أغنية تُشعل بلجيكا.. حين تتحول الكلمات إلى تنمر وتمييز وعنف
بلجيكا 24- ليست كل الكلمات «مجرد كلمات» كما قد تبدو لمن ينطق بها. أحياناً تكون الكلمة التي تُقال في ثوانٍ جزءاً من تجربة طويلة يعيشها شخص يتعرض للإهانة والتنمر بسبب شكله أو أصوله.
هذا الجدل عاد بقوة إلى الواجهة في بلجيكا بعد انتشار أغنية «Praat Nederlands» لمغني الراب البلجيكي FabioW، والتي أثارت موجة غضب وانتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما تلقى مركز Unia لتكافؤ الفرص عدة شكاوى بشأنها.
القضية لم تتوقف عند مضمون أغنية واحدة، بل تحولت إلى نقاش أكبر حول العنصرية اليومية والصور النمطية التي قد يتعرض لها أشخاص بسبب أصولهم أو ملامحهم، وحول الطريقة التي يمكن أن تنتقل بها الإساءة من مجرد تعليق إلى تنمر وتمييز وإقصاء وحتى عنف جسدي.
عبارة واحدة أشعلت موجة الانتقادات
يتحدث المغني سباستيان فان تيلبورغ، المعروف باسم FabioW، في الأغنية عن رحلة قام بها إلى فيتنام، حيث التقى فتاة لم يتمكن من فهم ما تقوله بسبب حاجز اللغة.
وفي وصفه للموقف، استخدم المغني عبارة تحاكي بشكل ساخر ومهين الطريقة النمطية التي يُنظر بها إلى اللغة الصينية واللغات الآسيوية، الأمر الذي اعتبره كثيرون إعادة إنتاج لصورة نمطية جارحة.
وأثارت الأغنية انتقادات كبيرة عبر الإنترنت، فيما وصلت عدة شكاوى إلى مركز Unia المختص بمكافحة التمييز وتعزيز تكافؤ الفرص.
ومساء الاثنين، حذف FabioW للمرة الثانية مقاطع الفيديو التي كان يستخدمها للترويج للأغنية، بينما عاد عنوان العمل إلى «Praat Nederlands».
وبرر المغني قراره عبر إنستغرام بالإشارة إلى مخاوفه من أن تؤثر القضية على ما بناه خلال مسيرته.
«سمعت هذه العبارة في وجهي طوال حياتي»
وسط هذا الجدل، قررت جوليا تشو، وهي بلجيكية من أصل صيني تبلغ من العمر 27 عاماً، أن تتحدث عن تجربتها الشخصية في مقطع فيديو نشرته على إنستغرام.
الفيديو انتشر على نطاق واسع، بعدما تمت مشاركته آلاف المرات، وأعطى القضية بعداً مختلفاً: فبالنسبة إلى تشو، المشكلة ليست في أغنية منفردة، وإنما في تراكم سنوات من العبارات الجارحة والتنميط والسخرية التي قد يواجهها الإنسان بسبب ملامحه.
وتروي تشو أنها عندما كانت صغيرة، كان غرباء يصرخون في وجهها في الشارع بالعبارة نفسها التي أثارت الجدل حالياً.
وتوضح أن تكرار هذه التجربة ترك أثراً عميقاً عليها، إلى درجة أن سماع العبارة اليوم يمكن أن يثير لديها تلقائياً حالة من التوتر والهلع.
وتطرح سؤالاً بسيطاً لكنه مؤلم: لماذا تمنح ملامح شخص ما الآخرين الحق في مضايقته أو تخويفه؟
لم تعد تنتظر الإساءة.. بل أصبحت تتوقعها
تقول تشو إن المشكلة لا تتوقف عند اللحظة التي تُقال فيها الإهانة، لأن تكرارها يجعل الشخص يعيش في حالة من الترقب المستمر.
وتشرح أنها عندما تمر بالقرب من مجموعة من الأطفال، تجد نفسها مستعدة مسبقاً لما قد تسمعه منهم، لأنها اعتادت على أن تتكرر التجربة نفسها.
والأمر، بحسب تشو، لا يخصها وحدها. فقد سمعت من أصدقاء آخرين من أصول آسيوية قصصاً مشابهة، وهو ما يجعلها ترى أن القضية تتعلق بظاهرة أوسع من حادثة منفردة.
فما يبدو للبعض تعليقاً عابراً أو «مزحة»، قد يكون بالنسبة إلى الطرف الآخر حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإهانات التي واجهها طوال حياته.
المشكلة تبدأ بالكلمات.. لكن آثارها قد تتجاوزها
وترى تشو أن خطورة مثل هذه العبارات تكمن في تحولها إلى شيء مألوف مع مرور الوقت.
فحين تتكرر السخرية من أصل شخص أو ملامحه، أو يُطلب منه العودة إلى «بلده»، أو يُنعت بعبارات مهينة، قد يصبح التعامل معه بشكل مختلف أمراً يبدو مقبولاً لدى البعض.
ومن هنا، تقول تشو، يمكن أن ينتقل الأمر من الإهانة اللفظية إلى التمييز والإقصاء، مثل رفض شخص عند البحث عن منزل أو وظيفة بسبب أصله أو مظهره.
وفي أسوأ الحالات، قد تتجاوز المسألة التمييز لتصل إلى العنف الجسدي.
ولهذا تعتبر أن التعامل مع هذه الكلمات باعتبارها مجرد نكات لا يخدم المشكلة، لأن تكرارها وتطبيعها يمكن أن يرسخ أفكاراً نمطية عن مجموعة كاملة من الناس.
المشكلة ليست في شخص واحد أو في أغنية واحدة
وتؤكد تشو أن حديثها لا يهدف إلى وصف FabioW بأنه شخص عنصري.
وتقول إن الإنسان قد يقول أو يفعل شيئاً يحمل طابعاً عنصرياً من دون أن يدرك بالضرورة أن ما يقوم به عنصري.
لكنها ترى أن الفرق الحقيقي يظهر عندما يتم تنبيه الشخص إلى أثر كلامه: هل يرفض الاعتراف بالمشكلة، أم يستمع ويحاول فهمها ويغير سلوكه؟
وبالنسبة إليها، فإن الوقوع في تصرف عنصري بشكل غير مقصود لا يعني أن الشخص غير قادر على التعلم أو التغيير.
وتختصر موقفها في فكرة أساسية: يمكن للإنسان أن يخطئ دون أن يكون شخصاً عنصرياً، لكن الاعتراف بالخطأ والاستعداد للتعلم هما ما يصنعان الفرق.
حين تصبح «المزحة» جزءاً من حياة شخص آخر
أعاد الجدل حول الأغنية إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز قضية FabioW نفسها: أين تنتهي حرية التعبير وتبدأ مسؤولية الكلمات عندما يكون لها تأثير متكرر ومؤذٍ على فئة من الناس؟
فالكلمة قد تستغرق ثواني لقولها، لكنها قد تبقى في ذاكرة الشخص الذي يسمعها سنوات طويلة، خصوصاً عندما تتكرر في الشارع والمدرسة والعمل والحياة اليومية.
ولهذا، فإن النقاش الدائر في بلجيكا لا يتعلق فقط بعبارة وردت في أغنية، بل بمشكلة أوسع يعيشها أشخاص من أصول مختلفة، ممن يجدون أنفسهم مضطرين للتعامل مع التنمر والصور النمطية والتمييز بسبب مظهرهم أو أصولهم.
والرسالة الأهم التي تخرج من هذه القضية هي أن مواجهة التمييز لا تبدأ دائماً من القوانين والعقوبات، بل تبدأ أيضاً من مراجعة الكلمات والسلوكيات التي اعتاد المجتمع التعامل معها على أنها «مجرد مزاح».
