إقتصاد

بعد 10 سنوات من بريكست.. كيف تغيرت علاقة الشركات البلجيكية بالسوق البريطانية؟

بلجيكا 24- قبل عشر سنوات بالضبط، اتخذ البريطانيون قراراً تاريخياً غيّر شكل العلاقات الاقتصادية في أوروبا. ففي 23 يونيو 2016، صوّتت أغلبية الناخبين في المملكة المتحدة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، في استفتاء أصبح يعرف لاحقاً باسم «بريكست».

لكن الانفصال لم يتحول إلى واقع عملي إلا بعد سنوات. فقد غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي رسمياً في 31 يناير 2020، بينما دخلت القواعد التجارية الجديدة حيز التنفيذ مطلع عام 2021. ومنذ ذلك الوقت، وجدت الشركات البلجيكية نفسها أمام بيئة تجارية مختلفة تماماً عن تلك التي كانت معتادة عليها.

من سوق مفتوحة إلى إجراءات أكثر تعقيداً

قبل بريكست، كانت الشركات البلجيكية تصدر منتجاتها إلى المملكة المتحدة بسهولة كبيرة. وكانت حركة البضائع بين الجانبين تتم في إطار السوق الأوروبية الموحدة، من دون عراقيل إدارية أو جمركية معقدة.

أما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقد تغيرت القواعد بشكل جذري. وأصبحت الشركات مطالبة بإتمام إجراءات جمركية جديدة، وتقديم مستندات إضافية، والالتزام بمتطلبات تنظيمية لم تكن موجودة في السابق.

وأجبرت هذه التغييرات العديد من الشركات، خاصة في والونيا، على إعادة تنظيم طريقة عملها والتكيف مع واقع تجاري جديد فرضته التطورات السياسية.

قطاع النقل كان من بين الأكثر تأثراً

كانت شركات النقل والخدمات اللوجستية من أول القطاعات التي شعرت بآثار بريكست. ففي الأشهر الأولى بعد تطبيق القواعد الجديدة، واجهت الشركات صعوبات كبيرة بسبب تعقيد الإجراءات الإدارية والجمركية.

ويقول أرنو بروويه، المسؤول في شركة النقل والخدمات اللوجستية «ساندرمانس» في مقاطعة هينو، إن الموظفين والسائقين احتاجوا إلى فترة طويلة لفهم النظام الجديد. وفي بعض الحالات، بقي سائقون لساعات طويلة، بل لأيام أحياناً، في الموانئ ومحطات الشحن بسبب مشكلات مرتبطة بالوثائق والإجراءات الإدارية.

ويؤكد أن الشركات أصبحت اليوم أكثر إلماماً بالقواعد الجديدة، لكن بريكست أدى بوضوح إلى زيادة الإجراءات الجمركية والمراقبة الوثائقية والمتطلبات الإدارية، وهو ما تسبب في ارتفاع التكاليف وصعوبة أكبر في التحكم بمواعيد التسليم.

خطأ صغير في الوثائق قد يوقف الشحنة بالكامل

تتعامل شركات النقل حالياً مع كل عملية شحن إلى المملكة المتحدة بدرجة عالية من الحذر. فغياب وثيقة واحدة أو وجود خطأ بسيط في البيانات قد يؤدي إلى تعطيل البضائع وتأخير وصولها.

وأصبحت كل عملية تصدير أو استيراد تتطلب تصاريح جمركية وإجراءات إضافية، إلى جانب استخدام رموز وتصنيفات خاصة بالبضائع. وهو أمر زاد من حجم العمل الإداري بالنسبة للشركات والمصدرين.

الشركات الناشئة تواجه الواقع الجديد

لم تقتصر تأثيرات بريكست على الشركات الكبيرة فقط، بل طالت أيضاً المؤسسات الناشئة التي تحاول دخول السوق البريطانية.

ومن بين هذه الشركات شركة «باونس» في مدينة وافر، التي أسسها مجموعة من الشباب المهتمين برياضتي التنس والبادل. وطورت الشركة منتجاً يساعد على الحفاظ على ضغط كرات التنس وإطالة عمر استخدامها.

ورغم إدراك مؤسسي الشركة لأهمية السوق البريطانية في عالم التنس، فإن دخول هذا السوق لم يكن سهلاً كما هو الحال في فرنسا أو هولندا.

ويقول غريغوري ميرغيريان، أحد مؤسسي الشركة، إن التحديات كانت لوجستية وجمركية بالدرجة الأولى. وأضاف أن تخليص البضائع يتطلب وقتاً أطول، لكن الأمور تسير بشكل طبيعي بمجرد دخول المنتجات إلى الأراضي البريطانية ووصولها إلى الموزع المحلي.

السوق البريطانية ما زالت مهمة ولكنها أقل جاذبية

ورغم الصعوبات الجديدة، فإن بريكست لم يدفع جميع الشركات إلى التخلي عن المملكة المتحدة. فما زالت السوق البريطانية تمثل وجهة مهمة لكثير من الشركات البلجيكية، إلا أن الوصول إليها أصبح أكثر تعقيداً وأعلى تكلفة.

وفي هذا السياق، تشير الوكالة الوالونية للتصدير إلى أن الخاسر الاقتصادي الأكبر من بريكست كان المملكة المتحدة نفسها. فالعلاقات التجارية بين الجانبين تراجعت مقارنة بما كانت عليه قبل الانفصال.

ويؤكد بودوان دو همبتين، المستشار الاقتصادي للوكالة في لندن، أن السوق البريطانية كانت في السابق خامس أهم سوق بالنسبة للاقتصاد الوالوني. لكنها تراجعت تدريجياً إلى المرتبة السادسة ثم السابعة، قبل أن تستقر حالياً في المرتبة الثامنة.

ويضيف أن كثيراً من الشركات التي اعتادت ممارسة الأعمال في المملكة المتحدة فقدت جزءاً من هوامش أرباحها أو فضلت توجيه صادراتها نحو أسواق أخرى توفر بيئة تجارية أبسط ولا تتطلب كماً كبيراً من الوثائق والإجراءات.

مرحلة إعادة بناء للعلاقات التجارية

يرى مسؤولون اقتصاديون أن العلاقات التجارية بين بلجيكا والمملكة المتحدة تجاوزت على الأرجح أصعب مراحلها. ويعتقدون أن الفترة الحالية تمثل بداية مرحلة جديدة من إعادة بناء الروابط الاقتصادية والتجارية بين الطرفين.

ومع ذلك، تبقى حقيقة واحدة واضحة بعد مرور عشر سنوات على استفتاء بريكست. فالمملكة المتحدة لا تزال سوقاً مهمة بالنسبة للشركات البلجيكية والوالونية، لكنها لم تعد السوق السهلة والمفتوحة التي عرفتها الشركات قبل خروجها من الاتحاد الأوروبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!