إقتصاد

بلجيكا: GSK تهدد 1200 وظيفة رغم الدعم العام.. هل تدفع العمال ثمن قرارات الشركة؟!

بلجيكا 24- في وقت تحتاج فيه الأسر البلجيكية إلى الاستقرار والأمان الوظيفي، فجّرت شركة الأدوية العملاقة GSK موجة من القلق والغضب بعد إعلان نيتها إعادة هيكلة أنشطتها في بلجيكا، في خطوة قد تهدد ما يصل إلى 1217 وظيفة. والقرار لا يثير المخاوف بشأن مستقبل مئات الموظفين وعائلاتهم فحسب، بل يطرح أيضًا سؤالًا جوهريًا: ما المقابل الذي تحصل عليه بلجيكا ومواطنوها لقاء الدعم العام والمزايا الضريبية التي تستفيد منها الشركات الكبرى؟

إن الحفاظ على القدرة التنافسية للصناعة الدوائية أمر مهم للاقتصاد البلجيكي، لكن لا يمكن التعامل مع العاملين باعتبارهم أرقامًا يمكن الاستغناء عنها كلما قررت الإدارة تغيير أولوياتها. فهؤلاء الموظفون هم جزء أساسي من الخبرة الصناعية والعلمية التي ساهمت في بناء مكانة بلجيكا في قطاع الأدوية واللقاحات.

1217 وظيفة مهددة في واحدة من أكبر الشركات المشغّلة في والونيا

أعلنت شركة GSK فرع بلجيكا، خلال اجتماع استثنائي لمجلس الشركة، نيتها تنفيذ عملية إعادة هيكلة قد تؤثر في ما يصل إلى 1217 وظيفة. ووفقًا لبيانات نقابة FGTB Chimie، تشمل الخطة 482 موظفًا بعقود عمل دائمة و735 من الكوادر الإدارية بعقود دائمة، في حين لا يُتوقع أن تشمل التخفيضات العمال اليدويين في المرحلة المعلنة.

وتوظف الشركة نحو 8500 شخص في مواقعها بمدينة وافر وريكسنسارت وجيمبلو، ما يجعلها أكبر مشغّل خاص في إقليم والونيا. ولذلك، فإن آثار القرار المحتملة تتجاوز الموظفين المعنيين مباشرة، لتطال أسرهم والأنشطة الاقتصادية والخدمات التي تعتمد على وجود هذا العدد الكبير من العاملين.

ولا تزال التفاصيل المتعلقة بالأقسام والوظائف التي ستشملها إعادة الهيكلة غير واضحة. وهذا الغموض يزيد المخاوف لدى العاملين الذين يجدون أنفسهم أمام مستقبل مهني غير مؤكد، رغم سنوات من العمل والخبرة التي اكتسبوها داخل المجموعة.

إعصار التسريحات يضرب GSK في بلجيكا.. 1217 وظيفة مهددة

الدعم العام يفتح باب المساءلة

من أكثر النقاط إثارة للجدل حجم المساعدات العامة والمزايا الضريبية التي استفادت منها الشركة. فبحسب أرقام نقابة CSC التي نقلها حزب العمال البلجيكي (PTB)، حصلت GSK على ما لا يقل عن 481 مليون يورو من المساعدات العامة والمزايا الضريبية خلال عام 2025 وحده.

هذا الرقم يطرح سؤالًا مشروعًا أمام دافعي الضرائب: كيف ينبغي أن تتعامل الدولة مع شركة تستفيد من دعم عام واسع، ثم تعلن عن خطة قد تؤدي إلى الاستغناء عن أكثر من ألف موظف؟ وهل تتضمن آليات الدعم شروطًا واضحة وفعالة لحماية الوظائف والاستثمارات التي تبرر منح هذه الامتيازات؟

من المهم التوضيح أن الأرقام المذكورة لا تثبت أن جميع هذه المساعدات خُصصت مباشرة للحفاظ على الوظائف المهددة حاليًا، كما لا تكفي وحدها لإثبات وجود مخالفة من جانب الشركة. لكنها تجعل المطالبة بالشفافية والمساءلة أمرًا ضروريًا، خصوصًا عندما تكون القرارات التجارية ذات عواقب اجتماعية بهذا الحجم.

فالمساعدات العامة ليست امتيازًا بلا مقابل اجتماعي. وعندما تساهم الأموال العامة والمزايا الضريبية في دعم نشاط شركة كبرى، فمن المنطقي أن تطالب السلطات بتوضيح النتائج المحققة، والاستثمارات المنجزة، والوظائف التي تم الحفاظ عليها، ومدى احترام الالتزامات المرتبطة بهذا الدعم.

انتقادات سياسية ومطالب باسترداد المساعدات

أثار الإعلان ردود فعل قوية من الأحزاب السياسية البلجيكية. فقد طالب حزب العمال البلجيكي بإلزام الشركات بإعادة المساعدات العامة في حالات التسريح الجماعي، منتقدًا احتمال تقليص الوظائف في شركة تستفيد، وفق الأرقام التي استشهد بها الحزب، من دعم عام ومزايا ضريبية بمئات الملايين من اليوروهات.

واعتبرت النائبة الفيدرالية عن الحزب، صوفي ميركس، أن الوضع ينطوي على ظلم مزدوج، لأن العمال يساهمون في إنتاج الثروة التي يستفيد منها المساهمون، بينما تدعم الأموال العامة الشركة أيضًا. وترى هذه الانتقادات أن من غير المقبول أن يتحمل الموظفون وحدهم عواقب إعادة الهيكلة بعد استفادة المؤسسة من موارد عامة كبيرة.

من جهته، دعا حزب الخضر البلجيكي (Ecolo) الحكومتين الفيدرالية والوالونية إلى التحرك سريعًا للضغط على إدارة GSK والحد من آثار الخطة. وأشار الرئيس المشارك للحزب، جيل فان دن بور، إلى إمكانية استخدام شروط المساعدات العامة كوسيلة للتأثير في قرارات الشركات وحماية المصلحة الاجتماعية والبيئية.

وتتقاطع هذه المواقف عند مطلب أساسي: ألا تقتصر العلاقة بين الدولة والشركات الكبرى على تقديم الدعم، بل أن تقترن أيضًا بالمسؤولية والشفافية واحترام المصالح العامة.

الحكومة مطالبة بالدفاع عن الموظفين والمصلحة العامة

من جانبه، أكد وزير العمل الفيدرالي دافيد كلارينفال أن حماية أكبر عدد ممكن من الوظائف يجب أن تكون أولوية، داعيًا إلى اتخاذ تدابير عاجلة على مستوى السياسات الصحية أو النظام الضريبي لدعم قطاع الصناعات الدوائية في بلجيكا.

كما طالب إدارة GSK بدراسة جميع الخيارات التي يمكن أن تحد من خسائر الوظائف، بالتعاون مع ممثلي العاملين. وتشمل هذه الخيارات النقل الداخلي للموظفين إلى وظائف أخرى داخل المجموعة، وتوفير التدريب، وإعادة توزيع العاملين على أنشطة مختلفة بدلًا من اللجوء مباشرة إلى التسريح.

وأعلن الوزير أنه سيطلب توضيحات بشأن أسباب إعادة الهيكلة ونطاقها وتأثيراتها المحتملة على مستقبل أنشطة الشركة في بلجيكا. وشدد على ضرورة أن تتحمل GSK مسؤولياتها الاجتماعية، مع العمل على الحد من التسريحات وتوفير الدعم المناسب للموظفين الذين قد يضطرون إلى مغادرة الشركة.

ومن الضروري أن تترجم هذه التصريحات إلى متابعة فعلية ونتائج ملموسة. فالحكومة لا تستطيع التحكم في كل قرار تجاري تتخذه شركة خاصة، لكنها تستطيع فحص شروط المساعدات التي تمنحها، والتحقق من الالتزامات المرتبطة بها، واستخدام الأدوات القانونية المتاحة لحماية العمال ودافعي الضرائب.

لقاحات كورونا وتغيّر السوق: هل يكفي ذلك لتبرير الثمن الاجتماعي؟

بحسب ممثلي العمال، يرتبط جزء من الصعوبات التي تواجه المجموعة بتراجع أحجام إنتاج اللقاحات وفقدان بعض الأسواق. وتقدّر نقابة FGTB أن أحجام الإنتاج انخفضت بنحو 40% خلال خمس سنوات، في حين تتجه الشركة بصورة أكبر نحو المنتجات ذات القيمة المضافة المرتفعة.

ويشرح ممثلو العمال أن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة ارتفاع أحجام الإنتاج أو زيادة الحاجة إلى الأيدي العاملة؛ فقد تحقق بعض المنتجات عائدات أكبر حتى عند إنتاج كميات أقل، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الحاجة إلى عدد من الوظائف.

كما تغير سوق اللقاحات بعد جائحة كورونا، مع دخول منافسين جدد وتطور المنافسة بين الشركات الكبرى وشركات التكنولوجيا الحيوية الأصغر حجمًا. وتؤثر هذه التحولات في قرارات الاستثمار والإنتاج داخل القطاع.

لكن تغيّر السوق، مهما كانت أهميته، لا يلغي ضرورة بحث البدائل التي تقلل الأضرار الاجتماعية. ولا ينبغي افتراض أن جائحة كورونا هي السبب الوحيد لخطة GSK، إذ لا تتوافر في المعلومات المعلنة تفاصيل تثبت أن تراجع الطلب على لقاحات الجائحة وحده يفسر القرار.

كذلك أشار ممثل نقابي إلى أن الولايات المتحدة تمثل نحو 40% من مبيعات المجموعة، وأن الرسوم الجمركية والتوجه نحو تعزيز الإنتاج داخل السوق الأمريكية قد يدفعان شركات الأدوية إلى زيادة استثماراتهما هناك. غير أن تحديد وزن هذه العوامل في القرار الحالي يتطلب توضيحات إضافية من إدارة الشركة.

العمال ليسوا أرقامًا في ميزانية الشركة

إن إعادة الهيكلة قد تكون قرارًا تجاريًا تتخذه الإدارة لأسباب إنتاجية أو مالية، لكن ذلك لا يجعل جميع نتائجها مقبولة اجتماعيًا أو يعفي الشركة من واجب البحث الجدي عن بدائل. فخلف كل وظيفة مهددة موظف له أسرة والتزامات ومصاريف معيشية، وقد بنى خططه على دخله واستقراره المهني.

ولهذا، فإن الدفاع عن العاملين لا يتعارض مع دعم الصناعة الدوائية في بلجيكا. على العكس، فإن وجود قطاع صناعي قوي ومستدام يتطلب الثقة بين الشركات والعمال والدولة، كما يتطلب ألا تتحول الأزمات والتغيرات التجارية إلى عبء يتحمله الموظفون وحدهم.

ومن حق العاملين وممثليهم الحصول على معلومات واضحة بشأن الوظائف المعرضة للخطر، ومعرفة المعايير التي ستُستخدم في اتخاذ القرارات، والمشاركة في بحث حلول مثل النقل الداخلي والتدريب وإعادة التأهيل المهني. كما ينبغي أن تكون أي إجراءات لتقليص عدد الموظفين مصحوبة بضمانات اجتماعية ومرافقة مناسبة.

ما الذي ينبغي أن يحدث الآن؟

المطلوب اليوم هو تحرك منسق بين إدارة GSK والنقابات والحكومتين الفيدرالية والوالونية. وينبغي أن يبدأ ذلك بالكشف عن الأسباب الدقيقة لإعادة الهيكلة، وتحديد الوظائف المعنية، ودراسة جميع البدائل الممكنة قبل اتخاذ قرارات نهائية.

وفي الوقت نفسه، يتعين على السلطات مراجعة شروط الدعم العام والمزايا الضريبية التي تستفيد منها الشركات الكبرى، وتوضيح ما إذا كانت هذه المساعدات مرتبطة بالتزامات محددة بشأن الاستثمار والتوظيف. وإذا ثبت عدم احترام شروط تعاقدية أو قانونية تنص على استرداد الدعم، فيجب تطبيقها وفقًا للقانون.

كما ينبغي أن يكون الهدف الحفاظ على أكبر عدد ممكن من الوظائف، وليس الاكتفاء بإدارة آثار التسريح بعد وقوعه. فحماية الموظفين تتطلب الوقاية من فقدان الوظائف بقدر ما تتطلب توفير التعويضات والمساعدة المهنية لمن يتضررون.

إن قضية GSK تتجاوز خلافًا بين إدارة شركة ونقاباتها. إنها اختبار لطريقة إدارة العلاقة بين الأموال العامة والمصالح الخاصة، ولمدى قدرة السلطات على حماية العاملين عندما تتعارض قرارات الشركات مع الاستقرار الاجتماعي.

لا يجوز الحكم على الشركة بمجرد إعلان إعادة الهيكلة، ولا تكفي أرقام الدعم وحدها لإثبات مخالفة. لكن من المشروع تمامًا مطالبتها بتفسير قراراتها، ومساءلتها عن التزاماتها، والضغط عليها لتقليص الخسائر البشرية إلى أدنى حد ممكن.

أما الرسالة الأهم، فهي أن الموظفين الذين ساهموا في بناء نجاح المؤسسة يستحقون أكثر من إعلان مفاجئ عن وظائف مهددة. إنهم يستحقون الشفافية والاحترام ومحاولة حقيقية لإنقاذ وظائفهم، وعلى الحكومة أن تستخدم كل الوسائل القانونية المتاحة للدفاع عنهم وعن أموال دافعي الضرائب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!