اخبار بلجيكا

شركة GSK تلغي وظائف في بلجيكا.. هل تدفع صناعة اللقاحات الثمن؟

بلجيكا 24- تواجه بلجيكا تداعيات تحول استراتيجي كبير في شركة الأدوية البريطانية GSK، التي أعلنت عن إلغاء 1,217 وظيفة في إطار خطة لإعادة تنظيم أنشطتها. والمفارقة أن الشركة تحقق نتائج مالية قوية، بينما تتجه إلى خفض التكاليف وتوسيع استثماراتها في أبحاث السرطان والتجارب السريرية، على حساب الأولوية التي كانت تمنحها لقطاع اللقاحات.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى والونيا، التي تحتضن أبرز منشآت إنتاج اللقاحات التابعة للمجموعة على مستوى العالم. فبينما تؤكد الإدارة أن المواقع البلجيكية تحتفظ بأهمية استراتيجية، تثير قرارات إعادة الهيكلة مخاوف العاملين والنقابات بشأن مستقبل الوظائف ومكانة البلاد داخل خطط الشركة المقبلة.

شركة رابحة تختار تغيير مسارها

تُعد GSK واحدة من أكبر عشر شركات أدوية في العالم، ويعمل لديها قرابة 70 ألف موظف. وتعتمد الشركة في نموها حاليًا على الأدوية المتخصصة، التي تشمل علاجات الربو والسرطان وأمراض الجهاز المناعي، وتمثل أكثر من 40% من إيراداتها.

أما اللقاحات، فتساهم بنحو 28% من الإيرادات، لكن هذا النشاط لم يحقق نموًا يُذكر خلال العام الماضي. وفي المقابل، تضاعف صافي أرباح المجموعة خلال عام 2025 ليصل إلى نحو 7 مليارات يورو، مع إيرادات قاربت 40 مليار يورو.

وبالتالي، لا يأتي التحول الاستراتيجي نتيجة أزمة مالية واضحة، بل في وقت تتمتع فيه الشركة بوضع مالي قوي. وهذا ما يجعل حجم التغيير وتداعياته على الوظائف أكثر إثارة للقلق.

وفي يناير الماضي، تولى الأسترالي لوك ميلز قيادة المجموعة، واضعًا هدفًا يتمثل في رفع إيراداتها إلى 53 مليار يورو بحلول عام 2031.

وفي يوليو، كشفت الإدارة عن خارطة طريق جديدة تتضمن تحقيق وفورات سنوية بقيمة ملياري يورو بحلول عام 2029، بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتبسيط الإجراءات الإدارية والتشغيلية.

بلجيكا: GSK تهدد 1200 وظيفة رغم الدعم العام.. هل تدفع العمال ثمن قرارات الشركة؟!

السرطان والتجارب السريرية في صدارة الأولويات

لا تقتصر خطة خفض النفقات على تقليص المصاريف، بل تهدف أيضًا إلى توفير التمويل اللازم لتوسيع الأبحاث السريرية. وتعتزم GSK إطلاق 25 تجربة سريرية في مراحل متقدمة قبل نهاية العام، أي أكثر من ضعف العدد الذي كانت تستهدفه سابقًا.

ويرتبط أكثر من نصف هذه التجارب بأبحاث السرطان، في حين تركز تجربة واحدة فقط على اللقاحات. ويعكس ذلك تحولًا واضحًا في أولويات المجموعة، التي قررت العودة بقوة إلى مجال علاج الأورام بعد أن كانت قد انسحبت منه عام 2014.

وثمة عامل آخر يفسر هذا التوجه، يتمثل في اقتراب موعد انتهاء حماية براءة الاختراع لأحد أبرز أدوية الشركة لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية، بدءًا من عام 2028. وتحتاج GSK إلى إيجاد مصادر جديدة للنمو وإقناع المستثمرين بقدرتها على الحفاظ على إيراداتها مستقبلًا.

وفي هذا السياق، تبدو اللقاحات أقل جاذبية من الناحية المالية مقارنة ببعض مجالات الأدوية المتخصصة، ما يجعل هذا القطاع ضمن الأنشطة المستهدفة بإجراءات توفير النفقات.

قطاع اللقاحات يفقد زخمه تحت ضغط المنافسة

أقرت GSK بتراجع تدريجي في أداء بعض لقاحاتها الأقدم، ومنها لقاحات الإنفلونزا، في ظل دخول منافسين جدد وظهور تقنيات أكثر حداثة.

وبحسب النقابة العامة للعمل في بلجيكا (FGTB)، انخفضت أحجام الإنتاج بنحو 40% خلال خمس سنوات. كما شهد قطاع اللقاحات تغيرات متسارعة منذ جائحة كوفيد، مع بروز شركات تكنولوجيا حيوية صغيرة تنافس الشركات الكبرى وتضغط على حصصها السوقية.

وتواجه السوق الأمريكية بدورها حالة من عدم اليقين بشأن التوصيات المتعلقة بالتطعيم، في ظل المناخ السياسي الحالي، وهو ما يزيد صعوبة التنبؤ بمسار الطلب على بعض المنتجات.

وتظهر آثار التحول بالفعل في أوروبا. ففي مدينة دريسدن الألمانية، تعتزم GSK إغلاق أحد مواقع إنتاج اللقاحات، في خطوة ستؤدي إلى فقدان أكثر من 640 وظيفة. ويشكل القرار مؤشرًا إضافيًا على الاتجاه الذي تسلكه المجموعة في إعادة توزيع أنشطتها الصناعية.

والونيا في قلب المعادلة.. ومخاوف على آلاف الوظائف

تحتل بلجيكا موقعًا محوريًا في شبكة إنتاج اللقاحات التابعة لـGSK. ففي مدينة وافْر يوجد أكبر موقع إنتاج للقاحات تابع للمجموعة على مستوى العالم، بينما تحتضن ريكسنسارت حرمها التاريخي، وتؤدي غيمبلو دورًا لوجستيًا مهمًا.

ويعمل في منشآت الشركة البلجيكية نحو 8,500 شخص، ما يجعل GSK أكبر جهة توظيف خاصة في والونيا. وتقول المجموعة إن أكثر من نصف إنتاجها العالمي من اللقاحات يأتي من هذه المواقع.

غير أن تراجع أعداد العاملين بدأ قبل الإعلان الأخير عن إعادة الهيكلة. فبعدما بلغ عدد الموظفين 9,107 أشخاص عام 2023، انخفض العدد إلى 8,234 في يوليو، أي بتراجع قدره 873 وظيفة، من دون إعلان خطة اجتماعية رسمية في تلك المرحلة.

أما الآن، فقد دخلت القضية مرحلة أكثر حساسية مع إطلاق ما يُعرف في بلجيكا باسم «إجراء رينو»، وهو مسار قانوني للتشاور مع ممثلي العاملين عندما تعتزم شركة تنفيذ عمليات فصل جماعي.

ويثير هذا التطور مخاوف من أن تتحول التخفيضات التدريجية في عدد الموظفين إلى عملية إعادة هيكلة أوسع نطاقًا، خصوصًا في ظل تغير أولويات الشركة وتراجع مكانة اللقاحات ضمن خطتها الاستثمارية.

الإدارة تطمئن.. والنقابات تشكك في الضمانات

في مواجهة المخاوف بشأن مستقبل المواقع البلجيكية، تحاول إدارة GSK طمأنة العاملين والسلطات المحلية. وتؤكد الشركة أنها تستثمر نحو 300 مليون يورو سنويًا في هذه المنشآت، وتصف دورها بأنه «استراتيجي»، كما تشير إلى تطوير لقاح يعتمد على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA).

وتقول الإدارة إن مسألة إغلاق المواقع البلجيكية ليست مطروحة، بل تؤكد أن هذه المنشآت تظل جزءًا مهمًا من نشاط المجموعة.

لكن النقابات تطرح تفسيرًا آخر للتحولات الجارية، إذ ترى أن التعهدات الاستثمارية التي قُدمت للرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تكون أحد العوامل التي تفسر إعادة ترتيب أولويات الشركة.

وكانت GSK قد تعهدت باستثمارات تبلغ 30 مليار دولار في الولايات المتحدة على مدى خمس سنوات. ولم تؤكد الشركة أن هذا الالتزام يقف وراء خطتها الحالية، لذلك يبقى الربط بين الأمرين في إطار الفرضيات التي تطرحها الأوساط النقابية.

وتكتسب السوق الأمريكية أهمية كبيرة بالنسبة إلى المجموعة، إذ تمثل أكثر من نصف مبيعاتها، في حين لا تتجاوز حصة أوروبا 23% من إجمالي المبيعات.

الصناعة الدوائية البلجيكية أمام منافسة متصاعدة

لا تقتصر المخاوف على مستقبل GSK وحدها، بل تمتد إلى قطاع الصناعات الدوائية الحيوية في بلجيكا، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة من المنافسين الأمريكيين والصينيين.

وفي مطلع سبتمبر، حذر وزير الاقتصاد البلجيكي دافيد كلارينفال من أن القدرة التنافسية لصناعة الأدوية في البلاد تتعرض لضغوط متزايدة.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية اقتصادية كبيرة، إذ يمثل قطاع الصناعات الدوائية الحيوية نحو 15% من الصادرات البلجيكية، ويوفر قرابة 45 ألف وظيفة، يعمل ما يقرب من خُمس أصحابها لدى GSK.

كما لم تعد اتحادية الصناعات الكيميائية وعلوم الحياة البلجيكية «إيسنسيا» (essenscia) تخفي قلقها من التطورات الأخيرة، معتبرة أن المؤشرات لم تعد مطمئنة كما كانت.

هل تفقد بلجيكا مكانتها في استراتيجية GSK الجديدة؟

تجد بلجيكا نفسها أمام معادلة صعبة: فهي تحتضن منشآت تؤدي دورًا أساسيًا في إنتاج لقاحات المجموعة، لكنها تواجه في الوقت نفسه تقليصًا في الوظائف وتغييرًا في الأولويات الاستثمارية للشركة.

وبين التوسع في أبحاث السرطان، والسعي إلى توفير مليارات اليوروهات، والالتزامات الاستثمارية في الولايات المتحدة، بات على المواقع البلجيكية أن تثبت قدرتها على الاحتفاظ بمكانتها داخل خريطة GSK العالمية الجديدة.

وتبقى الرسالة التي توجهها الشركة مطمئنة بشأن الأهمية الاستراتيجية لبلجيكا، لكن مستقبل العاملين سيعتمد على القرارات الفعلية التي ستتخذها الإدارة خلال المرحلة المقبلة، وليس على التصريحات وحدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!