بلجيكا 24- أثار قرار الشركة الوطنية للسكك الحديدية البلجيكية (NMBS/SNCB) بعدم المضي حاليًا في مشروع “الإنذار الصامت” داخل القطارات موجة انتقادات واسعة في الأوساط السياسية والحقوقية، خاصة في ظل تزايد المخاوف المتعلقة بالأمن داخل وسائل النقل العام، وارتفاع شكاوى التحرش والاعتداءات التي يتعرض لها بعض الركاب، وعلى رأسهم النساء.
وكان المشروع يهدف إلى توفير وسيلة سرية وسريعة تسمح للمسافرين بإبلاغ مرافقي القطارات وعناصر الأمن التابعين لـ“Securail” في حال تعرضهم لاعتداء أو تهديد، دون الحاجة إلى إثارة الانتباه أو التحدث علنًا أمام المعتدي.
الفكرة ليست جديدة، إذ سبق أن تم اعتماد قرار بالإجماع خلال الولاية البرلمانية السابقة، بمبادرة من حزبي “Ecolo-Groen”، يدعو إلى تعزيز إجراءات مكافحة التحرش والاعتداءات الجنسية داخل القطارات البلجيكية، مع التركيز على تطوير حلول تكنولوجية تضمن سرعة التدخل وحماية الضحايا.
لكن وزير التنقل البلجيكي جان-لوك كروك أعلن خلال جلسة للجنة التنقل في البرلمان أن تنفيذ هذا النظام لم يعد مطروحًا على المدى القريب، موضحًا أن الدراسات التقنية أظهرت أن المشروع أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.
وبحسب الوزير، فإن اعتماد نظام “الإنذار الصامت” يتطلب إنشاء بنية رقمية جديدة بالكامل، إضافة إلى منصة متطورة تسمح لمركز العمليات الأمنية بمعالجة البلاغات ومتابعتها بشكل فعال وفوري.
وأشار كروك إلى أن المشروع يواجه تحديات تقنية وتشغيلية كبيرة، سواء من ناحية إدارة التنبيهات أو ضمان سرعة الاستجابة داخل شبكة سكك حديدية ضخمة ومعقدة مثل الشبكة البلجيكية.
وجاءت تصريحات الوزير ردًا على أسئلة وجهها عدد من نواب المعارضة، بينهم إيرينا دي كنوب وستاف أيرتس وسارة شليتز وفرانك تروسترز، الذين طالبوا بتوضيحات حول أسباب تجميد المشروع رغم المطالب المتكررة بتعزيز الأمن داخل القطارات والمحطات.
وفي محاولة للدفاع عن موقف الحكومة، أكد الوزير أن محطات القطارات البلجيكية تُعد من بين أكثر الفضاءات العامة مراقبة في البلاد، سواء عبر الكاميرات أو من خلال التواجد الأمني الميداني.
وأضاف أن أي حادث اعتداء يُعتبر أمرًا خطيرًا وغير مقبول، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن حجم التدخلات الأمنية يجب وضعه في سياقه الحقيقي، موضحًا أن الشركة تنقل يوميًا حوالي 570 ألف مسافر عبر 3800 قطار و555 محطة.
وأشار كذلك إلى أن عناصر “Securail” يتدخلون في المتوسط نحو مئة مرة يوميًا، معتبرًا أن هذا الرقم يظل محدودًا مقارنة بضخامة الشبكة وعدد الرحلات اليومية.
كما ذكّر الوزير بوجود وسائل مساعدة أخرى متاحة حاليًا للمسافرين، من بينها رقم الطوارئ الخاص بأمن السكك الحديدية البلجيكية، والذي يمكن للركاب الاتصال به في حالات الخطر أو التهديد.
ورغم هذه التبريرات، لم تهدأ الانتقادات السياسية، حيث اعتبرت النائبة سارة شليتز أن التراجع عن المشروع يبعث “إشارة سيئة للغاية”، خصوصًا في وقت تتجنب فيه الكثير من النساء استخدام القطارات بسبب مخاوف مرتبطة بالأمان.
وتقول منظمات حقوقية إن الشعور بعدم الأمان داخل وسائل النقل العام لا يرتبط فقط بعدد الاعتداءات الفعلية، بل أيضًا بالخوف النفسي الذي قد يمنع الضحايا من الإبلاغ أو طلب المساعدة، خاصة في الأماكن المغلقة أو أثناء السفر ليلًا.
ويرى مدافعون عن المشروع أن “الإنذار الصامت” كان يمكن أن يوفر وسيلة عملية وسريعة للتدخل قبل تفاقم المواقف الخطيرة، لا سيما بالنسبة للأشخاص الذين لا يستطيعون التحدث بحرية أثناء وقوع الاعتداء.
في المقابل، يعتبر آخرون أن الأولوية يجب أن تتركز على تعزيز عدد عناصر الأمن داخل القطارات والمحطات، وتكثيف الدوريات الليلية، وتحسين المراقبة بالكاميرات، بدل الاستثمار في أنظمة رقمية معقدة قد تحتاج سنوات قبل أن تصبح فعالة.
ويبدو أن ملف الأمن داخل وسائل النقل سيبقى مطروحًا بقوة في النقاش السياسي البلجيكي خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تزايد مطالب الركاب بتوفير بيئة أكثر أمانًا وطمأنينة أثناء التنقل اليومي.
