بلجيكا 24- في خطوة ينتظرها ملايين المواطنين وسط استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة في بلجيكا، وافقت لجنة الطاقة في مجلس النواب البلجيكي على مشروع قانون جديد يتضمن خمس إجراءات تهدف إلى خفض فواتير الطاقة وجعلها أكثر شفافية وعدالة بالنسبة للمستهلكين.
وتأتي هذه التدابير في وقت لا تزال فيه أسعار الكهرباء والغاز في بلجيكا تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأسر البلجيكية، رغم تراجع حدة أزمة الطاقة مقارنة بالسنوات الماضية. وتأمل الحكومة أن تسهم الإجراءات الجديدة في تمكين المستهلكين من اختيار العقود الأنسب لهم، وإنهاء بعض الممارسات التجارية التي اعتبرت مضللة وأثقلت كاهل عدد كبير من المشتركين.
وتؤكد السلطات البلجيكية أن هذه التغييرات لن تكون مجرد تعديلات إدارية بسيطة، بل ستنعكس بشكل مباشر على ميزانية ملايين الأسر، إذ من المتوقع أن يحقق نحو مليوني أسرة وفورات تصل في المتوسط إلى 500 يورو سنوياً، فيما قد يستفيد نحو 700 ألف منزل من تخفيضات تتجاوز 700 يورو سنوياً.
كيف كانت بعض الشركات تجذب العملاء؟
عند التفكير في تغيير مزود الكهرباء أو الغاز، يلجأ كثير من البلجيكيين إلى مواقع مقارنة الأسعار على الإنترنت بحثاً عن العقد الأقل تكلفة. لكن هذه العملية لم تكن دائماً تعكس الصورة الحقيقية للأسعار.
فبعض شركات الطاقة كانت تتصدر قوائم العروض الأرخص من خلال تقديم خصومات ترحيبية كبيرة عند توقيع العقد، ما يجعل العرض يبدو مغرياً للغاية للوهلة الأولى. غير أن السعر الأساسي للطاقة في هذه العقود يكون في كثير من الأحيان أعلى من أسعار المنافسين.
ولم يكن هذا الأمر وحده مصدر الانتقادات، إذ كانت تلك التخفيضات تخضع لشروط صارمة، من بينها إلزام العميل بالاحتفاظ بالعقد لمدة سنة أو سنتين قبل الحصول فعلياً على قيمة الخصم المعلن عنه. وفي حال قرر المشترك تغيير مزوده قبل انقضاء هذه المدة، فإنه يفقد الحق في الاستفادة من التخفيض الموعود.
ويرى المدافعون عن حقوق المستهلكين أن هذه الممارسات أدت إلى تشويه المنافسة داخل سوق الطاقة، كما دفعت العديد من المواطنين إلى توقيع عقود لم تكن في نهاية المطاف الأقل تكلفة كما اعتقدوا في البداية.
نهاية الخصومات المضللة
وزير حماية المستهلك في بلجيكا، روب بيندرز، قرر وضع حد لما وصفه بالخصومات الاحتيالية أو المضللة، وذلك من خلال فرض قواعد جديدة أكثر صرامة.
وبموجب مشروع القانون، لن يكون بإمكان شركات الطاقة اعتباراً من شهر أكتوبر المقبل تقديم خصومات ترحيبية مؤجلة أو مشروطة بفترات طويلة من الالتزام. وسيصبح بإمكان الشركات تقديم هذه العروض فقط إذا تم تطبيق الخصم منذ اليوم الأول لسريان العقد.
ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان شفافية أكبر، بحيث يتمكن المستهلك من معرفة التكلفة الحقيقية للطاقة منذ اللحظة الأولى، بعيداً عن العروض التسويقية المعقدة والشروط التي قد لا ينتبه إليها كثير من المشتركين عند توقيع العقود.
فواتير أكثر وضوحاً وسهولة في المقارنة
ولا تقتصر الإصلاحات الجديدة على مسألة الخصومات الترحيبية فقط، بل تشمل أيضاً سلسلة من التدابير الرامية إلى جعل فواتير الطاقة أكثر وضوحاً وأسهل فهماً بالنسبة للمستهلكين.
ومن بين أبرز هذه التدابير اعتماد مبدأ احتساب الرسوم الإدارية بشكل متناسب مع المدة الفعلية للعقد. ويعني ذلك أن العملاء الذين ينهون عقودهم قبل موعدها أو يغيرون مزود الطاقة لن يكونوا ملزمين بدفع رسوم إدارية كاملة لا تتناسب مع مدة استفادتهم الحقيقية من العقد.
ويعتبر هذا الإجراء خطوة مهمة نحو تعزيز العدالة في العلاقة بين شركات الطاقة والمستهلكين، خصوصاً أن بعض العملاء كانوا يواجهون رسوماً إضافية يرون أنها غير مبررة عند تغيير العقود أو الانتقال إلى مزود آخر.
إدراج رمز QR على الفواتير
ومن الإجراءات الجديدة أيضاً إلزام شركات الطاقة بوضع رمز استجابة سريع «QR Code» على كل فاتورة طاقة.
وسيتيح هذا الرمز للمستهلك الوصول فوراً إلى منصة مقارنة الأسعار، حيث سيتمكن من معرفة ما إذا كان العقد الحالي الذي يستخدمه لا يزال منافساً أو ما إذا كانت هناك عروض أخرى أكثر فائدة من الناحية المالية.
ويرى الخبراء أن هذه الخطوة يمكن أن تحدث تغييراً كبيراً في سلوك المستهلكين داخل سوق الطاقة، لأنها تسهل عملية المقارنة وتشجع الأسر على مراجعة عقودها بشكل منتظم بدلاً من البقاء لسنوات طويلة مع مزود واحد دون التأكد من وجود عروض أفضل.
لماذا تشكل فواتير الطاقة عبئاً كبيراً في بلجيكا؟
شهدت بلجيكا، كما هو الحال في معظم الدول الأوروبية، اضطرابات كبيرة في أسعار الطاقة خلال السنوات الأخيرة. فقد تسببت التوترات الجيوسياسية والأزمات الدولية في ارتفاع غير مسبوق في أسعار الغاز والكهرباء، ما دفع العديد من الأسر إلى إعادة النظر في نفقاتها الشهرية.
ورغم عودة الأسعار إلى مستويات أكثر استقراراً مقارنة بفترة الذروة، فإن تكاليف الطاقة لا تزال تمثل جزءاً مهماً من ميزانية الأسر البلجيكية، خصوصاً بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود والمتقاعدين والأسر الكبيرة.
ولهذا السبب، تحظى أي إجراءات من شأنها تخفيف الأعباء المالية المتعلقة بالكهرباء والغاز باهتمام واسع داخل المجتمع البلجيكي، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المواد الغذائية والخدمات الأخرى.
مكاسب مباشرة لملايين الأسر
تشير التقديرات الحكومية إلى أن مشروع القانون الجديد يمكن أن يوفر فوائد مالية ملموسة لعدد كبير من المواطنين.
فبحسب الأرقام الرسمية، سيستفيد نحو مليوني منزل من توفير سنوي متوسطه 500 يورو، بينما قد تصل الوفورات إلى أكثر من 700 يورو سنوياً بالنسبة لما يقرب من 700 ألف أسرة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية، إذ يمكن لمئات اليوروهات الإضافية سنوياً أن تشكل فارقاً حقيقياً في ميزانية الكثير من العائلات البلجيكية.
إصلاحات لتعزيز المنافسة وحماية المستهلك
ويحمل مشروع القانون أيضاً رسالة واضحة مفادها أن الحكومة البلجيكية تسعى إلى بناء سوق طاقة أكثر شفافية وتنافسية، بحيث تعتمد الشركات على تقديم أسعار حقيقية وخدمات أفضل بدلاً من اللجوء إلى عروض ترويجية معقدة قد تربك المستهلكين.
كما يتوقع أن تؤدي سهولة مقارنة الأسعار وزيادة شفافية الفواتير إلى دفع الشركات نحو تقديم عروض أكثر تنافسية، الأمر الذي قد ينعكس إيجاباً على الأسعار في السوق بأكملها خلال السنوات المقبلة.
وفي حال حصول مشروع القانون على موافقة نهائية ودخوله حيز التنفيذ كما هو مخطط له، فقد يشكل إحدى أهم الخطوات التشريعية المتعلقة بالطاقة وحماية المستهلك في بلجيكا خلال عام 2026، مع آمال بأن يشعر ملايين المواطنين بتأثيره المباشر على فواتير الكهرباء والغاز اعتباراً من الأشهر المقبلة.
