هل تغيّرت لغة المدرسة في بلجيكا؟ مصطلحات جديدة تربك الآباء
بلجيكا 24- هل سبق أن ساعدت طفلك في واجبه المدرسي وشعرت أنك لم تعد تتحدث «لغة المدرسة» التي عرفتها عندما كنت تلميذًا؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنت لست وحدك. فقد تغيرت بعض المصطلحات المستخدمة في تدريس اللغة الفرنسية في المدارس الفرنكوفونية في بلجيكا، وهو ما بدأ يثير تساؤلات لدى عدد من الآباء.
فكلمة «الموصّل» (connecteur) أصبحت تُستخدم للإشارة إلى بعض الكلمات التي تربط أجزاء الجملة، بينما تحولت تسمية «طبيعة الكلمات» إلى «فئة الكلمات». كما ظهر مفهوم «المسند» (prédicat) إلى جانب مجموعة الفاعل، فيما أصبحت «الخط الزمني» تُعرف باسم «الشريط الزمني» أو «الخط الزمني للأحداث».
لكن ما سبب هذه التغييرات؟ ومن اتخذ قرار اعتمادها؟
قرارات جماعية غيّرت طريقة تدريس الفرنسية
ما يتعلمه التلاميذ اليوم يستند إلى المراجع التعليمية الجديدة التي تم اعتمادها في إطار «ميثاق التعليم المتميز»، وهي وثائق تحدد المعارف والمهارات التي يفترض أن يكتسبها جميع التلاميذ الفرنكوفونيين في مختلف المواد.
وجاء إعداد هذه المراجع بعد عملية تشاور واسعة شارك فيها عدد من الأطراف الفاعلة في قطاع التعليم، واستمرت العملية نحو عامين ونصف.
وبالتالي، فإن التغييرات ليست جديدة بالكامل، إذ جرى تطبيق الإصلاح تدريجيًا. ويدخل هذا العام أول فوج من التلاميذ الذين شملهم الإصلاح إلى المرحلة الثانوية، ما يعني أن جميع سنوات التعليم الابتدائي أصبحت الآن قد انتقلت إلى النظام الجديد.
ومع ذلك، لا يزال بعض المعلمين في مرحلة التكيف مع المصطلحات الجديدة، بحسب المرحلة التعليمية التي يدرّسون فيها. وينطبق الأمر نفسه على الآباء، الذين يلاحظ بعضهم أن المصطلحات التي يتعلمها طفلهم الأصغر تختلف عما تعلمه شقيقه الأكبر.
لماذا يجب أن تتغير المصطلحات المدرسية؟
ترى غرازييلا دولوز، المتخصصة في تعليم اللغة الفرنسية والمحاضرة في إحدى مؤسسات التعليم العالي في بروكسل وبرابانت، أن تطور المصطلحات المدرسية أمر طبيعي وضروري.
وقد شاركت دولوز في مجموعات متعددة التخصصات عملت على إعادة صياغة المراجع التعليمية. وتوضح أن هذه المراجع تحاول أن تعكس التطورات التي حققتها الأبحاث العلمية في مجال التعليم واللغة.
فالمجتمع يتغير، والنظريات تتطور، وكذلك طرق التدريس. وبالتالي، من الطبيعي أن تعكس اللغة المستخدمة داخل المدرسة هذه التطورات أيضًا.
لكن الأمر لا يمثل ثورة كاملة في تدريس اللغة الفرنسية، إذ إن معظم المصطلحات لا تزال تستند إلى المصطلحات الرسمية المعتمدة عام 1986. ولذلك فإن كلمات مثل «الصفات» و«الضمائر» وغيرها لم تختفِ.
التركيز أصبح على المعنى بدل حفظ أسماء القواعد
أحد أهم المبادئ التي وجهت النقاشات حول الإصلاح هو إعطاء الأولوية للمعنى.
وتوضح دولوز أن الهدف لم يعد دراسة اللغة باعتبارها مجموعة من التصنيفات فقط، بل التركيز على ما يفهمه التلميذ عند قراءة نص، وما يريد التعبير عنه عندما يكتب نصًا.
ومن الأمثلة على ذلك إدخال مفهوم «كتل المعنى» عند تحليل النصوص. كما ظهرت بعض المصطلحات للتعبير عن مفاهيم جديدة، في حين استُبدلت مصطلحات قديمة بأخرى، مثل استخدام «فئات الكلمات» بدل «طبيعة الكلمات».
المهم هو استخدام اللغة وليس حفظ التصنيفات
ويرى دان فان رامدونك، عالم اللغة في الجامعة الحرة في بروكسل وعضو المجلس الأعلى للغة الفرنسية، أن أحد أبرز التغييرات يتمثل في الابتعاد عن مجرد تصنيف الكلمات وتسميتها.
ففي تدريس القواعد، كان من المعتاد أن يُطلب من التلميذ تحديد نوع كلمة أو وظيفتها، أو العثور على المفعول المباشر للفعل في جملة معينة. لكن هذا النوع من التدريب، بحسب رامدونك، لا يضمن بالضرورة أن يتعلم الطفل الكتابة بشكل أفضل.
ويؤكد أن التلميذ يجب أن يعرف ما هو الاسم أو الصفة، لكن الهدف النهائي هو أن يصبح أفضل في الكتابة والحديث والقراءة والاستماع.
وتتفق دولوز مع هذا الطرح، معتبرة أن التركيز المفرط على حفظ المصطلحات لا فائدة كبيرة منه، خصوصًا في المرحلة الابتدائية.
فالمهم في القواعد، بحسب رأيها، هو أن يتساءل التلميذ عن كيف يمكن لتغيير كلمة معينة أن يغير معنى الجملة.
وتضيف أن تضخم عدد المصطلحات المستخدمة لا يجعل الطفل أكثر كفاءة في لغته، بل إن الأهم هو أن يفهم كيف يستخدمها بشكل فعال.
«الموصّل».. مصطلح جديد يجمع عدة فئات
ومن هذا المنطلق ظهر مصطلح «الموصّل» (connecteur)، الذي يمكن أن يحل محل عدد من المصطلحات التي كانت تستخدم سابقًا لوصف أدوات الربط بين أجزاء الجمل.
ويشمل ذلك حروف الجر وأدوات العطف وأدوات الربط التابعة، التي كانت تُعرف سابقًا باسم «كلمات الربط».
وبإمكان مصطلح «الموصّل» أيضًا أن يشير إلى فئات أخرى من الكلمات عندما تؤدي وظيفة الربط بين أجزاء النص.
وقد يبدو استخدام كلمة واحدة بدل عدة تصنيفات أقل دقة، لكن دولوز ترفض هذا التفسير، مؤكدة أن الهدف ليس تبسيط اللغة أو إفقارها، وإنما الوصول إلى استخدام أكثر دقة وثراء للمعنى.
وبحسب هذا المنظور، فإن تبسيط اسم التصنيف لا يعني تبسيط اللغة نفسها، بل يساعد على استخدامها بطريقة أفضل وأكثر فعالية.
«المسند» يعود إلى الواجهة لتصحيح بعض التناقضات
إلى جانب الرغبة في توضيح المصطلحات، يهدف الإصلاح أيضًا إلى معالجة بعض التناقضات في طريقة تحليل الجمل، ومن هنا جاء إدخال مفهوم «المسند» (prédicat).
ويمكن تبسيط الفكرة بالقول إن المسند هو الجزء الذي يخبرنا بما تقوله الجملة عن الفاعل. ففي جملة مثل «القط يأكل الفأر»، يشكل «يأكل الفأر» مجموعة المسند، بينما «القط» هو مجموعة الفاعل.
وداخل مجموعة المسند يمكن تحديد مجموعات مختلفة من الكلمات تؤدي وظائف متعددة، مثل المفعول المباشر للفعل، والمفعول غير المباشر، والمتمم الظرفي للفعل.
وتشير دولوز إلى أن مفهوم المسند قد يبدو ثوريًا اليوم، لكنه كان مستخدمًا بالفعل في القرن الثامن عشر، عندما كان يُنظر إليه باعتباره وسيلة مفيدة لإظهار أن المسند يقدم معلومات حول الفاعل.
وترى أن بعض المفاهيم التي تم التخلي عنها في الماضي ربما كان من الأفضل الاحتفاظ بها.
بعض «المستجدات» عمرها 40 عامًا
المفارقة أن بعض ما يُنظر إليه اليوم باعتباره جديدًا ليس جديدًا على الإطلاق.
ومن الأمثلة على ذلك صيغة الشرط (conditionnel)، التي لم تعد تُصنف كصيغة مستقلة، وإنما كزمن ضمن صيغة الخبر.
لكن هذا التغيير يعود في الواقع إلى مدونة المصطلحات المعتمدة عام 1986، أي أن المدارس يفترض أن تكون قد طبقتها منذ نحو 40 عامًا.
ويشير رامدونك إلى أن بعض المعلمين لا يزالون يدرّسون الشرط باعتباره صيغة مستقلة، ولذلك يشعرون بالارتباك عندما يجدون في المراجع التعليمية أنه يُصنف كزمن.
ويرى أن هناك أحيانًا فجوة كبيرة بين اعتماد النصوص التي يفترض أن تنظم ممارسات المعلمين وبين تطبيقها فعليًا داخل المدارس، كما أن الأمر يعتمد أيضًا على مدى نشر هذه المصطلحات وتعريف المعلمين بها.
والمشكلة أن العثور على مدونة المصطلحات نفسها ليس سهلًا دائمًا. ففي الوقت الحالي يمكن الوصول إليها من خلال بعض المصادر الجامعية عبر الإنترنت، بينما لا تظهر بالوضوح نفسه على موقع الإدارة التعليمية.
ومنذ اعتماد هذه المدونة أيضًا، لم يعد استخدام مصطلحي المفعول به المباشر والمفعول به غير المباشر بالصيغة القديمة هو المعتمد رسميًا، رغم أن هذه المفاهيم القديمة لا تزال تُدرّس أحيانًا.
كتب مدرسية ومراجع قد تقدم معلومات متناقضة
اعتماد مراجع وبرامج تعليمية جديدة لا يكفي لتغيير طرق التدريس بين ليلة وضحاها. فإلى جانب ضعف التواصل أحيانًا بشأن المصطلحات الرسمية، يواجه المعلمون مشكلة أخرى تتمثل في أن بلجيكا لا تتبنى دائمًا النظرة نفسها إلى قواعد اللغة التي تعتمدها الدول الفرنكوفونية الأخرى.
ولهذا السبب، قد تؤدي الموارد التعليمية الفرنسية أو الكيبيكية المتوفرة على الإنترنت إلى إرباك التلاميذ والمعلمين، خصوصًا فيما يتعلق بمفهوم «المسند» وغيرها من المفاهيم.
وينطبق الأمر نفسه على بعض الكتب المدرسية التي تنشرها دور نشر فرنسية. كما تظهر المشكلة أيضًا في موضوع الإملاء الجديد، الذي أصبح إلزاميًا في المدارس الفرنكوفونية في بلجيكا، لكنه ليس إلزاميًا بالطريقة نفسها في أماكن أخرى.
حتى الكتب الموجهة للسوق البلجيكية قد تتضمن أحيانًا تفسيرات يمكن التشكيك في مدى توافقها مع المراجع التعليمية الرسمية.
وتقول دولوز إنها تراجع بانتظام فهارس محتويات بعض الكتب وتتساءل عن مدى توافقها مع المنهج المعتمد، مشيرة إلى أنه لا توجد لجنة رسمية للتحقق من مطابقة الكتب المدرسية للمراجع التعليمية.
فدور النشر حرة في إعداد الكتب بالتعاون مع فرق متخصصة، ويمكن بالطبع توقع أن تتحقق هذه الفرق من توافق محتواها مع المراجع الرسمية، لكن لا توجد جهة تتحقق بشكل منهجي من أن كل كتاب يتوافق بالفعل مع المرجع المعتمد.
موارد جديدة لمساعدة المعلمين والآباء
في المقابل، توفر شبكات التعليم بعض الموارد التي يُنظر إليها على أنها موثوقة لمساعدة المعلمين والتلاميذ.
كما يمكن للأطفال والآباء الاستفادة من كتاب «قواعد لغتي الصغيرة» (Ma petite grammaire)، وهو مورد تعليمي قابل للتطور والتحديث.
ومن المنتظر أيضًا أن تتوفر خلال الأسابيع المقبلة بشكل مجاني أداة تعليمية جديدة بعنوان «أدوات اللغة»، لمساعدة التلاميذ والمعلمين على التعامل مع المفاهيم الجديدة.
وفي الأساس، لا توجد حقيقة واحدة مطلقة في قواعد اللغة، فحتى علماء اللغة أنفسهم لا يتفقون دائمًا على جميع التصنيفات والمناهج. ولذلك فمن الطبيعي خارج الإطار المدرسي أن نجد مقاربات مختلفة، وأحيانًا متناقضة، بما في ذلك في المصطلحات المستخدمة.
المعلمون بحاجة إلى وقت للتكيف.. والآباء أيضًا
بالنسبة إلى التلاميذ الذين لم يعرفوا سوى النظام الجديد، تمر هذه التغييرات غالبًا دون أن يلاحظوها. أما المعلمون، فالأمر أكثر تعقيدًا.
فعلى المعلم أن يعيد النظر في الطريقة التي اعتاد التدريس بها، وربما يغير زاوية نظره، وينتقل مثلًا من مجرد تصنيف الكلمات إلى بناء المعنى، وهي عملية ليست سهلة دائمًا.
ويشير رامدونك إلى أن المعلم قد يكون درّس طريقة معينة لسنوات طويلة، وتكوّن لديه تصور محدد حول كيفية التعليم، ثم يُطلب منه فجأة تغيير جزء من هذه الطريقة.
كما يتعين على المدارس والمعلمين الاستعداد للإجابة عن أسئلة الآباء الذين يجدون أنفسهم أمام أساليب ومصطلحات مختلفة عما تعلموه في طفولتهم.
فالآباء الذين كانوا يتعلمون سابقًا من خلال الإملاء والتركيز الشديد على صحة الكتابة، لا يزال أطفالهم اليوم مطالبين بإتقان الإملاء، لكن بطريقة مختلفة.
وبالتالي، ليس من الضروري أن يجد الآباء في دفاتر أبنائهم اليوم بالضبط ما تعلموه هم في المدرسة، وهو أمر قد يكون إيجابيًا، لأن طرق التدريس القديمة لم تكن بالضرورة دائمًا الأكثر فعالية للوصول إلى كتابة أفضل وقراءة أفضل واستماع أفضل وقدرة أكبر على التعبير.
التواصل مع الآباء جزء من الحل
لهذا السبب، يرى المختصون أن شرح هذه التغييرات للآباء أمر مهم لتجنب سوء الفهم.
وتشير دولوز إلى أن العديد من المدارس تنظم في بداية العام الدراسي لقاءات مع الآباء لشرح الطريقة التي ستعتمدها المدرسة في تعليم القراءة والكتابة، ويمكن اتباع النهج نفسه عند شرح الطريقة الجديدة في تدريس قواعد اللغة.
وبالنسبة إلى الآباء، قد يكون هذا التغيير بمثابة عودة صغيرة إلى مقاعد الدراسة، تساعدهم على فهم ما يتعلمه أبناؤهم وتجنب الكثير من الحيرة عند مساعدتهم في أداء واجباتهم المدرسية.
