التدخين والخصوبة في بلجيكا.. كيف يؤثر على فرص الحمل لدى الرجال والنساء؟
بلجيكا 24- عندما يقرر الزوجان إنجاب طفل، غالبًا ما ينصب الاهتمام على الاستعدادات الطبية والغذائية والنفسية، لكن هناك عاملًا آخر لا يقل أهمية: التدخين.
فبحسب منظمة الصحة العالمية، يؤثر التدخين بشكل واضح في الخصوبة لدى النساء والرجال على حد سواء، وقد يقلل فرص الحمل ويرفع مخاطر بعض مضاعفات الحمل. ولا يقتصر الأمر على المدخن نفسه، إذ يمكن أن يكون التدخين السلبي واستخدام بعض منتجات النيكوتين الحديثة، مثل السجائر الإلكترونية، عاملين مؤثرين أيضًا.
وتشير المنظمة إلى أن شخصًا واحدًا من بين كل ستة أشخاص في سن الإنجاب سيواجه مشكلة العقم خلال حياته، وفق خلاصة بحثية حديثة جمعت نتائج دراسات علمية أجريت بين عامي 2000 و2026.
كيف يؤثر التدخين على الخصوبة؟
تعرف منظمة الصحة العالمية العقم بأنه عدم القدرة على حدوث الحمل بعد مرور 12 شهرًا أو أكثر من العلاقات الجنسية المنتظمة من دون استخدام وسائل منع الحمل.
ويُعد التدخين أحد العوامل التي يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في هذه القدرة، إذ تؤكد الدراسات أن المواد السامة الموجودة في دخان السجائر لا تضر بالرئتين والقلب فقط، بل تؤثر في مختلف أعضاء الجسم ووظائفه، بما في ذلك الجهاز التناسلي.
وكانت الآثار الصحية للتدخين قد بدأت توثق علميًا منذ عقود. ففي عام 1964، أشارت دراسة أمريكية إلى علاقته بالسرطان وأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، كما لفتت إلى بعض المشكلات المرتبطة بالحمل، مثل انخفاض وزن المواليد والولادة المبكرة.
ومنذ ذلك الوقت، أكدت أبحاث عديدة المخاطر المرتبطة بالتدخين أثناء الحمل، وكشفت بشكل أوضح عن تأثيره في الخصوبة.
ويقول اختصاصي علاج الإدمان على التبغ مارسيال بودو من معهد بوردِيه التابع لمستشفى HUB إن الأبحاث تحدثت منذ سنوات عن تأثير التدخين على الخصوبة، لكن الجمهور ربما لم يدرك حجم هذا التأثير بالشكل الكافي.
التدخين في بلجيكا.. مشكلة صحية لا تزال قائمة
ورغم تراجع معدلات التدخين في بلجيكا، لا تزال هذه الظاهرة تُصنف باعتبارها تحديًا رئيسيًا للصحة العامة.
وبحسب بيانات معهد Sciensano، يمثل المدخنون نحو 17.6% من السكان في بلجيكا، بينهم قرابة 13% يدخنون يوميًا، وفق نتائج المسح الصحي بشأن استهلاك التبغ لعامي 2023 و2024.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن مشكلة العقم قد تطال، في بلجيكا، زوجًا واحدًا من بين كل ستة أزواج.
«كان أول شيء طلبوه مني»
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن النساء المدخنات يواجهن خطرًا أعلى بكثير للتعرض لمشكلات الخصوبة مقارنة بغير المدخنات، كما أن التدخين قد يقلل فرص نجاح تقنيات المساعدة الطبية على الإنجاب.
ومن بين النساء اللواتي يحاولن الابتعاد عن هذه المخاطر، شابة تبلغ من العمر 29 عامًا وتعاني من مرض بطانة الرحم المهاجرة (*الانتباذ البطاني الرحمي). وقد بدأت قبل عام رحلة طبية لتجميد بويضاتها.
لكنها تلقت منذ البداية توصية واضحة: التوقف الكامل عن التدخين.
وتقول إنها فوجئت عندما سألت الأطباء عما يمكنها فعله لتحسين جودة بويضاتها، إذ كان التوقف عن التدخين أول نصيحة تلقتها.
وتضيف أنها لم تكن تعرف قبل ذلك مدى تأثير التدخين في جودة البويضات وعددها، وكذلك فرص حدوث الحمل.
التدخين قد يخفض الخصوبة ويرفع خطر الإجهاض
وتؤكد الدكتورة كاثرين هوبا، مديرة عيادة الخصوبة في مستشفى إيراسم، أن التدخين يمكن أن يؤدي إلى تراجع كبير في الخصوبة، كما يرفع خطر الإجهاض.
وتشرح أن المواد السامة الموجودة في دخان السجائر تدخل إلى الدم عن طريق الاستنشاق، ومن هناك تنتشر في الجسم وتؤثر في الأعضاء التناسلية.
فهي قد تضر الحمض النووي للحيوانات المنوية والبويضات، وتؤثر في المادة الوراثية التي يمكن أن تنتقل إلى الجيل الجديد، كما تؤثر في عملية الأيض داخل هذه الخلايا وفي الأوعية الدموية التي تغذي الأعضاء التناسلية.
وبحسب الطبيبة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى اضطراب عمل الخصيتين والمبيضين، وهما المسؤولان عن إنتاج الحيوانات المنوية والهرمونات والبويضات.
كما يمكن أن يتأثر بطانة الرحم، وهي المكان الذي يستقر فيه الحمل، نتيجة ضعف تدفق الدم إليها، ما قد يجعل عملية انغراس الأجنة أقل نجاحًا.
ولا تتوقف المخاطر عند صعوبة حدوث الحمل، إذ يمكن أن يرتفع أيضًا احتمال الإجهاض والحمل خارج الرحم.
التأثير لا يقتصر على النساء
ولا تتحمل النساء وحدهن آثار التدخين على الخصوبة. فعند الرجال، يمكن أن يؤدي التدخين إلى تراجع جودة السائل المنوي، مع انخفاض عدد الحيوانات المنوية وضعف حركتها.
كما يمكن أن يؤثر في الوظيفة الجنسية، بما في ذلك اضطرابات الانتصاب والقذف.
ويستشهد اختصاصي علاج الإدمان على التبغ مارسيال بودو بحالة أحد مرضاه الذي كان يعاني من ضعف الانتصاب، وقال له إن التدخين بدأ بالنسبة إليه في شبابه كنوع من إثبات الرجولة، لكنه أصبح لاحقًا أحد الأسباب التي دفعته إلى الرغبة في الإقلاع عنه.
وبالتالي، فإن الرغبة في الإنجاب لا تتعلق فقط بالمرأة، بل هي في النهاية قرار ومسؤولية مشتركة بين الزوجين.
إذا توقف الزوجان معًا.. ترتفع فرص الحمل
وتشدد منظمة الصحة العالمية أيضًا على أن التعرض للمواد السامة لا يحدث فقط من خلال التدخين المباشر، بل يمكن أن يحدث بصورة غير مباشرة نتيجة استنشاق دخان السجائر أو الهباء الناتج عن بعض منتجات التدخين.
وهذا يعني أن المرأة التي لا تدخن قد تتعرض للمخاطر إذا كان شريكها مدخنًا، وهو ما يجعلها مدخنة سلبية.
وتوصي الدكتورة كاثرين هوبا الأزواج الذين يواجهون صعوبة في حدوث الحمل بأن يتوقف الطرفان عن التدخين معًا، مؤكدة أن التخلص من التدخين لدى الزوجين يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في فرص حدوث الحمل.
ولا تتوقف آثار التدخين عند تأخر الحمل، إذ يمكن للجنين الذي يتعرض لدخان التبغ داخل الرحم أن يتأثر صحياً، كما قد تمتد بعض هذه التأثيرات إلى خصوبته في المستقبل.
الإقلاع عن التدخين يمكن أن يحسن الخصوبة
ورغم كل هذه المخاطر، لا يعني التدخين أن الأضرار أصبحت حتمية أو غير قابلة للعلاج. فالإقلاع عن التدخين يمكن أن يؤدي إلى التخلص من جزء كبير من آثاره السلبية على الخصوبة.
وتوضح الدكتورة هوبا أن الرجال قد يحتاجون إلى نحو ثلاثة أشهر قبل ملاحظة تحسن في الخصوبة بعد التوقف عن التدخين، بينما يمكن أن يظهر التحسن لدى النساء بشكل أسرع.
لكنها تحذر من أن بعض الأضرار قد تكون غير قابلة للعكس، خصوصًا إذا أدى التدخين إلى تلف الأوعية الدموية أو انخفاض مخزون المبيض.
وتشير إلى أن المرأة التي تدخن علبة سجائر يوميًا لمدة 20 عامًا قد تصل إلى سن انقطاع الطمث قبل الموعد المتوقع بنحو عامين، وبالتالي قد تنتهي فترة خصوبتها في وقت أبكر أيضًا.
هل يمكن استخدام بدائل النيكوتين أثناء محاولة الحمل؟
الإقلاع عن التدخين ليس سهلًا دائمًا، ولذلك قد يلجأ بعض الأشخاص إلى بدائل النيكوتين، مثل اللصقات الطبية، للمساعدة على التخلص من الاعتماد على السجائر.
وترى الدكتورة هوبا أن النيكوتين المستخدم في العلاج البديل لا يحمل التأثيرات نفسها المرتبطة بدخان السجائر، مؤكدة أن المشكلة الأكبر تكمن في المواد السامة العديدة التي تدخل الجسم عند حرق التبغ واستنشاق دخانه.
ويؤكد اختصاصي علاج الإدمان على التبغ مارسيال بودو وجود توافق طبي على أهمية استخدام العلاج المناسب عند الحاجة، مشيرًا إلى أن النيكوتين العلاجي عبر اللصقات يمثل خيارًا أقل ضررًا من الاستمرار في تدخين السجائر.
ويضيف أن تحديد الجرعات بشكل دقيق وتوفير الدعم المناسب يمكن أن يساعدا الشخص على الإقلاع بطريقة أكثر راحة وفعالية.
ماذا عن السجائر الإلكترونية وأكياس النيكوتين؟
ولا تقتصر المخاوف على السجائر التقليدية. فالسجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ غير المدخن وأكياس النيكوتين تثير بدورها تساؤلات حول تأثيرها في الخصوبة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن عدد الدراسات التي تبحث تحديدًا في العلاقة بين السجائر الإلكترونية والعقم لا يزال محدودًا مقارنة بالدراسات المتعلقة بالتدخين التقليدي.
لكن بعض المعطيات بدأت تظهر. ففي دراسة أجريت في الولايات المتحدة وشملت أكثر من 4500 امرأة، ارتبط الاستخدام السابق للسجائر الإلكترونية بانخفاض الخصوبة بنحو 20% مقارنة بالنساء اللواتي لم يستخدمنها من قبل.
السجائر الإلكترونية تنتشر بين الشباب
وتشير مؤسسة مكافحة السرطان في بلجيكا إلى أن استخدام السجائر الإلكترونية أكثر انتشارًا بين الفئة العمرية التي تتراوح أعمارها بين 15 و24 عامًا.
كما أظهرت أرقام لمنظمة الصحة العالمية نُشرت في مايو الماضي أن نحو 40 مليون مراهق تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا يدخنون، بينما يصل عدد مستخدمي السجائر الإلكترونية في هذه الفئة العمرية إلى نحو 15 مليونًا.
ويصف مارسيال بودو مدى ارتباط بعض الشباب بالسجائر الإلكترونية من خلال حالة مريضة تبلغ من العمر 18 عامًا، كانت تقول إنها تحتفظ بجهاز التدخين الإلكتروني بجوارها حتى أثناء النوم، وتتناوله بشكل شبه تلقائي فور الاستيقاظ إلى جانب هاتفها.
ويقول إنه فوجئ أيضًا بظهور أجهزة تدخين إلكترونية مدمجة داخل أغطية الهواتف المحمولة.
ومن بين الأشخاص الذين يعالجهم، هناك مرضى لا تتجاوز أعمار بعضهم 11 عامًا.
هل يمكن أن تكون السجائر الإلكترونية بوابة إلى التدخين؟
ويبدأ بعض المراهقين استخدام السجائر الإلكترونية رغم أنهم لم يدخنوا السجائر التقليدية من قبل. لكن تقريرًا لمؤسسة مكافحة السرطان يعود إلى سبتمبر 2023 حذر من أن التدخين الإلكتروني قد يشكل عاملًا مهمًا يدفع بعض الشباب لاحقًا نحو التدخين التقليدي.
وبذلك، فإن التأثيرات المحتملة للتدخين ومنتجات النيكوتين لا تبدأ فقط عندما يفكر الشخص في تكوين أسرة، بل قد تمتد جذورها إلى سنوات المراهقة.
أما بالنسبة لمن يخططون للإنجاب مستقبلًا، فالرسالة الصحية تبدو واضحة: الإقلاع عن التدخين قبل محاولة الحمل خطوة مهمة لحماية الخصوبة وزيادة فرص الإنجاب وتقليل المخاطر الصحية على الأم والطفل.
*معلومة عامة:
الانتباذ البطاني الرحمي أو داء البطانة الرحمية أو بُطانة الرَحِمي (اللاتينية: endometriosis) مرض حميد ولكن يسبب آلام مزمنة وشديدة، ويتمثل هذا المرض بوجود أنسجة شبيهة ببطانة الرحم خارج الرحم، حيث تنمو تلك البطانة على جانبي تجويف الرحم، لتمتد إلى قناتي فالوب ثم المبيضين، أو إلى عنق الرحم مسببة التهابات ثم التصاقات وآلاماً حوضية دورية، كذلك فإن هذه الأنسجة المهاجرة تسلك سلوك الغشاء المخاطي المبطن للرحم، فهي تستجيب للهرمونات التي يفرزها المبيض، في نهاية الدورة الشهرية تنخفض نسبة هذه الهرمونات في الدم مما يؤدي إلى إضمحلال الأنسجة المبطنة للرحم وخروجها على هيئة دم الدورة الشهرية، ولكن تلك الموجودة خارج الرحم فإنها تنتفخ في نفسها لأنها لا تجد طريقاً للخارج وقد تسبب إفرازات تؤدي بدورها إلى حدوث التصاقات داخل الحوض، كما قد تكوْن أكياساً مليئة بالدم وخاصة بالمبيض وتسمى ب«أكياس الشوكولاته». والإندومتريوزيس مرض يتطور بمرور الوقت وقد يعاود الحدوث بعد العلاج القصير ولهذا يجب معالجته بطريقة حيوية وفعالة وفي الوقت المناسب.
