بلجيكا 24- تشهد بلجيكا ودول أوروبية أخرى موجة جديدة من عمليات الاحتيال الإلكتروني التي تستهدف الحسابات البنكية للمواطنين، وذلك رغم إطلاق أنظمة حماية مصرفية حديثة كان يُفترض أن تقلل من عمليات النصب وسرقة الأموال. لكن المحتالين تمكنوا سريعاً من إيجاد طرق جديدة للالتفاف على هذه الأنظمة، ما أعاد القلق مجدداً حول مدى أمان التحويلات البنكية وعمليات الدفع عبر الإنترنت.
وفي واحدة من القضايا التي أثارت الانتباه مؤخراً، خسر مواطن بلجيكي مبلغ 500 يورو بعد تعرضه لخدعة إلكترونية متطورة استغلت ثغرات لا يشملها نظام الحماية البنكي الجديد. القضية دفعت خبراء القطاع المالي إلى التحذير من تصاعد أساليب الاحتيال الرقمية، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وروابط الدفع السريعة.
وكانت البنوك الأوروبية قد بدأت منذ 9 أكتوبر 2025 بتطبيق نظام جديد يُعرف باسم “التحقق بين اسم المستفيد ورقم الحساب IBAN”، وهو إجراء أمني يهدف إلى التأكد من أن اسم الشخص الذي يتم تحويل الأموال إليه يطابق فعلاً رقم الحساب البنكي المُدخل أثناء عملية التحويل.
إقرأ ايضًا: حكم قضائي يُلزم البنوك بتعويض ضحايا الاحتيال الإلكتروني
الفكرة الأساسية من هذا النظام كانت الحد من الأخطاء وعمليات الاحتيال التي تعتمد على إرسال أموال إلى حسابات تحمل أسماء مختلفة أو مزيفة. فعند وجود أي اختلاف بين الاسم ورقم الحساب، يظهر تنبيه فوري للعميل قبل تنفيذ التحويل.
لكن المشكلة التي ظهرت لاحقاً أن هذا النظام لا يشمل جميع أنواع المدفوعات الإلكترونية، وهو ما استغله المحتالون بسرعة كبيرة.
ووفقاً لما كشفه مكتب الوساطة المالية البلجيكي “Ombudsfin”، فإن المحتالين لم يعودوا يعتمدون فقط على التحويلات البنكية التقليدية، بل بدأوا باستخدام روابط الدفع الإلكترونية وخدمات الدفع عبر البطاقات البنكية، وهي وسائل لا تمر عبر آلية التحقق الجديدة الخاصة بالأسماء وأرقام الحسابات.
هذا التطور جعل الكثير من الضحايا يسقطون في الفخ دون أن يتلقوا أي تحذير من البنك، لأن النظام ببساطة لا يعتبر هذه العمليات تحويلات بنكية تقليدية.
وفي الحالة التي تم تحليلها من قبل Ombudsfin، تلقى أحد الأشخاص رسالة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من حساب بدا وكأنه يعود لصديق يعرفه جيداً. الشخص المحتال ادعى أنه في مشكلة طارئة ويحتاج إلى مساعدة مالية سريعة.
الضحية لم يشك في الأمر لأن الرسالة جاءت من حساب صديقه الحقيقي على ما يبدو، كما أن طريقة الحديث بدت طبيعية ومقنعة. بعد ذلك، أرسل المحتال رابط دفع عبر خدمة Bancontact وطلب تحويل مبلغ مالي بشكل عاجل.
وبحسن نية، قام الضحية بإجراء عمليتي دفع بقيمة 250 يورو لكل واحدة، ليصل إجمالي المبلغ المسروق إلى 500 يورو.
لكن الصدمة ظهرت لاحقاً عندما اكتشف أن حساب صديقه على مواقع التواصل كان قد تعرض للاختراق، وأن الشخص الذي تحدث معه لم يكن صديقه الحقيقي بل محتالاً محترفاً استغل الحساب المسروق لخداع المعارف والأصدقاء.
الأخطر في هذه القضية أن الضحية لم يتمكن من استرجاع أمواله، لأن العملية من الناحية القانونية تُعتبر “عملية مصرحاً بها”.
وبحسب القوانين البنكية الحالية، فإن البنك يرى أن العميل هو من وافق بنفسه على الدفع وأكد العملية باستخدام تطبيق البنك أو البطاقة البنكية، حتى لو تم ذلك نتيجة خداع أو تلاعب نفسي.
هذا يعني أن كثيراً من ضحايا الاحتيال الإلكتروني يجدون أنفسهم دون حماية حقيقية، خصوصاً عندما تكون عملية الدفع قد تمت بشكل طوعي ظاهرياً.
ويؤكد خبراء الأمن الرقمي أن المحتالين أصبحوا يعتمدون أكثر فأكثر على الهندسة الاجتماعية بدلاً من الاختراقات التقنية المباشرة. بمعنى أنهم يحاولون التلاعب بالمشاعر والثقة لإقناع الضحية بإرسال الأموال بنفسه.
وتنتشر هذه الأساليب بشكل كبير عبر فيسبوك وإنستغرام وواتساب، حيث يقوم القراصنة أولاً بالسيطرة على حسابات حقيقية ثم استخدام قائمة الأصدقاء لاستهداف الضحايا بطريقة تبدو موثوقة.
وفي كثير من الأحيان، يستخدم المحتالون عنصر الاستعجال لإرباك الضحية، مثل الادعاء بالتعرض لحادث أو ضياع المحفظة أو الحاجة إلى دفع فاتورة عاجلة.
السلطات البلجيكية والمؤسسات المالية دعت المواطنين إلى توخي الحذر الشديد وعدم تحويل أي أموال بناءً على رسائل تصل عبر مواقع التواصل، حتى وإن بدت قادمة من أشخاص معروفين.
وينصح الخبراء دائماً بالتأكد من هوية الشخص عبر مكالمة هاتفية مباشرة أو وسيلة تواصل أخرى قبل إجراء أي تحويل مالي أو دفع إلكتروني.
كما يُفضل عدم الضغط على روابط الدفع التي تصل بشكل مفاجئ، خاصة إذا كانت تتعلق بطلبات عاجلة أو غير معتادة.
ويشدد مختصون في الأمن السيبراني على ضرورة تفعيل المصادقة الثنائية للحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن اختراق الحسابات أصبح أحد أهم الأساليب المستخدمة حالياً في عمليات الاحتيال المالي.
وفي ظل تزايد الاعتماد على الخدمات البنكية الرقمية والدفع الإلكتروني، يبدو أن معركة البنوك ضد المحتالين أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، حيث يواصل المجرمون تطوير أساليبهم بسرعة كبيرة للاستفادة من أي ثغرة أو نقطة ضعف في الأنظمة الجديدة.
ويرى متابعون أن المشكلة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بوعي المستخدمين وقدرتهم على التمييز بين الرسائل الحقيقية وعمليات الخداع المتقنة التي تنتشر يومياً على الإنترنت.
ومع استمرار ارتفاع حالات الاحتيال الإلكتروني في أوروبا، يتوقع خبراء القطاع المالي أن تشهد المرحلة المقبلة تشديداً إضافياً في إجراءات الأمان البنكي، إلى جانب حملات توعية أوسع تستهدف المستخدمين لتقليل فرص وقوعهم ضحية لهذه العمليات.
