اخبار بلجيكا

الرقمنة تضع بلجيكا في مواجهة شكوى أوروبية.. هل أصبحت الخدمات الأساسية حكرًا على الإنترنت؟

هل يمكن أن يصبح إجراء بسيط للحصول على خدمة صحية أو اجتماعية أو مصرفية أكثر تعقيدًا فقط لأنه أصبح رقميًا؟ هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة في بلجيكا بعد تقديم شكوى جماعية ضد الدولة البلجيكية بسبب ما تعتبره منظمات حقوقية ومجتمعية تفاوتًا متزايدًا في الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتوسع فيه الرقمنة بشكل كبير في الخدمات العامة والخاصة، بينما لا يزال جزء من السكان يواجه صعوبات في التعامل مع الإجراءات الرقمية أو لا يملك الوسائل اللازمة لاستخدامها.

شكوى أمام هيئة أوروبية

قدمت ثلاث منظمات دولية ونحو 50 منظمة من المجتمع المدني شكوى جماعية ضد بلجيكا، بدعم من هيئة Unia المعنية بمكافحة التمييز وتعزيز تكافؤ الفرص.

وتقود هذه الخطوة كل من Age Platform Europe وEuropean Disability Forum والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان.

وقد تم تقديم الشكوى أمام اللجنة الأوروبية للحقوق الاجتماعية (CEDS)، وهي الهيئة التابعة لمجلس أوروبا والمكلفة بمراقبة مدى احترام الدول لالتزاماتها بموجب الميثاق الاجتماعي الأوروبي.

المشكلة ليست الإنترنت وحده

تتمحور الشكوى حول الطريقة التي أصبحت بها العديد من الخدمات تعتمد بشكل متزايد على الوسائل الرقمية، وهو ما قد يجعل الوصول إليها أكثر صعوبة بالنسبة لبعض الفئات.

وتشير الجهات المشتكية إلى أن بلجيكا مطالبة بضمان وجود وسائل مختلفة للوصول إلى الخدمات العامة، والخدمات الخاصة الأساسية، والخدمات الاجتماعية.

ويشمل ذلك الحفاظ على مكاتب الاستقبال والشبابيك، والخدمات الهاتفية، وإمكانية التواصل عبر البريد، بحيث لا تصبح أي معاملة أساسية متاحة من خلال الإنترنت فقط.

الصحة والسكن والتعليم والعمل في قلب الجدل

وترى «Unia» أن آثار المشكلة تتجاوز مجرد صعوبة استخدام موقع إلكتروني أو تطبيق على الهاتف.

وقال مدير الهيئة باتريك شارلييه إن المنظمة تتلقى شهادات عديدة حول حالات لا تزال فيها الرقمنة تخلق مشكلات حقيقية أمام المواطنين.

وبحسبه، فإن القضية قد تمس القدرة على الوصول إلى حقوق وخدمات مرتبطة بـالصحة والسكن والتعليم والعمل والتنقل.

وتعتبر المنظمات الداعمة للشكوى أن بعض هذه الحالات يمكن أن تؤدي إلى أشكال من التمييز وعدم المساواة في المعاملة، خصوصًا عندما لا يتوفر بديل عملي عن الإجراء الرقمي.

من هم الأكثر تأثرًا؟

الانتقال إلى الخدمات الرقمية لا يؤثر بالطريقة نفسها على جميع السكان. فهناك أشخاص يستطيعون إنجاز معاملاتهم عبر الإنترنت بسهولة، بينما قد يواجه آخرون صعوبات أكبر بسبب العمر أو الإعاقة أو نقص المهارات الرقمية أو عدم توفر الوسائل التقنية المناسبة.

ولهذا تطالب الجهات التي تقف وراء الشكوى بالحفاظ على قنوات تقليدية للوصول إلى الخدمات، بدل تحويل الرقمنة إلى الطريق الوحيد لإنجاز المعاملات الأساسية.

الفكرة الأساسية التي تطرحها هذه المنظمات هي أن تطوير الخدمات الرقمية لا ينبغي أن يؤدي إلى إغلاق الأبواب أمام الأشخاص الذين يحتاجون إلى وسيلة أخرى للتواصل مع الإدارة أو المؤسسات.

الحكومة ترد بإجراءات في القطاع المصرفي

في المقابل، أشار وزير حماية المستهلك وتكافؤ الفرص روب بيندرس إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للتعامل مع بعض جوانب هذه المشكلة.

ومن بين هذه الإجراءات تمديد الخدمة المصرفية الأساسية لمدة خمس سنوات إضافية، لتستمر حتى عام 2031.

وتوفر هذه الخدمة مجموعة من الخدمات المصرفية غير الرقمية، مع سقف للتكلفة السنوية لا يتجاوز 62.5 يورو.

وتشمل الخدمة بطاقة خصم، وإمكانية إجراء 24 عملية سحب نقدي سنويًا من أجهزة الصراف الآلي، إضافة إلى الحصول على كشوف الحسابات من الوكالة المصرفية أو عبر البريد.

خطة جديدة لضمان الحصول على الأموال النقدية

وأشار الوزير أيضًا إلى وضع خطة عمل تهدف إلى ضمان استمرار إمكانية الوصول إلى الأموال النقدية، في ظل تراجع الاعتماد على التعاملات النقدية واتساع نطاق الخدمات المصرفية الرقمية.

وبموجب الإجراءات المرتقبة، ستُلزم البنوك بتوفير عدد كافٍ من أجهزة الصراف الآلي، كما سيكون من الممكن سحب الأموال النقدية من بعض المتاجر.

ولا تتعلق الخطة بعدد أجهزة الصراف فقط، إذ تتضمن أيضًا جعل هذه الأجهزة أكثر سهولة في الاستخدام بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن.

رقابة على تطبيق القواعد الجديدة

ومن المنتظر أن تخضع عملية تطبيق هذه القواعد للرقابة، بما يسمح بالتحقق من احترام المؤسسات للمتطلبات الجديدة المتعلقة بإمكانية الوصول إلى الخدمات والأموال النقدية.

ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه الخدمات في بلجيكا، كما هو الحال في العديد من الدول الأوروبية، نحو مزيد من الرقمنة، سواء في الإدارات أو البنوك أو الخدمات الخاصة.

هل تحتاج بلجيكا إلى إبقاء الباب مفتوحًا أمام الجميع؟

تسلط هذه الشكوى الضوء على أحد التحديات التي ترافق التحول الرقمي: كيف يمكن تطوير الخدمات الإلكترونية من دون أن يجد الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في استخدامها أنفسهم محرومين من خدمات أساسية؟

فالمنظمات التي قدمت الشكوى ترى أن وجود بدائل مثل الهاتف والمراسلات ومكاتب الاستقبال يظل ضروريًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بخدمات تمس حقوقًا أساسية.

وفي المقابل، تشير الحكومة إلى إجراءات اتخذتها للحفاظ على بعض الخدمات غير الرقمية، ولا سيما في المجال المصرفي والوصول إلى الأموال النقدية.

ويبقى الملف الآن أمام اللجنة الأوروبية للحقوق الاجتماعية، في قضية تضع التحول الرقمي في بلجيكا أمام سؤال أساسي: كيف يمكن ضمان أن تجعل الرقمنة الخدمات أسهل وأسرع، بدل أن تصبح عائقًا أمام من لا يستطيعون مواكبتها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!