دليل استخدام الطرق السريعة في أوروبا.. أين تسير مجانًا وأين تدفع الرسوم؟
بلجيكا 24- مع بداية موسم العطلات الصيفية، يتجه آلاف المقيمين في بلجيكا إلى السفر بالسيارة نحو الدول الأوروبية المجاورة، وهو خيار يمنح حرية أكبر في التنقل، لكنه يفرض في المقابل تكاليف إضافية تختلف من دولة إلى أخرى. فإلى جانب أسعار الوقود أو شحن السيارات الكهربائية، يجد السائق نفسه أمام أنظمة متنوعة لتمويل الطرق السريعة، إذ تعتمد بعض الدول المرور المجاني، بينما تفرض أخرى رسوماً عند استخدام الطرق، في حين تلجأ دول أخرى إلى نظام “الملصق الطرقي” الذي يمنح حق استخدام شبكة الطرق لفترة زمنية محددة.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في بلجيكا بعد إعلان حكومة والونيا الجديدة نيتها دراسة فرض ملصق خاص لاستخدام الطرق السريعة في الإقليم، بهدف مساهمة عشرات الآلاف من المركبات الأجنبية التي تعبر شبكة الطرق الوالونية سنوياً في تحمل جزء من تكاليف صيانتها وتطويرها.
لكن كيف تموّل الدول الأوروبية طرقها السريعة؟ وما الفرق بين الرسوم المباشرة والملصق الطرقي؟ وأي نظام يحقق التوازن بين مصلحة السائق وتمويل البنية التحتية؟
ثلاثة نماذج رئيسية لتمويل الطرق السريعة
تختلف آليات تمويل الطرق في أوروبا من دولة إلى أخرى، ولا يوجد نموذج موحد يمكن تطبيقه على جميع الدول. فلكل دولة ظروفها الاقتصادية والجغرافية، كما أن بعض الدول تجمع بين أكثر من نظام في الوقت نفسه.
بشكل عام، تعتمد أوروبا ثلاثة نماذج رئيسية:
- الطرق السريعة المجانية.
- الرسوم التي تُدفع عند المرور عبر الطريق السريع.
- الملصق الطرقي (Vignette) الذي يتيح استخدام شبكة الطرق لفترة زمنية محددة مقابل مبلغ ثابت.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول تطبق أنظمة مختلطة. فإسبانيا، على سبيل المثال، جعلت معظم طرقها السريعة مجانية خلال السنوات الأخيرة، بعد أن كانت تعتمد سابقاً على عدد كبير من الطرق المدفوعة، إلا أن بعض المقاطع لا تزال خاضعة للرسوم.
كما يجب عدم الخلط بين الملصق الطرقي وبين المناطق منخفضة الانبعاثات (LEZ) الموجودة في عدد من المدن الأوروبية مثل بروكسل وبرلين، إذ تتطلب هذه المناطق أحياناً تسجيل السيارة أو شراء تصريح خاص يسمح بدخولها، وهو نظام يختلف عن تمويل الطرق السريعة.
الدول التي تسمح باستخدام الطرق السريعة مجاناً
لا تزال مجموعة من الدول الأوروبية تتيح استخدام الطرق السريعة دون فرض رسوم مباشرة على السيارات الخاصة، مع وجود بعض الاستثناءات المحدودة مثل عبور بعض الجسور أو الأنفاق.
وتضم هذه القائمة:
- بلجيكا.
- لوكسمبورغ.
- هولندا.
- ألمانيا.
- إسبانيا (في معظم الطرق).
- المملكة المتحدة.
- الدنمارك.
- السويد.
- فنلندا.
- لاتفيا.
- ليتوانيا.
- إستونيا.
- قبرص.
وفي هذه الدول، لا يحتاج السائق إلى دفع رسوم خاصة عند استخدام الطرق السريعة، إذ يتم تمويل عمليات الصيانة والتطوير بشكل رئيسي من الميزانيات العامة والإيرادات الضريبية المختلفة.
دول تعتمد نظام الملصق الطرقي
اختارت دول أوروبية أخرى تطبيق نظام الملصق الطرقي، وهو عبارة عن رسم ثابت يمنح السائق حق استخدام شبكة الطرق السريعة لفترة زمنية محددة، سواء كانت عدة أيام أو شهراً أو سنة كاملة.
ومن أبرز الدول التي تطبق هذا النظام:
- سويسرا.
- النمسا.
- المجر.
- رومانيا.
- التشيك.
- سلوفاكيا.
- سلوفينيا.
- بلغاريا.
وتستخدم بعض هذه الدول ملصقات إلكترونية بدلاً من الملصقات التقليدية التي كانت تُثبت على الزجاج الأمامي للسيارة، حيث يتم تسجيل رقم المركبة إلكترونياً، ويُعاقب السائق الذي يستخدم الطرق دون شراء الملصق بغرامات مالية قد تكون مرتفعة.
ماذا عن بلجيكا؟
حتى الآن، لا تفرض بلجيكا أي رسوم أو ملصقات على السيارات الخاصة لاستخدام الطرق السريعة، إلا أن المقترح الذي أعلنته حكومة والونيا قد يفتح الباب أمام تغيير هذا الواقع خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا رأت السلطات أن النظام الجديد سيساهم في إشراك المركبات الأجنبية في تمويل البنية التحتية التي تستخدمها بشكل يومي.
دول أوروبية تفرض رسوماً مباشرة على الطرق السريعة
في المقابل، تعتمد مجموعة أخرى من الدول الأوروبية نظام الرسوم المباشرة، حيث يدفع السائق مقابلاً مالياً عند استخدام أجزاء من شبكة الطرق السريعة. ويختلف مقدار هذه الرسوم من دولة إلى أخرى، كما تختلف طريقة تحصيلها بحسب طول الرحلة أو نوع الطريق أو فئة المركبة.
ومن أبرز الدول التي تطبق هذا النظام:
- فرنسا.
- إيطاليا.
- البرتغال.
- اليونان.
- كرواتيا.
- إيرلندا.
- بولندا.
- النرويج.
وفي العديد من هذه الدول أصبحت عملية الدفع أكثر سهولة بفضل أنظمة الدفع الإلكتروني وأجهزة العبور التلقائي، حيث يمكن للسائق المرور عبر بوابات الرسوم دون الحاجة إلى التوقف، بينما تُسجل الرسوم تلقائياً في حسابه.
لماذا تحتاج الطرق السريعة إلى كل هذه الأموال؟
قد يعتقد البعض أن بناء الطريق السريع هو التكلفة الوحيدة التي تتحملها الحكومات، لكن الواقع مختلف تماماً. فالطرق السريعة تحتاج إلى استثمارات مستمرة للحفاظ على سلامتها وجودتها، وهو ما يجعلها من أكثر مشاريع البنية التحتية كلفة.
وتشمل هذه النفقات أعمال الصيانة الدورية، وإعادة تعبيد الطرق، وصيانة الجسور والأنفاق، وتشغيل الإنارة، والعناية بمحطات الاستراحة، وتجديد اللوحات الإرشادية، إضافة إلى إنشاء مقاطع جديدة عند الحاجة.
ولهذا السبب تبحث الحكومات باستمرار عن مصادر تمويل مستقرة تضمن استمرار هذه الأعمال دون التأثير على جودة شبكة الطرق.
كيف تُدار الطرق السريعة في والونيا؟
في إقليم والونيا تتولى شركة SOFICO، بالتعاون مع دائرة الخدمات العامة في والونيا، مسؤولية إدارة وتمويل وصيانة الطرق السريعة والطرق الوطنية الرئيسية.
وتعتمد الشركة في جزء مهم من مواردها على الرسوم الكيلومترية المفروضة على الشاحنات الثقيلة، وهي إيرادات تُستخدم للمساهمة في تمويل مشاريع الصيانة والتطوير.
وتشرف SOFICO على شبكة طرق يبلغ طولها نحو 2700 كيلومتر، تضم ما يقارب 886 كيلومتراً من الطرق السريعة، وأكثر من 1450 كيلومتراً من الطرق الوطنية الرئيسية، إضافة إلى مئات الكيلومترات من التقاطعات والمنشآت المرتبطة بها، بينما تتولى البلديات إدارة بقية الطرق المحلية.
استثمارات بمئات ملايين اليورو سنوياً
تظهر الأرقام حجم الإنفاق الكبير المطلوب للحفاظ على شبكة الطرق في والونيا. فقد استثمرت SOFICO خلال عام 2022 أكثر من 250 مليون يورو في مشاريع الصيانة والتحديث.
وشملت هذه الاستثمارات أعمال الصيانة اليومية، والخدمة الشتوية وإزالة الثلوج، وصيانة الأنظمة الكهربائية والإلكترونية، والإنارة، والأنفاق، إضافة إلى إعادة تأهيل عدد من الطرق والجسور والطرق السريعة.
ولا تقتصر هذه النفقات على الطرق السريعة وحدها، بل تشمل أيضاً جزءاً كبيراً من شبكة الطرق الوطنية التي تقع تحت مسؤولية الشركة.
أما في إسبانيا، فقد قدرت إحدى الجمعيات المتخصصة في صيانة البنية التحتية أن متوسط تكلفة صيانة الكيلومتر الواحد من الطرق السريعة يبلغ نحو 80 ألف يورو سنوياً، وهو رقم يعكس حجم الموارد المالية المطلوبة للحفاظ على هذه الشبكات.
من أين تأتي أموال تمويل الطرق؟
لا تعتمد الحكومات الأوروبية على مصدر واحد لتمويل الطرق، بل تستخدم مجموعة من الإيرادات التي ترتبط بامتلاك السيارة أو استخدامها.
ومن أبرز هذه المصادر:
- ضريبة تسجيل المركبة عند شرائها.
- ضريبة السير السنوية.
- الرسوم الكيلومترية المفروضة على الشاحنات الثقيلة في بعض الدول.
- رسوم استخدام الطرق أو الملصقات المرورية.
- الضرائب المفروضة على الوقود.
- الرسوم المرتبطة بشحن السيارات الكهربائية في بعض الحالات.
كما تختلف قيمة الضرائب من دولة إلى أخرى، وقد تعتمد على عدة عوامل مثل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وعمر السيارة، وسعة المحرك، ونوع الوقود، ووزن المركبة، وحتى مستوى استهلاكها للطاقة.
أي نظام أكثر عدالة؟
يثير تمويل الطرق السريعة نقاشاً مستمراً في مختلف الدول الأوروبية، لأن كل نظام يحقق مزايا معينة لكنه يحمل في الوقت نفسه سلبيات لا يمكن تجاهلها.
فالطرق المجانية تضمن سهولة التنقل لجميع السائقين، لكنها تعتمد بشكل كبير على أموال دافعي الضرائب، حتى أولئك الذين لا يستخدمون الطرق السريعة إلا نادراً.
أما الرسوم المباشرة، فتجعل المستخدم هو من يتحمل التكلفة الفعلية لاستخدام الطريق، لكنها قد تشكل عبئاً مالياً على أصحاب الدخل المحدود أو الأشخاص الذين يضطرون إلى السفر يومياً لمسافات طويلة.
في حين يُعد نظام الملصق الطرقي حلاً وسطاً، إذ يدفع السائق مبلغاً ثابتاً مقابل استخدام الشبكة لفترة معينة، لكنه قد يبدو غير عادل لمن يستخدم الطرق السريعة مرات قليلة فقط خلال السنة.
مزايا وعيوب الطرق السريعة المجانية
يرى خبراء الاقتصاد أن مجانية استخدام الطرق السريعة تمنح جميع السائقين فرصة التنقل دون تحمل رسوم إضافية، وهو ما يسهل حركة الأفراد والبضائع ويعزز النشاط الاقتصادي.
لكن هذا النظام لا يخلو من التحديات، إذ يعتمد تمويل الصيانة بالكامل تقريباً على الميزانية العامة، ما يعني أن جميع دافعي الضرائب يساهمون في تمويل الطرق، حتى وإن كانوا لا يستخدمونها إلا نادراً. كما أن الاعتماد على الأموال العامة قد يؤدي في بعض الأحيان إلى تأجيل مشاريع الصيانة أو التوسعة إذا كانت الموارد المالية محدودة.
ماذا توفر رسوم الطرق السريعة؟
أما نظام الرسوم المباشرة فيقوم على مبدأ بسيط، وهو أن المستخدم يدفع مقابل استخدامه للطريق. ويعتبر هذا النظام أكثر ارتباطاً بالاستهلاك الفعلي للبنية التحتية، كما يوفر للحكومات دخلاً مخصصاً لصيانة الطرق وتطويرها.
ومن أبرز مزاياه أيضاً مساهمة السائقين الأجانب في تمويل الشبكة، وهو أحد الأسباب التي تدفع بعض الحكومات إلى التفكير في تطبيقه.
في المقابل، قد تتحول الرسوم إلى عبء مالي على الأشخاص الذين يستخدمون الطرق السريعة بشكل يومي، كما قد تدفع بعض السائقين إلى تجنب الطرق المدفوعة واستخدام الطرق المحلية، الأمر الذي يزيد الضغط على الشبكات الثانوية ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف صيانتها.
هل يمثل الملصق الطرقي حلاً وسطاً؟
يعتبر كثير من الخبراء أن نظام الملصق الطرقي يجمع بين ميزات النظامين السابقين. فالسائق يدفع مبلغاً ثابتاً يمنحه حق استخدام الطرق السريعة لفترة محددة دون الحاجة إلى التوقف عند بوابات الرسوم.
كما يوفر هذا النظام دخلاً مستقراً يمكن للحكومات الاعتماد عليه في تمويل أعمال الصيانة والتحديث، فضلاً عن سهولة تطبيقه مقارنة بأنظمة الرسوم التقليدية.
ورغم ذلك، يرى منتقدوه أنه لا يراعي حجم استخدام الطريق، إذ يدفع الشخص الذي يستخدم الطريق مرة واحدة تقريباً المبلغ نفسه الذي يدفعه سائق يعتمد على الطرق السريعة بشكل يومي طوال مدة صلاحية الملصق.
النقاش لا يتعلق بالطرق فقط
يشير الباحث في المالية العامة ماكسيم فونتين إلى أن النقاش حول تمويل الطرق السريعة يتجاوز مجرد اختيار طريقة الدفع، إذ يرتبط بقضايا أوسع تشمل الاقتصاد والصحة والبيئة وسياسات النقل.
فمن جهة، تؤدي حركة السيارات إلى تكاليف غير مباشرة مثل التلوث والضوضاء والحوادث وتأثيراتها الصحية، وهي أعباء تتحملها الدولة والمجتمع.
ومن جهة أخرى، تساهم الطرق السريعة في تنشيط الاقتصاد، وتسهيل حركة التجارة، وربط المدن والمناطق الصناعية، وهو ما ينعكس في النهاية على الإيرادات الضريبية وفرص العمل.
ويطرح الخبراء أيضاً تساؤلات حول مدى الحاجة إلى الاستمرار في بناء طرق جديدة أو توسيع الطرق الحالية، أم أن توجيه جزء من هذه الأموال نحو وسائل النقل العام، وخاصة السكك الحديدية، قد يكون أكثر فاعلية على المدى الطويل.
أي نظام هو الأفضل؟
لا توجد إجابة واحدة تناسب جميع الدول، لأن اختيار نظام تمويل الطرق السريعة يعتمد على أولويات كل حكومة، وحجم شبكة الطرق، وطبيعة حركة المرور، والسياسة الاقتصادية المتبعة.
فالطرق المجانية تعكس فكرة اعتبار الطرق خدمة عامة متاحة للجميع، في حين يقوم نظام الرسوم على مبدأ أن المستخدم هو من يتحمل تكلفة الخدمة التي يستفيد منها. أما الملصق الطرقي فيمثل حلاً وسطاً، إذ يجمع بين مساهمة المستخدم في التمويل وبين الحفاظ على سهولة الوصول إلى شبكة الطرق.
ويرى الباحث ماكسيم فونتين أن المشكلتين الأبرز حالياً في عدد من الدول الأوروبية تتمثلان في تراجع حالة بعض الطرق، وعدم مساهمة عدد كبير من السائقين الأجانب في تكاليف صيانتها.
وبحسب رأيه، فإن فرض رسوم مباشرة أو اعتماد نظام الملصق قد يساعد في معالجة هاتين المشكلتين، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق تفاوتاً في إمكانية الوصول إلى الطرق السريعة، وهو أمر لا تعاني منه الدول التي تعتمد حالياً نظام الاستخدام المجاني.
هل تتغير القواعد في بلجيكا؟
حتى الآن، لا تزال الطرق السريعة في بلجيكا مجانية بالنسبة للسيارات الخاصة، لكن إعلان حكومة والونيا نيتها دراسة تطبيق ملصق طرقي يعكس توجهاً جديداً قد يفتح نقاشاً واسعاً خلال الأشهر المقبلة.
وفي حال اعتماد هذا النظام، ستنضم والونيا إلى عدد من الدول الأوروبية التي تطلب من مستخدمي الطرق المساهمة بشكل مباشر في تمويل صيانتها، بينما يبقى القرار النهائي رهناً بالنقاشات السياسية والدراسات الاقتصادية التي ستحدد مدى جدواه وتأثيره على المواطنين والمقيمين والزوار.
المصدر: rtbf
