فاجأت فيرليندن شركاءها قبل ثلاثة أسابيع عندما اقترحت خلال مقابلة صحفية تمديد مهلة اللجوء إلى الإجهاض من اثني عشر أسبوعاً إلى أربعة عشر أسبوعاً. كما اقترحت استثناء يسمح بتمديد هذه المهلة حتى ثمانية عشر أسبوعاً في حالات الاغتصاب.

واعتبرت الوزيرة أن هذا المقترح يمثل صيغة متكاملة لا تقبل التجزئة. لكن شركاءها انتقدوا بشدة طرح هذا الملف الحساس من دون مناقشته مسبقاً داخل الحكومة.

«دفاتر أتُوما» السرية تزيد التوتر

ازداد التوتر عندما استندت فيرليندن وحزبها إلى ما يعرف باسم «دفاتر أتُوما»، وهي ملاحظات سرية ألحقت باتفاق تشكيل الحكومة.

وتشير هذه الوثائق إلى أن مهلة الإجهاض لن تتجاوز أربعة عشر أسبوعاً. لكنها تربط هذا الموضوع أيضاً بحزمة أوسع تضم أربعة ملفات أخلاقية مختلفة. وتشمل هذه الملفات الإجهاض، والقتل الرحيم في حالات الخرف، وإطاراً قانونياً للأمومة البديلة، وإنهاء سرية هوية المتبرعين بالحيوانات المنوية.

ويرى حزب Vooruit أن هذه التسوية سمحت له بتقديم تنازلات في ملف الإجهاض من أجل الحفاظ على ملف القتل الرحيم في حالات الخرف، الذي يعد من أولوياته الأساسية. ولذلك، أثار الكشف الانتقائي عن مضمون هذه الوثائق استياءً كبيراً داخل الحزب.

أما حزب الديمقراطيين المسيحيين والفلمنكيين، فيؤكد أن الوزيرة لم تفعل سوى احترام الالتزامات التي تضمنها اتفاق الائتلاف الحكومي.

انتقادات لطريقة إدارة النقاش

دافع رئيس الحزب، سامي مهدي، عن وزيرة العدل واعتبر أن الانتقادات الموجهة إليها تمثل هجوماً شخصياً. لكن مصادر حكومية عدة رفضت هذا التوصيف. وأكدت أن فيرليندن هي التي أعادت ملف الإجهاض إلى الواجهة في توقيت وصفته بأنه غير مناسب.

وترى هذه المصادر أن إثارة الملف قبل انطلاق المفاوضات المتعلقة بالميزانية لم تكن خطوة ضرورية. كما اعتبرت أن ذلك زاد من حدة التوتر داخل الحكومة.

وأثار الخطاب المستخدم خلال النقاش بدوره ردود فعل غاضبة. فقد اتهم سامي مهدي بعض شركائه باعتماد مواقف تفتقر إلى القيم. كما استخدم تعبيرات صادمة خلال حديثه عن الإجهاض. وأكد مسؤولون في حزب Vooruit أن هذه التصريحات تجاوزت حدود النقاش السياسي المعتاد وأضرت بأجواء الثقة داخل الائتلاف.

«أضعنا يوم سبت كاملاً»

خصصت الحكومة اجتماعاً مطولاً يوم السبت الماضي لمحاولة احتواء الخلاف. وكان رئيس الوزراء ونوابه يطمحون إلى تسوية الملف سريعاً والانتقال إلى القضايا الاقتصادية والمالية الأكثر إلحاحاً.

لكن المناقشات استمرت لساعات طويلة. وقال أحد المشاركين إن المجتمعين أضاعوا يوماً كاملاً بسبب الخلاف حول هذه القضية. وأضاف أن الجلسة تحولت إلى اجتماع ماراثوني بدلاً من أن تكون مناقشة قصيرة تمهد للانتقال إلى ملفات أخرى.

وكان محور الخلاف الرئيسي يتمثل في تحديد موعد نهائي لإعداد النصوص التشريعية الخاصة بالملفات الأخلاقية. واقترح حزب Vooruit في البداية موعداً في منتصف أكتوبر، ثم قبل لاحقاً تأجيله إلى الأول من ديسمبر.

في المقابل، تمسكت فيرليندن بموعد الخامس عشر من ديسمبر. واعتبرت مصادر حكومية أن هذا الإصرار أدى إلى تآكل ما تبقى من حسن النية داخل الائتلاف.

نائب رئيس الوزراء يتدخل لإنهاء الأزمة

خلال الاجتماع، تدخل نائب رئيس الوزراء ووزير المالية فنسنت فان بيتيغيم، وهو أيضاً عضو في حزب الوزيرة. وتشير معلومات متداولة داخل الحكومة إلى أنه حاول إقناع فيرليندن بالتراجع عن موقفها.

وفي نهاية المطاف، وافقت وزيرة العدل على اعتماد الأول من ديسمبر موعداً نهائياً. وترى مصادر حكومية أن سلوكها خلال هذه الأزمة قد يجعل مهمتها أكثر صعوبة خلال المفاوضات المرتقبة حول الميزانية.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات مالية كبيرة. وتحتاج السلطات إلى إيجاد ما بين سبعة وعشرة مليارات يورو إضافية. ولذلك، يخشى كثيرون داخل الائتلاف من أن يؤدي تراجع الثقة بين الشركاء إلى تعقيد المفاوضات المقبلة وإضعاف قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات صعبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!