بلجيكا 24- صادق برلمان اتحاد والونيا-بروكسل بشكل نهائي على خطة التقشف الجديدة الخاصة بقطاع التعليم، بعد جلسة نقاش ماراثونية استمرت نحو 14 ساعة متواصلة وشهدت توترات سياسية واحتجاجات واسعة داخل وخارج البرلمان. القرار الذي دفع به ائتلاف حكومة MR وLes Engagés يأتي في وقت يواجه فيه قطاع التعليم في بلجيكا موجة غضب غير مسبوقة من الأساتذة والطلبة والنقابات التعليمية، بسبب الإجراءات التي يعتبرها كثيرون تهديدًا مباشرًا لجودة التعليم ومستقبل العاملين فيه.
ويمثل هذا التصويت نقطة تحول حساسة داخل المشهد السياسي والتعليمي في بلجيكا، خاصة أن الخطة الجديدة لا تقتصر فقط على تخفيضات مالية، بل تشمل أيضًا تعديلات هيكلية تمس ظروف عمل الأساتذة ورسوم التعليم العالي ومستقبل التوظيف داخل المدارس والمؤسسات التعليمية.
وتنص الإجراءات الجديدة على زيادة العبء الساعي لأساتذة التعليم الثانوي بنسبة 10% دون أي زيادة موازية في الأجور، وهو ما أثار موجة انتقادات حادة من النقابات التعليمية التي اعتبرت القرار محاولة لفرض مزيد من الضغط على المدرسين في وقت يعاني فيه القطاع أصلًا من نقص الكوادر والإرهاق المهني.
كما تتضمن الخطة تقليص الامتيازات المتعلقة بالإجازات المرضية الخاصة بالأساتذة الرسميين، إضافة إلى تشديد شروط نهاية المسار المهني للمدرسين، وهي نقاط أثارت مخاوف كبيرة داخل الأوساط التعليمية من تراجع جاذبية مهنة التعليم في السنوات المقبلة.
ومن بين أكثر القرارات المثيرة للجدل أيضًا، فتح الباب أمام رفع رسوم التسجيل الجامعي لتصل إلى 1194 يورو بالنسبة إلى 58% من طلبة التعليم العالي ابتداءً من الموسم الدراسي القادم، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة ضربة جديدة لمبدأ تكافؤ الفرص وإمكانية الوصول إلى التعليم بالنسبة للطلاب من الطبقات المتوسطة والفقيرة.
وجاء التصويت بعد يوم طويل من الاحتجاجات أمام مقر البرلمان، حيث تجمع آلاف المتظاهرين بينهم عدد كبير من الطلبة والأساتذة والنشطاء، وسط انتشار أمني مكثف. وشهدت التحركات بعض أعمال التخريب والتوترات مع الشرطة التي نفذت عدة اعتقالات وُصفت في بعض الحالات بالعنيفة.
وتندرج هذه القرارات ضمن خطة تقشف واسعة أعلنتها حكومة اتحاد والونيا-بروكسل منذ الخريف الماضي بهدف خفض العجز المالي المزمن الذي تعاني منه المؤسسة. وتسعى الحكومة إلى توفير نحو 500 مليون يورو بحلول عام 2029، ضمن ميزانية إجمالية تقدر بحوالي 15 مليار يورو.
وخلال النقاش البرلماني، واجه نواب أحزاب PS وPTB وEcolo الحكومة بانتقادات شديدة، مؤكدين أن الإجراءات الجديدة ستؤدي إلى تدهور جودة التعليم وخسارة وظائف داخل المدارس، بالإضافة إلى تعميق الفوارق الاجتماعية في الوصول إلى التعليم العالي.
في المقابل، دافعت أحزاب الأغلبية عن الخطة معتبرة أن الوضع المالي الحالي لا يترك خيارات كثيرة، وأن إصلاح المالية العمومية أصبح ضرورة ملحة لضمان استمرارية اتحاد والونيا-بروكسل على المدى الطويل.
ورغم الجدل الكبير، رفضت الأغلبية جميع التعديلات التي قدمتها المعارضة، كما قرر نواب MR وLes Engagés عدم انتظار رأي مجلس الدولة بشأن تعديل اقترحه حزب PTB حول رسوم التسجيل الجديدة في التعليم العالي.
من جهتها، أكدت وزيرة-رئيسة الحكومة إليزابيث ديغريز أن الحكومة لا تنوي فرض إجراءات تقشف إضافية جديدة حتى نهاية الولاية التشريعية الحالية، معربة في الوقت نفسه عن رغبتها في إعادة فتح الحوار مع مختلف الفاعلين في قطاع التعليم خلال المرحلة المقبلة.
وفي محاولة لامتصاص الغضب، يتضمن المرسوم الحكومي أيضًا بعض التدابير الإيجابية، بينها رفع رواتب الأساتذة الجدد بنسبة 5% بعد اعتماد تكوين يمتد لأربع سنوات بدل ثلاث سابقًا، إضافة إلى تحسين الأجور الخاصة بمديري المدارس، ومنح تخفيض جزئي في العبء الساعي للأساتذة في بداية ونهاية مسارهم المهني.
ورغم ذلك، لم تمنع هذه التنازلات استمرار الانقسام الحاد داخل البرلمان، حيث صوتت أحزاب المعارضة بالكامل ضد المشروع، بينما شهدت الأغلبية نفسها حالة لافتة بعدما امتنعت النائبة ماتيلد فاندورب، الرئيسة السابقة لكتلة Les Engagés، عن التصويت تعبيرًا عن رفضها لطريقة تعامل الحكومة مع الأزمة.
وقالت النائبة خلال الجلسة إن ما حدث خلال الأشهر الماضية لا يجب أن يتكرر، مطالبة الحكومة بإعادة بناء حوار حقيقي مع قطاع التعليم، ومؤكدة أن “لا شيء يبرر غياب الاحترام والشعور بالازدراء” الذي شعر به كثير من العاملين في القطاع.
ويبدو أن ملف التعليم في بلجيكا مرشح للبقاء في صدارة الجدل السياسي خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع استمرار الغضب النقابي وتخوفات الأسر والطلبة من انعكاسات هذه الإصلاحات على جودة التعليم وتكاليف الدراسة وفرص العمل داخل القطاع.
