تحقيقات وتقارير

تحقيق صادم عن السجائر المهربة.. هل تستفيد شركات التبغ من السوق السوداء؟

بلجيكا 24- من بائع متجول في الشارع إلى مصنع سري ثم إلى شبكة تمتد عبر الحدود الأوروبية.. هكذا يرسم تحقيق تلفزيوني فرنسي خريطة تجارة السجائر غير المشروعة، في ملف يضع شركات التبغ الكبرى أمام أسئلة صعبة حول حجم السوق السوداء ودورها المحتمل في تغذيتها.

برنامج #Investigation المذاع على قناة rtbf تابع مسارات السجائر المهربة، من البيع غير القانوني في الشوارع إلى المصانع السرية، مرورًا بالموانئ وعمليات شراء السجائر في دول أخرى، وركز بشكل خاص على دور الشركات الكبرى في صناعة التبغ.

ويعرض التحقيق اتهامات وشهادات مثيرة للجدل، بعضها يتعلق بمنهجية قياس حجم السوق غير القانونية، وبعضها الآخر بادعاءات حول ممارسات شركات التبغ. وهذه الاتهامات تنفيها الشركات المعنية، لذلك يجب التمييز بينها وبين الوقائع التي تثبتها الجهات الرسمية.

38% من السجائر في بلجيكا؟ الرقم الذي أثار الجدل

من أبرز الأرقام التي يسلط التحقيق الضوء عليها تقديرات شركة KPMG بشأن حجم سوق السجائر التي لا تخضع للضرائب المحلية.

وبحسب تقرير KPMG الذي نشرته شركة Philip Morris، فإن 38% من السجائر المستهلكة في بلجيكا عام 2025 لم تخضع للضرائب البلجيكية، مع وصول حجم السجائر التي لا تحمل الطابع الضريبي البلجيكي إلى نحو 3.17 مليارات سيجارة.

وتقدم Philip Morris هذه الأرقام باعتبارها مؤشرًا على اتساع التجارة غير المشروعة، وتربط ارتفاعها بالأسعار والسياسات الضريبية التي تدفع بعض المدخنين، بحسب الشركة، إلى البحث عن منتجات أرخص.

لكن التحقيق يطرح سؤالًا آخر: هل يمكن اعتبار هذه الأرقام مقياسًا محايدًا لحجم التهريب؟

دراسة KPMG تحت المجهر

تكمن إحدى النقاط الأساسية في التحقيق في أن تقارير KPMG التي تستشهد بها صناعة التبغ يتم تمويلها من شركة Philip Morris.

وتوضح KPMG في التقرير نفسه طبيعة العلاقة التعاقدية والتمويلية مع الشركة، وهو ما يدفع بعض الباحثين إلى التعامل بحذر مع النتائج عند استخدامها لتحديد حجم السوق غير القانونية.

ويشير الباحث الفرنسي في اقتصاديات الصحة كريستيان بن لخضر إلى أن بعض منهجيات قياس السوق غير المشروعة، ومنها جمع علب السجائر التي يتم العثور عليها في الشوارع، قد تؤدي إلى نتائج تختلف عن الدراسات المبنية على بيانات الاستهلاك والضرائب والإمدادات.

الأرقام الرسمية الفرنسية تقول شيئًا مختلفًا

عند مقارنة هذه التقديرات بدراسة رسمية مستقلة، تظهر فروق كبيرة.

فقد نشرت الإدارة العامة للجمارك والحقوق غير المباشرة في فرنسا، بالتعاون مع MILDECA، دراسة مستقلة تحت اسم TAFE لقياس كمية منتجات التبغ التي لا تخضع للضريبة الوطنية.

وخلصت الدراسة إلى أن حوالي 17.7% من التبغ المستهلك في فرنسا عام 2023 لم يخضع للضرائب الوطنية، أي ما يعادل متوسطًا قدره نحو 8,081 طنًا، مع خسائر ضريبية تقدر بحوالي 4.3 مليارات يورو.

وتؤكد الجمارك الفرنسية أن هذه النسبة تشمل أشكالًا مختلفة من الحصول على التبغ خارج الشبكة القانونية، وليس التهريب والتزوير وحدهما.

المشتريات عبر الحدود هي الجزء الأكبر

وتظهر دراسة TAFE أن المشتريات عبر الحدود تمثل الجزء الأكبر من منتجات التبغ التي لا تدخل ضمن النظام الضريبي الفرنسي.

وتقدر الدراسة حجم المشتريات عبر الحدود بحوالي 6,863 طنًا، مقابل كميات أقل بكثير مرتبطة بالشراء من الشارع أو من مصادر أخرى.

وهنا تظهر أهمية الدول التي تتمتع بأسعار مختلفة للتبغ مقارنة بجيرانها، إذ يستطيع المستهلكون شراء السجائر بصورة قانونية في الخارج ضمن القواعد المسموح بها، ثم إدخالها إلى بلدهم.

لكن بعض عمليات الشراء عبر الحدود يمكن أن تتحول إلى مصدر لتغذية شبكات التهريب عندما تتجاوز الكميات والظروف الحدود القانونية، وهو ما أشارت إليه الجمارك الفرنسية صراحة في تقييمها للسوق غير القانونية.

لوكسمبورغ في قلب حركة السجائر عبر الحدود

يتوقف التحقيق كذلك عند لوكسمبورغ، حيث تختلف أسعار منتجات التبغ عن عدد من الدول المجاورة، ما يجعل البلاد وجهة لعمليات شراء عبر الحدود.

وتستند هذه النقطة إلى ظاهرة المشتريات العابرة للحدود، وهي في حد ذاتها ليست بالضرورة غير قانونية عندما تتم ضمن القواعد والكميات المسموح بها.

لكن الفارق الكبير في الأسعار بين الدول يمكن أن يجعل السوق الحدودية جذابة للشبكات التي تسعى إلى إعادة توزيع المنتجات في أسواق أخرى خارج القنوات القانونية.

شركات التبغ.. ضحية أم جزء من المشكلة؟

السؤال الأكثر حساسية الذي يطرحه التحقيق يتعلق بشركات التبغ نفسها.

فالشركات الكبرى تؤكد أنها تخسر بسبب التهريب والتزوير، وأن المنتجات غير القانونية تضر بالسوق الرسمية وتحرم الحكومات من الإيرادات الضريبية.

لكن منتقدين يقولون إن الشركات تستفيد من استمرار بيع منتجاتها، سواء عبر القنوات القانونية أو من خلال الأسواق التي تعيد توزيع المنتجات عبر الحدود.

ويعرض التحقيق شهادات واتهامات سابقة تزعم أن بعض ممارسات الصناعة ساهمت في تغذية أسواق غير قانونية. هذه الادعاءات محل نفي من الشركات المعنية ولا تعني ثبوت ارتكاب مخالفات في كل حالة.

اتهامات قديمة ضد Philip Morris

ويعود التحقيق إلى قضية تعود إلى بداية الألفية، عندما اتهم الاتحاد الأوروبي شركة Philip Morris باتباع ممارسات مرتبطة بتهريب السجائر.

وفي عام 2004، توصلت الشركة والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق بلغت قيمته 1.25 مليار دولار على مدى 12 عامًا، وتضمن إجراءات لمكافحة تهريب منتجات التبغ وتحسين الرقابة على سلسلة التوريد. وتؤكد مصادر مستقلة أن الشركة نفت الاتهامات المتعلقة بتورطها في التهريب.

وتقول Philip Morris اليوم إنها تفرض رقابة واسعة على سلسلة توريد منتجاتها، وتنفي الاتهامات التي تتحدث عن تسهيل عمليات تهريب.

اتهامات جديدة مرتبطة بالجزائر

يتطرق التحقيق أيضًا إلى ادعاءات قدمها راؤول ستروك، وهو موزع سابق عمل مع Philip Morris لفترة طويلة.

وتتضمن روايته اتهامات خطيرة بشأن طريقة توزيع السجائر في بعض الأسواق، ومنها الجزائر، وادعاء أن زيادة الإنتاج كان من الممكن أن تسهم في وصول كميات كبيرة من السجائر إلى السوق الأوروبية عبر قنوات غير قانونية.

لكن هذه الاتهامات مرفوضة من Philip Morris، التي اعتبرت في تصريحات سابقة أن الهدف منها هو الإضرار بسمعة الشركة والسعي إلى الحصول على تسوية مالية.

كما أن وجود علاقة زمنية بين ارتفاع مصدر معين للسجائر المهربة وعمليات تجارية سابقة لا يثبت بمفرده وجود علاقة سببية أو تورط الشركة في التهريب.

ماذا تقول الوقائع الرسمية عن حجم السوق السوداء؟

تؤكد البيانات الرسمية أن سوق التبغ خارج النظام الضريبي موجود بالفعل وبحجم مهم، وأن السلطات الأوروبية والفرنسية تكثف عمليات مكافحة التهريب والتزوير.

وفي فرنسا، تؤكد الجمارك أن عمليات التهريب متنوعة وتشمل شبكات إجرامية عابرة للحدود، إلى جانب المشتريات عبر الحدود التي قد تتحول في بعض الحالات إلى قنوات لتزويد السوق غير القانونية.

كما تواصل الجمارك تنفيذ عمليات مصادرة كبيرة؛ ففي إحدى العمليات عام 2025 صادرت السلطات الفرنسية 500 كيلوغرام من السجائر المقلدة التي تحمل علامة Marlboro، في مثال على استمرار نشاط شبكات التزوير.

الخلاف الحقيقي حول الأرقام

المفارقة الأساسية في هذا الملف ليست وجود سوق غير قانونية من عدمه، فهذا أمر تؤكده السلطات، وإنما حجم هذه السوق وكيفية قياسها.

فهناك فرق واضح بين تقديرات صناعة التبغ المبنية على تقارير KPMG وبين الدراسة الرسمية الفرنسية TAFE، ويرتبط جزء من هذا الفرق باختلاف المنهجيات وما يتم احتسابه ضمن المنتجات غير الخاضعة للضريبة.

ولهذا فإن رقمًا مثل 38% في بلجيكا أو 53.6% في فرنسا، كما ورد في أحدث تقارير KPMG التي نشرتها Philip Morris، لا ينبغي تفسيره تلقائيًا على أنه يعني أن النسبة نفسها من السجائر مهربة أو مزورة؛ فتقرير الشركة يضم أيضًا مشتريات قانونية من خارج الشبكة الوطنية للضرائب.

الخاسر الأكبر.. الدولة والمدخنون

وراء هذه الأرقام توجد قضية أكبر من مجرد خسارة الشركات أو الحكومات للإيرادات.

فانتشار السجائر غير القانونية يعني وجود منتجات خارج القنوات الرقابية المعتادة، في حين تخسر الدول جزءًا من الإيرادات الضريبية التي تعتمد عليها في تمويل الخدمات العامة.

أما بالنسبة للمدخنين، فإن استمرار سوق السجائر الرخيصة وغير الخاضعة للرقابة يطرح أيضًا أسئلة صحية، خصوصًا أن التدخين نفسه يبقى أحد أبرز عوامل الخطر الصحية المرتبطة بالوفاة والأمراض المزمنة.

وهكذا يكشف التحقيق عن سوق معقدة تتداخل فيها الضرائب، والأسعار، والمشتريات عبر الحدود، والتزوير، والشبكات الإجرامية، ومصالح صناعة التبغ، بينما يبقى الجدل قائمًا حول الحجم الحقيقي لكل جزء من هذه السوق ودور الشركات الكبرى فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!