تحقيقات وتقارير

إصلاحات تعليمية جديدة في بلجيكا.. ما الذي سيتغير فعليًا للمعلمين والطلاب؟

بلجيكا 24- في واحدة من أكثر الجلسات البرلمانية توتراً هذا العام، صادق برلمان اتحاد والونيا-بروكسل بعد نقاشات طويلة استمرت حتى ساعات الفجر الأولى على حزمة إصلاحات واسعة تمس قطاع التعليم بشكل مباشر، وسط اعتراضات قوية من المعلمين والنقابات وأولياء الأمور.

الإصلاحات الجديدة، التي أُدرجت ضمن ما يُعرف بـ«مرسوم البرنامج»، لا تُعتبر مجرد تعديلات إدارية عابرة، بل تمثل تحولاً كبيراً في طريقة تنظيم العمل داخل المدارس، خصوصاً بالنسبة لمعلمي المرحلة الثانوية. وبينما تؤكد الحكومة أن هذه الخطوات ضرورية لإنقاذ الميزانية العامة، يرى منتقدوها أن قطاع التعليم يدفع ثمن الأزمة المالية على حساب جودة التدريس واستقرار المعلمين.

أحد أبرز القرارات التي أثارت عاصفة من الجدل يتعلق بزيادة عدد الحصص الأسبوعية لمعلمي الصفوف العليا في التعليم الثانوي. فابتداءً من الموسم الدراسي المقبل، سيُطلب من المدرسين تقديم حصتين إضافيتين أسبوعياً من دون أي زيادة في الأجور، ما يعني رفع عبء العمل بنسبة تقارب 10 بالمئة.

وبحسب الحكومة، فإن الهدف من هذا الإجراء يتمثل في مواجهة النقص المتزايد في أعداد المعلمين داخل المدارس، إلى جانب تقليص العجز المالي الذي تعاني منه مؤسسات اتحاد والونيا-بروكسل. وتأمل السلطات في توفير نحو 500 مليون يورو بحلول عام 2029 عبر مجموعة من التدابير الجديدة.

وزيرة التعليم دافعت عن القرار معتبرة أن توحيد عدد الحصص الأسبوعية بين مختلف مراحل التعليم الثانوي أصبح أمراً ضرورياً، خاصة أن معلمي المرحلة الثانوية الدنيا يعملون بالفعل وفق نظام 22 حصة أسبوعياً.

لكن داخل المدارس، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فالكثير من المعلمين يعتبرون أن الإصلاح الجديد سيزيد الضغوط المهنية في قطاع يعاني أصلاً من نقص حاد في الموظفين وإرهاق متزايد بين العاملين.

النقابات التعليمية حذّرت بدورها من تداعيات قد تصل إلى فقدان وظائف، خصوصاً بالنسبة للمعلمين المؤقتين الذين يخشون أن يصبحوا أول المتضررين من إعادة تنظيم جداول التدريس داخل المدارس.

كما يخشى عدد من المدرسين من إجبارهم على التدريس في مراحل أو مواد لا تتوافق بالكامل مع خبراتهم الحالية، أو التنقل بين أكثر من مؤسسة تعليمية لإكمال عدد الساعات المطلوبة للحصول على راتب كامل.

وفي محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، أعلنت الحكومة عن بعض الاستثناءات المرتبطة بالإصلاح الجديد. فالمعلمون الجدد سيستفيدون من وقت إضافي للتحضير والتكوين المهني، بينما سيتم إعفاء جزء من المعلمين الذين تجاوزوا الستين عاماً من الأعباء التدريسية الكاملة، مع توجيههم نحو مهام دعم وتأطير داخل المدارس.

كما ستُطبق ترتيبات خاصة على التعليم المتخصص وبعض الدروس العملية التي يصعب إخضاعها للنظام الجديد بشكل كامل.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن زيادة عدد الحصص قد تساعد على سد جزء من العجز في الكوادر التعليمية، والذي يقدر بأكثر من ألف وظيفة بدوام كامل. غير أن الحكومة نفسها تعترف بأن قطاع التعليم يخسر سنوياً أعداداً كبيرة من العاملين، ما يجعل الأزمة أعمق من مجرد تعديل في ساعات العمل.

وفي تصريحات إذاعية صباح اليوم، حاول رئيس حزب «ليزانجيه» إيفان فيروغسترات طمأنة المعلمين، مؤكداً أن الحكومة ستقوم مؤقتاً بتجميد بعض عمليات إعادة توزيع المدرسين داخل المدارس حتى لا تؤدي الإصلاحات الجديدة إلى خسارة وظائف بشكل مباشر.

ورغم هذه التطمينات، يبدو أن الاحتجاجات داخل قطاع التعليم مرشحة للاستمرار خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تصاعد المخاوف من تأثير هذه الإجراءات على جودة التعليم العمومي وعلى مستقبل الأجيال القادمة.

ويرى مراقبون أن الحكومة البلجيكية تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة بين ضرورة ضبط الميزانية من جهة، والحفاظ على استقرار واحد من أكثر القطاعات حساسية في المجتمع من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى