بلجيكا 24- اتخذت السلطات البلجيكية خطوة جديدة نحو مستقبل النقل الذكي بعد منح الضوء الأخضر لاستخدام سيارات تسلا المزودة بتقنية القيادة الذاتية على الطرق العامة في بلجيكا. القرار الذي أعلنت عنه وزيرة التنقل الفلمنكية أنيك دي ريدر أثار اهتماماً واسعاً داخل الأوساط التقنية وقطاع السيارات، خاصة مع تزايد الحديث عالمياً عن مستقبل المركبات الذاتية القيادة ودورها المحتمل في تقليل الحوادث وتحسين السلامة المرورية.
وبحسب المعلومات الرسمية، فإن الموافقة تشمل جميع الطرق البلجيكية، بعد فترة تجارب بدأت الشهر الماضي فقط. لكن رغم السماح باستخدام هذه السيارات، لا تزال القوانين تفرض بقاء السائق في حالة انتباه دائم، مع تحمله المسؤولية الكاملة عن السيارة أثناء القيادة.
السيارات المعنية تستخدم نظام “FSD” الذي طورته شركة Tesla، وهو اختصار لعبارة “Full Self-Driving”. ويتيح هذا النظام للسيارة القيام بعدد كبير من المهام بشكل شبه مستقل، مثل البقاء داخل المسار الصحيح، تغيير المسارات، التحكم في السرعة، وحتى التعامل مع بعض التقاطعات المرورية دون تدخل مباشر من السائق.
ورغم الاسم الذي يوحي بقيادة ذاتية كاملة، إلا أن الخبراء يؤكدون أن النظام لا يزال يحتاج إلى إشراف بشري مستمر. فالسائق مطالب بالبقاء جاهزاً للتدخل في أي لحظة إذا ارتكب النظام خطأ أو واجه موقفاً معقداً لا يستطيع التعامل معه بشكل صحيح.
السلطات الفلمنكية أوضحت أن القرار البلجيكي استند جزئياً إلى التجارب التي أُجريت سابقاً في هولندا، حيث خضعت التقنية لفترة طويلة من الاختبارات المكثفة قبل منح الموافقة الرسمية.
ووفقاً للوزيرة دي ريدر، فإن التعاون بين السلطات البلجيكية ونظيرتها الهولندية ساعد بشكل كبير على تسريع العملية، إذ تم الاعتماد على بيانات اختبارات ضخمة أُجريت بالفعل على الطرق الأوروبية.
وأشارت الوزيرة إلى أن السلطات البلجيكية لم تبدأ من الصفر، لأن الجهات الهولندية شاركت نتائج اختبارات شملت أكثر من 13 ألف رحلة تجريبية، بمجموع تجاوز 1.6 مليون كيلومتر من القيادة على الطرق الأوروبية.
وترى الحكومة الفلمنكية أن هذه التكنولوجيا قد تساهم مستقبلاً في تعزيز السلامة المرورية، خصوصاً أن أنظمة القيادة الذاتية تعتمد على استجابة إلكترونية سريعة وثابتة مقارنة بردود فعل البشر التي قد تتأثر بالتعب أو التوتر أو قلة الانتباه.
لكن في المقابل، لا تزال هناك مخاوف وتساؤلات كبيرة حول مدى جاهزية البنية التحتية الأوروبية لهذه التكنولوجيا، خاصة أن الطرق في أوروبا تختلف كثيراً عن الطرق الأمريكية التي طُورت عليها أنظمة تسلا في الأصل.
فالطرق الأوروبية غالباً ما تكون أكثر تعقيداً، مع وجود دوارات مرورية كثيرة، شوارع ضيقة، تقاطعات مزدحمة، وإشارات مرور متنوعة قد تربك أنظمة الذكاء الاصطناعي أحياناً.
وفي هذا السياق، أوضح ستيفن لاتري، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في مركز الأبحاث البلجيكي Imec، أن وصف هذه السيارات بأنها “ذاتية القيادة بالكامل” ليس دقيقاً حتى الآن.
وقال إن السيارة تستطيع قيادة نفسها بنسبة تصل إلى 98 بالمئة من الوقت تقريباً، لكنها ما زالت تحتاج إلى متابعة بشرية مستمرة.
وأضاف أن السائق لا يمكنه الجلوس والاسترخاء أو الانشغال بقراءة الهاتف أو الصحيفة أثناء القيادة، لأن النظام يراقب انتباه السائق بشكل دائم.
فإذا اكتشفت السيارة أن السائق لا ينظر إلى الطريق أو فقد تركيزه، فإن النظام يقوم تلقائياً بإعادة السيارة إلى وضع قيادة أكثر يدوية، وقد يطلب من السائق الإمساك بالمقود فوراً.
ويؤكد خبراء التكنولوجيا أن الذكاء الاصطناعي المستخدم في هذه المركبات تطور بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بالتعرف على المشاة والإشارات المرورية والتعامل مع العوائق المفاجئة.
لكن رغم هذا التطور، لا تزال الأنظمة غير معصومة من الأخطاء. فكما يمكن للبشر ارتكاب أخطاء أثناء القيادة، قد تواجه السيارات الذكية أيضاً مواقف معقدة تتطلب وقتاً إضافياً لاتخاذ القرار المناسب.
ويضرب الخبراء مثالاً بالتقاطعات الكبيرة التي تحتوي على عدة شوارع ومسارات متداخلة، وهي مواقف قد تربك أحياناً حتى السائقين البشر أنفسهم.
قرار السماح باستخدام سيارات تسلا ذاتية القيادة في بلجيكا يعكس التغير الكبير الذي يشهده قطاع النقل الأوروبي حالياً، حيث تتجه الحكومات بشكل تدريجي نحو اختبار تقنيات القيادة الذكية والاستعداد لمرحلة قد تصبح فيها السيارات الذاتية القيادة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.
ويرى مراقبون أن السنوات المقبلة قد تشهد توسعاً أكبر في استخدام هذه التقنيات، خاصة مع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي وتحسن قدرات أنظمة الاستشعار والكاميرات.
لكن في المقابل، يعتقد آخرون أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الوصول إلى مرحلة القيادة الذاتية الكاملة دون أي تدخل بشري، خصوصاً في ظل التعقيدات القانونية والأمنية والأخلاقية المرتبطة بهذا النوع من التكنولوجيا.
وفي الوقت الحالي، يبقى السائق البشري هو المسؤول الأول والأخير عن السيارة، حتى وإن كانت المركبة قادرة على قيادة نفسها معظم الوقت.
