بلجيكا 24- شهدت مدينة هيرستال في إقليم لييج البلجيكي، صباح الجمعة، توتراً بعد قيام مجموعة من الناشطين المؤيدين لفلسطين بمنع زيارة كانت مقررة للمفوّض الأوروبي للدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس إلى موقعي شركة “تاليس” ومصنع “FN Herstal” المتخصصين في الصناعات الدفاعية. الحادثة أثارت اهتماماً سياسياً وإعلامياً واسعاً في بلجيكا، خاصة في ظل الجدل الأوروبي المتزايد حول علاقة بعض الشركات الدفاعية الأوروبية بالصناعات العسكرية المرتبطة بإسرائيل.
وبحسب ما تم تداوله من معلومات أولية، فإن نحو عشرة ناشطين شاركوا في التحرك الاحتجاجي الذي أدى إلى تعطيل الزيارة الرسمية وإلغائها بشكل كامل لأسباب أمنية، بعدما اعتبرت السلطات المحلية أن الظروف لا تسمح بتأمين الحدث بالشكل المطلوب.
وكان من المقرر أن تشمل الزيارة الرسمية جولة داخل منشآت شركة “تاليس” المتخصصة في التكنولوجيا الدفاعية والطيران المدني، إضافة إلى زيارة مصنع “FN Herstal” المعروف عالمياً في مجال تصنيع الأسلحة والمعدات العسكرية، وذلك بحضور وزير رئيس حكومة والونيا أدريان دوليمونت ونائب رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد بيير إيف جيوليه.
وتأتي هذه الزيارة في إطار مناقشات أوروبية أوسع تتعلق بدعم الاتحاد الأوروبي للصناعات الدفاعية البلجيكية عبر برامج تمويل واستثمارات استراتيجية، أبرزها “الصندوق الأوروبي للدفاع” المعروف اختصاراً بـ EDF، بالإضافة إلى برنامج تطوير الصناعة الدفاعية الأوروبية “EDIP”، ومبادرة “SAFE” الخاصة بالأمن الأوروبي.
وأوضحت مصادر أوروبية أن المفوض الأوروبي كان يهدف خلال هذه الجولة إلى مناقشة سبل تعزيز التعاون بين بروكسل والشركات الدفاعية البلجيكية، خصوصاً مع تصاعد التحديات الأمنية في أوروبا والحرب المستمرة في أوكرانيا، إلى جانب سعي الاتحاد الأوروبي لتقوية استقلاليته الدفاعية وتقليل الاعتماد على الشركاء الخارجيين.
لكن التحرك الاحتجاجي غيّر مسار الزيارة بالكامل، بعدما أكدت المفوضية الأوروبية لصحيفة “Le Soir” أنها كانت على تواصل مع الشرطة المحلية التي أبلغت بعدم قدرتها على ضمان الأمن الكامل للوفد الأوروبي والمنشآت المستهدفة في ظل الاحتجاجات.
ورغم أن هوية المجموعة المنظمة للتحرك لم تُعلن بشكل رسمي، فإن الاحتجاجات تأتي في سياق تصاعد المواقف المؤيدة لفلسطين داخل عدة مدن أوروبية، بما في ذلك بلجيكا، حيث تواجه بعض شركات الصناعات العسكرية انتقادات متزايدة بسبب علاقاتها أو شراكاتها الصناعية المرتبطة بإسرائيل.
وتُتهم شركة “تاليس” من قبل منظمات غير حكومية ونشطاء حقوقيين بالمساهمة في تزويد الجيش الإسرائيلي بتقنيات ومعدات عسكرية من خلال شراكات صناعية وصفقات مرتبطة بمجال الدفاع والتكنولوجيا العسكرية، وهي اتهامات ترفضها الشركة أو تتحفظ على التعليق بشأنها بشكل مباشر.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت عدة دول أوروبية احتجاجات مماثلة استهدفت شركات مرتبطة بالصناعات الدفاعية، حيث يطالب ناشطون بوقف أي تعاون أو تصدير يمكن أن يُستخدم في النزاعات الجارية في الشرق الأوسط، بينما ترى الحكومات الأوروبية أن هذه الصناعات تمثل جزءاً أساسياً من الأمن القومي الأوروبي والاقتصاد الصناعي.
ويرى مراقبون أن الحادثة تكشف حجم الحساسية السياسية التي أصبحت تحيط بقطاع الصناعات الدفاعية داخل أوروبا، خصوصاً مع ازدياد الضغوط الشعبية والحقوقية المرتبطة بالحرب في غزة والجدل المتواصل حول صادرات السلاح والعلاقات العسكرية الدولية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومات الأوروبية أن دعم الصناعات الدفاعية المحلية أصبح أولوية استراتيجية في ظل المتغيرات الأمنية العالمية، معتبرة أن تعزيز القدرات الصناعية والعسكرية الأوروبية يمثل عنصراً أساسياً لحماية أمن القارة خلال السنوات المقبلة.
وبعد إلغاء الزيارة الميدانية، أشارت تقارير إلى أن المفوض الأوروبي سيعقد اجتماعاً بديلاً مع ممثلي شركة “تاليس” داخل مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل لمواصلة النقاشات المتعلقة بالتعاون الدفاعي والاستثمارات الأوروبية المستقبلية.
وتبقى هذه الحادثة واحدة من أبرز الوقائع التي تعكس التداخل المتزايد بين السياسة والصناعة والدفاع وملفات حقوق الإنسان داخل أوروبا، في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية ضغوطاً متصاعدة من الشارع بشأن مواقفها من النزاعات الدولية الحالية.
