تحقيقات وتقارير

150 بلاغًا عن طائرات مسيّرة فوق مواقع حساسة في بلجيكا

بلجيكا 24- سجلت السلطات البلجيكية منذ بداية عام 2026 نحو 150 بلاغًا موثوقًا بشأن طائرات مسيّرة شوهدت فوق مواقع حساسة أو بالقرب منها، من بينها قواعد عسكرية ومنشآت نووية ومواقع مرتبطة بقطاعات استراتيجية.

وتشمل هذه الحوادث محيط مطار شارلروا، حيث رُصدت خلال الصيف عدة طائرات مسيّرة أثناء ساعات الليل، بالقرب من منشآت تستخدمها شركات تعمل في قطاع الطيران العسكري وتشارك في برامج استراتيجية.

ورغم تحرك قوات الشرطة والجيش واستخدام وسائل متطورة للرصد والتدخل، لم تتمكن السلطات حتى الآن من تحديد هوية الطائرات التي شوهدت في تلك الحوادث أو الوصول إلى الأشخاص الذين يقودونها.

تحليق متكرر قرب مطار شارلروا

شهدت منطقة غوسلي، بالقرب من مطار شارلروا، سلسلة من مشاهدات الطائرات المسيّرة خلال شهر يوليو الماضي. وقد أثارت هذه الحوادث اهتمامًا خاصًا بعدما كان بعض البلاغات صادرًا عن عناصر شرطة شاهدوا التحركات بأنفسهم.

ولم تكن الرحلات تهدف، وفق المعطيات المتوفرة، إلى تعطيل حركة الطيران، إذ وقعت عمليات التحليق خلال الليل، في الفترة التي تتوقف فيها عمليات المطار عادة بين الساعة 23:00 و06:30.

وأكد المطار عدم تسجيل أي اضطرابات في حركة الملاحة الجوية خلال تلك الحوادث.

لكن وجود الطائرات بالقرب من منشآت حساسة أثار مخاوف إضافية، خصوصًا أن عددًا من المباني المجاورة للمطار تستخدمها شركات تعمل في مجال الطيران العسكري وتشارك في برامج استراتيجية.

تحرك مشترك بين الشرطة والجيش

وبعد تكرار المشاهدات، نشرت السلطات قوة أمنية كبيرة ضمت عناصر من الشرطة الفيدرالية والجيش، إلى جانب معدات متخصصة في رصد الطائرات المسيّرة والتعامل معها.

وشمل التجهيز المستخدم وسائل مراقبة واعتراض، من بينها أنظمة متخصصة في مكافحة الطائرات المسيّرة، إضافة إلى طائرة المراقبة التابعة للدفاع البلجيكي من طراز MQ-9B.

ورغم تمكن الفرق المنتشرة في المنطقة من رصد بعض الطائرات، لم تنجح العملية في اعتراضها أو تحديد هوية مشغليها.

وتعتقد بعض المصادر، وفق ما نقلته وسائل إعلام بلجيكية، أن الطائرات المستخدمة قد تكون ذات طبيعة احترافية، كما أن طريقة تنفيذ التحليقات أثارت شبهات بشأن طبيعة العملية. ومع ذلك، لم تتمكن التحقيقات من تحديد طراز الطائرات أو الجهة التي تقف وراءها.

ما الهدف من هذه التحليقات؟

لا تزال هوية الجهة التي تقف وراء التحليقات والهدف منها غير واضحة.

وتشير المعطيات إلى أن المنشآت التابعة لشركات الطيران العسكري تقع داخل مبانٍ مغلقة، ما يجعل الوصول إلى معلومات حساسة من خارجها أمرًا محدودًا. كما يمكن الحصول على صور ومعلومات عن بعض المنشآت من ارتفاعات أكبر دون الحاجة إلى التحليق على مسافات منخفضة.

كما أن نطاق تحليق بعض الطائرات التي لم يتم التعرف عليها تجاوز المنطقة التي توجد فيها الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع، وهو ما يزيد من صعوبة تحديد الهدف الحقيقي لهذه العمليات.

تحقيقات تحت إشراف النيابة الفيدرالية

توجد القضية حاليًا ضمن ملفات النيابة الفيدرالية البلجيكية، التي فتحت تحقيقًا في هذه الحوادث، لكنها رفضت تقديم تفاصيل إضافية أو حتى تأكيد بعض الوقائع المتعلقة بالعملية.

وتشير النيابة إلى أنها تتابع حاليًا 26 ملفًا مرتبطًا بالطائرات المسيّرة، موضحة أن جميع البلاغات لا تنتقل بالضرورة إلى المستوى الفيدرالي، إذ يتم تحديد الملفات التي تتطلب تدخلها بالتنسيق مع الجهات القضائية الأخرى.

كما لم تؤكد وزارة الدفاع وجهاز الاستخبارات والأمن العام مشاركتهما بشكل مباشر في العملية التي استهدفت اعتراض الطائرات قرب شارلروا.

لكن وزارة الدفاع أوضحت أنها تتعاون بشكل وثيق مع شركائها عندما تستدعي الظروف ذلك، مشيرة إلى أن التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة تدخل ضمن سياق أوسع يتعلق بما يعرف بـالحرب الهجينة.

نحو 150 بلاغًا منذ بداية العام

لا تقتصر الحوادث على منطقة شارلروا. فمنذ بداية عام 2026، تم تسجيل نحو 150 بلاغًا موثوقًا عن طائرات مسيّرة مشبوهة في أنحاء مختلفة من بلجيكا.

وتشمل هذه البلاغات مشاهدات فوق أو بالقرب من قواعد عسكرية ومنشآت نووية ومواقع وشركات مصنفة ضمن البنية التحتية الحساسة.

وتستند الأرقام إلى مشاهدات بصرية أو عمليات رصد بواسطة الرادار، قام بها عناصر شرطة وعسكريون ومراقبو الحركة الجوية التابعون لشركة Skeyes.

وفي عام 2025، سجلت السلطات نحو 560 بلاغًا، لكن المقارنة المباشرة بين أرقام العامين ليست دقيقة، بعدما جرى تعديل وتحسين طريقة تسجيل وتصنيف البلاغات عقب موجة المشاهدات الكبيرة التي شهدتها البلاد في خريف العام الماضي.

لا اتهام رسمي لأي دولة حتى الآن

ورغم استمرار الشكوك بشأن احتمال وجود جهة منظمة وراء بعض عمليات التحليق، لم تنسب بلجيكا رسميًا حتى الآن أيًا من هذه الحوادث إلى دولة أجنبية.

وكان مسؤولون بلجيكيون قد تحدثوا سابقًا عن احتمال وجود عمليات تهدف إلى زعزعة الاستقرار، مع الإشارة في بعض الحالات إلى احتمال ارتباطها بجهات روسية. كما حذرت دول أوروبية أخرى خلال الفترة الأخيرة من أنشطة هجينة تنسبها إلى روسيا.

لكن وزارة الخارجية البلجيكية أكدت أنه لم يصدر حتى الآن أي اتهام رسمي علني لدولة أجنبية بشأن هذه الحوادث، باستثناء حالة منفصلة تعود إلى عام 2022، عندما أعلنت بلجيكا إسناد هجمات إلكترونية إلى الصين.

لماذا تتعامل بلجيكا بحذر مع تحديد المسؤول؟

توضح وزارة الخارجية أن إحدى خصائص التهديدات الهجينة تتمثل في محاولة الجهات التي تقف وراءها إخفاء صلتها بالعمليات، ما يجعل الأدلة المتاحة في كثير من الأحيان غير مكتملة أو غير مباشرة.

كما تحذر السلطات من أن توجيه اتهام خاطئ إلى جهة معينة يمكن أن يؤثر في ثقة الجمهور ويمنح بعض الأطراف قدرات أكبر مما تملك فعليًا.

وفي الوقت نفسه، لا يعني عدم الإعلان عن جهة مسؤولة أن الأجهزة البلجيكية لا تملك مؤشرات بشأن بعض الحوادث. فقد تتوصل التحقيقات إلى وجود شبهات قوية، لكنها قد لا تكون كافية لتحديد المسؤول بشكل قاطع.

كما تأخذ السلطات في الاعتبار التداعيات الدبلوماسية قبل اتخاذ قرار بإعلان مسؤولية دولة عن حادث معين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحوادث يمكن أن تؤثر في العلاقات الدولية.

وبالتالي، يبقى ملف الطائرات المسيّرة في بلجيكا مفتوحًا، بينما تواصل الأجهزة الأمنية والقضائية التحقيق في عشرات الحوادث التي وقعت قرب مواقع تعتبرها السلطات حساسة واستراتيجية.

المصدر: RTBF

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!