بلجيكا 24- يعيش آلاف الأشخاص داخل بلجيكا منذ سنوات طويلة، بعضهم منذ أكثر من عشرين وحتى ثلاثين عامًا، دون أي وضع قانوني واضح. هؤلاء لم يعبروا الحدود حديثًا، ولم يصلوا في موجات هجرة جديدة، بل أصبحوا جزءًا فعليًا من النسيج الاجتماعي، رغم بقائهم في الهامش القانوني.
ومع تصاعد النقاش الأوروبي حول الهجرة والتنظيم القانوني، تبرز في بلجيكا قضية شديدة الحساسية: ماذا عن المقيمين غير النظاميين الذين استقروا فعليًا في البلاد منذ عقود، ويعملون، ويدفعون الإيجارات، ويربّون أبناءهم، لكن دون أوراق؟
واقع إنساني معقّد
الحديث عن المقيمين دون أوراق في بلجيكا لا يتعلق بأرقام فقط، بل بحياة يومية مليئة بالهشاشة. غياب الوضع القانوني يحرم هؤلاء من أبسط الحقوق: العمل الرسمي، التغطية الصحية الكاملة، الحماية الاجتماعية، وحتى حرية التنقل دون خوف.
كثيرون منهم يعملون في قطاعات حيوية بشكل غير معلن، مثل التنظيف، البناء، المطاعم، والخدمات المنزلية، في ظروف صعبة، ودون أي ضمانات قانونية، ما يجعلهم عرضة للاستغلال.
تقنين الأوضاع: حل واقعي لا مغامرة سياسية
تقنين أوضاع المقيمين غير النظاميين لا يعني فتح باب الهجرة، بل الاعتراف بواقع قائم منذ سنوات. هؤلاء موجودون بالفعل داخل البلاد، وإبقاؤهم خارج الإطار القانوني لا يخدم لا الدولة ولا المجتمع.
منح تصاريح إقامة وعمل مشروطة، كما فعلت دول أوروبية أخرى إسبانيا على سبيل المثال، يمكن أن يحوّل هذه الفئة من عبء إداري وإنساني إلى مساهم فعلي في الاقتصاد الوطني.
إقرأ ايضًا: 👈 رسمياً.. إسبانيا تفتح أبوابها لنصف مليون مهاجر: مَن يحق له الحصول على الإقامة؟
مكاسب اقتصادية واجتماعية محتملة
تقنين الأوضاع يسمح بدمج آلاف العمال في سوق العمل الرسمي، ما يعني:
- زيادة مداخيل الضرائب والاشتراكات الاجتماعية
- تقليص الاقتصاد الموازي
- حماية العمال من الاستغلال
- تحسين ظروف العمل في قطاعات تعاني أصلًا من نقص اليد العاملة
- إنقاذ بلجيكا من شيخوخة المجتمع التي تهدد نظام المعاشات التقاعدية
كما يساهم هذا المسار في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، ويحدّ من التوترات الناتجة عن الإقصاء والتهميش.
بلجيكا أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية
بلجيكا، التي ترفع شعارات حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي. استمرار تجاهل وضع آلاف المقيمين دون أوراق يطرح تساؤلات حول التناقض بين الخطاب والممارسة.
تقنين الأوضاع، وفق معايير واضحة وإنسانية، يمكن أن يشكّل خطوة شجاعة نحو سياسة أكثر واقعية، تعترف بالإنسان قبل الملف، وبالاستقرار قبل الحسابات الضيقة.
الخلاصة
قضية المقيمين دون أوراق في بلجيكا لم تعد مسألة هامشية، بل ملفًا ملحًا يتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا. تقنين الأوضاع ليس مكافأة على المخالفة، بل تصحيح لوضع إنساني طال أمده، واستثمار في مجتمع أكثر تماسكًا وعدالة.

