بلجيكا 24- تشهد بلجيكا، وخصوصًا منطقة فلاندرز، تصاعدًا ملحوظًا في تكاليف الإقامة داخل دور رعاية المسنين، في وقت أصبحت فيه قيمة المعاشات التقاعدية غير قادرة على تغطية هذه النفقات المتزايدة. ويثير هذا الوضع مخاوف متنامية لدى منظمات كبار السن التي تحذر من أزمة اجتماعية قد تتفاقم خلال السنوات المقبلة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات جادة لدعم المتقاعدين.
وبحسب الأرقام الحديثة، يبلغ متوسط تكلفة الإقامة الشهرية في دور رعاية المسنين في فلاندرز نحو 2359 يورو، بينما لا يتجاوز متوسط المعاش التقاعدي الشهري حوالي 1787 يورو فقط، ما يعني وجود فجوة مالية تصل إلى 572 يورو شهريًا يتحملها كبار السن أو عائلاتهم.
وترى منظمة “أوكرا” المعنية بالدفاع عن حقوق كبار السن في فلاندرز أن هذه الفجوة تتوسع عامًا بعد عام، وهو ما ينذر بمشكلات اجتماعية واقتصادية خطيرة مع تزايد أعداد المسنين في المجتمع البلجيكي.
وتشمل هذه الأرقام جميع أنواع دور الرعاية سواء كانت خاصة ربحية أو غير ربحية أو ممولة من القطاع العام. ووفق البيانات المتوفرة، تُعد دار “Belle Epoque” في مدينة كنّوكه الأغلى في فلاندرز، حيث تصل تكلفتها الشهرية إلى نحو 4980 يورو، بينما تُعتبر دار “Sint-Jozef” في مدينة أنتويرب الأقل تكلفة، إذ تبلغ رسومها الشهرية حوالي 1362 يورو.
لكن الرسوم الأساسية للإقامة لا تعكس دائمًا التكلفة الحقيقية الكاملة التي يتحملها المسنون، إذ توجد نفقات إضافية غالبًا ما تكون مرتفعة وتشمل الأدوية والملابس وخدمات الغسيل وأحيانًا اشتراكات التلفزيون والإنترنت وغيرها من المصاريف اليومية.
ويؤكد رئيس مجلس إدارة منظمة “أوكرا”، هيرمان فونك، أن المقيمين في دور الرعاية لا ينبغي أن يضطروا إلى إنفاق أكثر من 75% من قيمة معاشهم الشهري على تكاليف الرعاية. وأضاف أن النظام الحالي يضع الكثير من كبار السن في وضع مالي هش، خصوصًا أولئك الذين لا يملكون مدخرات أو أصولًا إضافية.
وفي المقابل، توجد بعض المساعدات الحكومية التي قد تخفف جزءًا من العبء المالي، حيث يحق لكل مقيم في دور الرعاية داخل فلاندرز الحصول على ما يسمى “ميزانية الرعاية”، والتي تتراوح قيمتها بين 140 و800 يورو شهريًا بحسب مستوى الرعاية الصحية المطلوبة وحالة الشخص.
ورغم ذلك، يحذر المختصون من أن هذه المساعدات وحدها ليست كافية لمواجهة الارتفاع المستمر في التكاليف، وهو ما يدفع السلطات والخبراء إلى تشجيع المواطنين على الادخار المبكر للتقاعد.
الصحفي والكاتب البلجيكي إيوال بيرونيه، الذي شارك في تأليف كتاب حول التخطيط للتقاعد بالتعاون مع المراسل الاقتصادي لمايكل فان دروكنبروك، أوضح أن أغلب المتقاعدين في بلجيكا يحصلون على معاش يعادل تقريبًا نصف آخر راتب صافٍ كانوا يتقاضونه أثناء العمل.
وأشار إلى أن هذا الانخفاض الحاد في الدخل بعد التقاعد يعني أن الحفاظ على نفس مستوى المعيشة يتطلب وجود مدخرات مسبقة أو مصادر دخل إضافية.
كما لفت بيرونيه إلى أن الكثيرين يعتقدون أن بيع المنزل يمكن أن يغطي تكاليف الإقامة في دور الرعاية، لكن هذا الأمر ليس ممكنًا دائمًا. ففي حالات كثيرة يستمر أحد الزوجين في الإقامة داخل المنزل، ما يمنع تحويل العقار إلى سيولة مالية تساعد في دفع التكاليف.
من جهة أخرى، أثارت منظمة “أوكرا” مسألة جودة الرعاية داخل بعض المؤسسات، مؤكدة أن ارتفاع الرسوم لا يعني بالضرورة تقديم خدمات أفضل. وترى المنظمة أن جودة الرعاية تعتمد بشكل أساسي على عدد مقدمي الرعاية والموظفين المتواجدين لخدمة المقيمين.
ويبلغ متوسط عدد الموظفين في دور الرعاية بفلاندرز حوالي 44 موظفًا لكل 100 مقيم، إلا أن الفوارق كبيرة بين مؤسسة وأخرى، حيث ينخفض العدد أحيانًا إلى 10 موظفين فقط لكل 100 مقيم، بينما يرتفع في مؤسسات أخرى إلى 90 موظفًا.
والمثير للانتباه، بحسب المنظمة، أن دور الرعاية الخاصة الهادفة للربح، والتي تُعتبر غالبًا الأعلى تكلفة، تضم في المتوسط عددًا أقل من مقدمي الرعاية مقارنة بالمؤسسات غير الربحية أو العامة.
وأكد هيرمان فونك أن هناك 52 دار رعاية في فلاندرز لا تلتزم حتى بالحد الأدنى المطلوب، والمتمثل في وجود مقدم رعاية واحد لكل 10 مقيمين. وأضاف أن ما يقارب ثلاثة أرباع هذه المؤسسات هي دور رعاية ربحية.
ويعيد هذا الجدل فتح النقاش مجددًا في بلجيكا حول مستقبل نظام التقاعد والرعاية الصحية لكبار السن، خاصة في ظل ارتفاع متوسط الأعمار وتزايد الضغوط على القطاع الصحي والاجتماعي. كما تتصاعد المطالب بضرورة فرض رقابة أكبر على أسعار دور الرعاية وتحسين ظروف العاملين فيها وزيادة الدعم الحكومي للمتقاعدين.
ويرى مراقبون أن السنوات المقبلة قد تشهد تغييرات واسعة في سياسات التقاعد والرعاية طويلة الأمد، خصوصًا إذا استمرت تكاليف المعيشة والخدمات الصحية في الارتفاع بوتيرة أسرع من زيادة المعاشات التقاعدية.
