السياسة في بلجيكا

احتجاجات بروكسل تكشف الانقسام العميق بين الإعلام والسياسة في شمال بلجيكا وجنوبها

بلجيكا 24- أعادت الاحتجاجات التي شهدتها بروكسل يومي 4 و5 يونيو حول إصلاح التعليم في اتحاد والونيا-بروكسل تسليط الضوء على الانقسام الثقافي والسياسي والإعلامي بين الناطقين بالفرنسية والناطقين بالهولندية في بلجيكا.

ففي الوقت الذي ركزت فيه وسائل الإعلام الفرنكوفونية بشكل كبير على ما وصفته بعنف الشرطة خلال المظاهرات، قدمت وسائل الإعلام الفلمنكية صورة مختلفة تماماً للأحداث، مركزة على أعمال التخريب والشغب التي رافقت بعض التحركات.

هذا التباين في التغطية الإعلامية فتح نقاشاً واسعاً داخل بلجيكا حول اختلاف طريقة فهم الاحتجاجات والأحداث الأمنية بين شمال البلاد وجنوبها، وهو نقاش تجاوز الشارع ليصل إلى الأحزاب السياسية والإعلام والرأي العام.

وشهدت شوارع بروكسل خلال تلك الأيام خروج آلاف المتظاهرين احتجاجاً على إصلاحات التعليم الجديدة التي أقرتها حكومة اتحاد والونيا-بروكسل رغم معارضة جزء كبير من المعلمين والنقابات.

لكن المظاهرات لم تمر بهدوء، إذ وقعت أعمال عنف واشتباكات وتخريب أثارت ردود فعل متباينة بشكل واضح بين الجانبين الفرنكوفوني والفلمنكي.

ففي وسائل الإعلام الناطقة بالهولندية، استخدمت بعض الصحف تعبيرات مثل “أعمال شغب” و”مثيرو فوضى”، بينما ركزت وسائل إعلام فرنكوفونية أكثر على تدخلات الشرطة وطريقة التعامل مع المحتجين.

الجدل ازداد بعد تصريحات النائب الفلمنكي كونر روسو من حزب Vooruit، الذي دعا إلى إرسال المتورطين في أعمال التخريب إلى “معسكرات إعادة تأهيل”.

هذه التصريحات أثارت موجة انتقادات قوية في الأوساط السياسية الفرنكوفونية، حيث وصف السياسي الاشتراكي أحمد لعوّج الفكرة بأنها “انحراف خطير يحمل طابعاً فاشياً”.

وخلال نقاش إذاعي على RTBF، حاول عدد من الصحفيين والمحللين تفسير هذا الاختلاف الواضح في النظرة إلى الأحداث.

وترى الصحفية الفلمنكية إيزولد فان دن إينده أن جزءاً كبيراً من الرأي العام في فلاندرز يعتبر أن العنف يبدأ أولاً من أعمال التخريب التي تحدث في الشارع.

وأضافت أن كثيراً من الفلمنكيين يرون أن بعض المشاركين في المظاهرات لا يتحركون بدافع الاحتجاج السياسي فقط، بل بدافع التخريب والفوضى.

في المقابل، اعتبر الصحفي ألان جيرلاش أن هناك اختلافاً ثقافياً أعمق بين الجانبين.

وأوضح أن الثقافة السياسية الناطقة بالهولندية تميل أكثر إلى التركيز على “النظام واحترام القانون”، بينما تميل الثقافة السياسية الفرنكوفونية إلى تفسير بعض الانفلاتات باعتبارها نتيجة اجتماعية أو انعكاساً للغضب الشعبي تجاه السياسات الحكومية.

كما أشار إلى أن جزءاً كبيراً من المجتمع الفلمنكي لم يكن مطلعاً بشكل كاف على تفاصيل إصلاح التعليم في اتحاد والونيا-بروكسل، على عكس سكان الجنوب الذين تابعوا الاحتجاجات والنقاشات المتعلقة بهذا الملف منذ نهاية عام 2024.

هذا الفارق في المتابعة والاهتمام جعل كثيراً من الفلمنكيين يشاهدون صور العنف دون فهم الخلفية الكاملة للاحتجاجات، ما ساهم في صدمة جزء من الرأي العام في الشمال.

النقاش لم يقتصر على الإعلام، بل امتد أيضاً إلى الأحزاب السياسية، خصوصاً داخل التيار اليساري البلجيكي.

فالعلاقات بين الحزب الاشتراكي الفرنكوفوني PS وحزب Vooruit الفلمنكي تشهد منذ فترة توتراً متزايداً حول عدة ملفات سياسية واجتماعية.

وبحسب بعض المراقبين، فإن البيئة السياسية المختلفة في شمال وجنوب البلاد تلعب دوراً مهماً في هذا التباعد.

ففي فلاندرز، تتعرض الأحزاب اليسارية لضغط قوي من الأحزاب القومية واليمينية مثل N-VA وVlaams Belang، بينما تواجه الأحزاب اليسارية في الجنوب منافسة متزايدة من حزب العمال البلجيكي PTB.

هذا الواقع يدفع الأحزاب إلى تبني مواقف مختلفة أحياناً حتى داخل المعسكر السياسي نفسه، خصوصاً في القضايا الحساسة المتعلقة بالأمن والهجرة والاحتجاجات الاجتماعية.

كما أشار النقاش إلى وجود خلافات سابقة بين الحزبين حول ملفات أخرى، بينها مشروع السماح بتفتيش منازل المهاجرين غير النظاميين من قبل الشرطة.

وترى بعض الأصوات السياسية أن الهجمات المتبادلة بين PS وVooruit قد تعقّد مستقبلاً إمكانية التعاون بين الحزبين داخل الحكومات المقبلة.

وفي المقابل، يعتبر آخرون أن الخلافات الحالية تعكس ببساطة واقعاً بلجيكياً معقداً، حيث تختلف الأولويات السياسية والاجتماعية بين شمال البلاد وجنوبها بشكل واضح.

وتكشف هذه الأزمة مرة أخرى أن بلجيكا، رغم كونها دولة واحدة، ما تزال تعيش انقسامات ثقافية وسياسية وإعلامية عميقة تؤثر بشكل مباشر على طريقة قراءة الأحداث والتعامل معها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى