بلجيكا 24- تواجه منظومة تعويضات المرض في بلجيكا انتقادات متزايدة بسبب ضعف الرقابة على المستفيدين الذين يقيمون خارج البلاد. فبحسب الأرقام الرسمية لعام 2025، يتلقى نحو 14,713 شخصًا تعويضات عن المرض طويل الأمد رغم إقامتهم في الخارج، في وقت لا تملك فيه الجهات المعنية بيانات دقيقة عن أماكن وجودهم الفعلية ومدى خضوعهم للفحوص الطبية الدورية.
وأثار النائب عن حزب التحالف الفلمنكي الجديد (N-VA)، أكسل رونسه، تساؤلات بشأن كفاءة نظام المتابعة، معتبرًا أن المرضى المقيمين خارج بلجيكا قد يخضعون لرقابة أقل صرامة من نظرائهم المقيمين داخل البلاد. كما أقر وزير الصحة والشؤون الاجتماعية، فرانك فاندنبروكه، بوجود حاجة إلى تحسين آليات المتابعة وتوحيد إدارة البيانات.
حوالي 15 ألف مريض يتلقون تعويضات المرض في بلجيكا يقيمون بالخارج.. والعدد ارتفع 60% خلال خمس سنوات
أكثر من 576 ألف شخص يتلقون تعويضات المرض
تُظهر بيانات عام 2025 أن أكثر من 576 ألف شخص في بلجيكا حصلوا على تعويضات بسبب استمرار غيابهم عن العمل لأكثر من عام نتيجة المرض. ومن بين هؤلاء، يقيم 14,713 شخصًا خارج البلاد، أي ما يعادل نحو 2.4% من إجمالي المستفيدين.
ولا يُعد تلقي التعويضات البلجيكية أثناء الإقامة في الخارج مخالفة قانونية في حد ذاته. فالأشخاص الذين عملوا في بلجيكا وسددوا اشتراكات الضمان الاجتماعي يحق لهم، وفق الشروط المعمول بها، الاستفادة من التعويضات حتى بعد انتقالهم إلى بلد آخر.
لكن الاحتفاظ بهذه المستحقات عند الانتقال للإقامة في الخارج يخضع لقواعد محددة. إذ يمكن للمستفيدين المقيمين في دول المنطقة الاقتصادية الأوروبية، أو في بلدان أبرمت معها بلجيكا اتفاقيات بهذا الشأن، مواصلة تلقي التعويضات. وتشمل هذه الدول ألبانيا والمغرب واليابان.
أما الانتقال للإقامة في دولة لا يشملها هذا الإطار، مثل الصين أو مصر، فقد يؤدي إلى فقدان الحق في التعويضات البلجيكية، وفق القواعد المشار إليها في التقرير.
المستفيدون ليسوا جميعًا بلجيكيين
تكشف البيانات أن غالبية المستفيدين المقيمين خارج بلجيكا يحملون الجنسية البلجيكية، إذ يبلغ عددهم 8,298 شخصًا. لكن القائمة تضم أيضًا أعدادًا كبيرة من مواطني دول أخرى، من بينهم 3,379 فرنسيًا و910 هولنديين، يُرجح أن بعضهم من العمال الذين يعبرون الحدود يوميًا للعمل.
وتشمل القائمة كذلك 385 إيطاليًا و298 بولنديًا، يُحتمل أن بعضهم عمل في بلجيكا لسنوات قبل العودة إلى بلده الأصلي.
وفي إسبانيا، يتلقى 226 مواطنًا إسبانيًا تعويضات بلجيكية عن المرض طويل الأمد، في حين يبلغ إجمالي المستفيدين المقيمين هناك 1,880 شخصًا. ويعني ذلك أن غالبية المستفيدين المقيمين في إسبانيا يحملون الجنسية البلجيكية.
وفي الاتجاه المعاكس، يقيم 11,140 شخصًا يعانون من أمراض طويلة الأمد داخل بلجيكا، بينما يتلقون تعويضاتهم من دول أخرى.
ارتفاع بنسبة 58% خلال خمس سنوات
تتمثل إحدى أبرز نقاط القلق في سرعة ارتفاع عدد المستفيدين المقيمين خارج البلاد. فقد ارتفع العدد من 9,312 شخصًا عام 2020 إلى 14,713 شخصًا عام 2025، بزيادة تقارب 58% خلال خمس سنوات.
وفي الفترة نفسها، ارتفع العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعانون من المرض طويل الأمد داخل بلجيكا بنسبة 22% فقط، وهو فارق يثير تساؤلات بشأن أسباب هذا التطور وقدرة السلطات على مراقبته.
وتبدأ بعض مشكلات الرقابة قبل انتقال المستفيد إلى الخارج. فالشخص الذي يتلقى تعويضات المرض البلجيكية وينتقل للإقامة في دولة أوروبية أخرى ملزم بإبلاغ صندوق التأمين الصحي التابع له كتابيًا، لكن التقرير يشير إلى أن هذا الإجراء لا يُحترم دائمًا.
18,875 طلبًا للسفر إلى دول خارج الإطار الأوروبي
عندما يرغب المستفيد من تعويضات المرض في السفر إلى دولة خارج الإطار المعتمد، دون نقل إقامته الرسمية إليها، فقد يحتاج إلى الحصول مسبقًا على موافقة طبيب. ويُشار إلى هذه الدول في التقرير بمصطلح «الدول الثالثة».
وخلال عام 2025، سُجلت 18,875 حالة طلب فيها مرضى الإذن بالسفر إلى هذه الدول. لكن المشكلة تكمن في عدم توافر بيانات واضحة بشأن عدد الأشخاص الذين حصلوا على الموافقة فعلًا، أو عدد الطلبات التي رُفضت، أو مدى التزام جميع المستفيدين بإجراءات الترخيص.
ويرى أكسل رونسه أن غياب هذه المعلومات يفتح المجال أمام احتمال سفر بعض المستفيدين دون التصريح بذلك، مطالبًا بفرض عقوبات على من يتجاوزون القواعد. غير أن هذه المخاوف لا تثبت، بحد ذاتها، وقوع مخالفات من جميع المقيمين في الخارج.
هل يستغل بعض المستفيدين ثغرات النظام؟
يشتبه حزب التحالف الفلمنكي الجديد في أن بعض المستفيدين قد يحتفظون بتعويضاتهم من خلال تقديم إقامتهم في الخارج على أنها مجرد زيارة مؤقتة، بدلًا من الاعتراف بنقل إقامتهم الفعلية إلى بلد آخر.
ويستند هذا الاشتباه جزئيًا إلى تسجيل 4,437 دفعة تعويضات خلال عام 2025 لأشخاص كانوا يقيمون مؤقتًا في مصر، و1,842 دفعة لأشخاص كانوا في تايلاند.
لكن مكتب الوزير فرانك فاندنبروكه رفض الاستنتاجات التي اعتبرها مبالغًا فيها، موضحًا أن هذه الأرقام تشمل أيضًا أشخاصًا سافروا لفترات قصيرة، مثل قضاء عطلة تمتد ثلاثة أسابيع في تايلاند أو رحلة سياحية في مصر.
ولا تتوافر لدى صناديق التأمين الصحي بيانات كافية تسمح بتحديد عدد الأشخاص الذين يقيمون فعليًا في الخارج بصورة دائمة، بينما يسجلون وجودهم هناك على أنه إقامة مؤقتة. كما أن المعهد الوطني للتأمين الصحي والعجز والسلطات العامة لا تملك صورة مكتملة عن هذه المسألة.
الفحوص الطبية في الخارج قد تستغرق أشهرًا
يحق للأشخاص الذين يتلقون تعويضات عن المرض طويل الأمد السفر إلى الخارج، سواء لزيارة أسرهم أو لقضاء فترة من الراحة. لكنهم يظلون خاضعين، من حيث المبدأ، للفحوص التي تهدف إلى تحديد قدرتهم على العودة إلى العمل.
ويُفترض أن يخضع الشخص الذي تجاوزت مدة مرضه عامًا لفحص دوري مرة واحدة على الأقل سنويًا، لتقييم وضعه الصحي ومعرفة ما إذا كان قادرًا على استئناف العمل. وتدعم الحكومة الفيدرالية هذه الفحوص في إطار مساعيها إلى إعادة أكبر عدد ممكن من المستفيدين إلى سوق العمل.
غير أن تطبيق هذه الإجراءات على المقيمين في الخارج يواجه صعوبات عملية. فبموجب القواعد الأوروبية، يمكن طلب إجراء الفحص الطبي في بلد الإقامة، على أن ترسل الجهة المختصة تقريرًا إلى صندوق التأمين الصحي البلجيكي، ليتمكن الطبيب المعني من تقييم استمرار استحقاق التعويضات.
لكن هذه الآلية لا تُستخدم على نطاق واسع. ففي عام 2025، طلبت صناديق التأمين الصحي إجراء 1,934 فحصًا فقط، رغم وجود أكثر من 14 ألف مستفيد يقيمون خارج بلجيكا. ولم تتلق السلطات البلجيكية في نهاية المطاف سوى 553 تقريرًا طبيًا من الجهات الأجنبية.
انتظار يصل إلى أكثر من عامين في بعض الحالات
تكشف الأرقام عن تأخيرات طويلة في الحصول على التقارير الطبية المطلوبة. فبحسب بيانات صندوق التأمين الصحي المسيحي، يبلغ متوسط الانتظار نحو 150 يومًا، أي خمسة أشهر، للحصول على تقرير طبي من الخارج.
لكن المدة قد تكون أطول بكثير بحسب الدولة التي يُطلب منها إجراء الفحص. ويصل متوسط الانتظار إلى 211 يومًا في فرنسا، و253 يومًا في ألمانيا، و375 يومًا في كرواتيا، بينما يرتفع إلى 779 يومًا في بلغاريا.
وتكمن المشكلة في أن صرف التعويضات يستمر خلال انتظار التقارير، في حين لا تستطيع الجهات البلجيكية دائمًا التحقق بسرعة من استمرار استحقاق المستفيد لها.
وحمل أكسل رونسه صناديق التأمين الصحي جزءًا من المسؤولية عن هذه التأخيرات، معتبرًا أنها سمحت باستمرار البطء في الإجراءات بدلًا من البحث عن حلول أكثر فاعلية.
رفض بعض الفحوص يعرقل الرقابة
في بعض الحالات، ترفض جهات أجنبية إجراء الفحص الطبي المطلوب، مستندة إلى نقص الأطباء أو إلى اعتبار الفحص الإضافي غير ضروري.
وانتقد رونسه هذه الوضعية، مشيرًا إلى أن قرارات جهات طبية خارجية قد تؤثر بصورة كبيرة في استمرار صرف التعويضات، رغم أن بلجيكا هي التي تتحمل التكلفة المالية لهذه المستحقات.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، تبلغ قيمة تعويضات المرض طويلة الأمد المدفوعة للمستفيدين المعنيين نحو 258 مليون يورو، ما يزيد من أهمية التحقق من استحقاقها وفق القواعد المعمول بها.
7 ملايين يورو لإعادة المرضى إلى بلجيكا للفحص
عندما ترفض الجهات الأجنبية إجراء الفحص أو لا تستجيب لطلبات السلطات البلجيكية، قد تضطر صناديق التأمين الصحي إلى استدعاء المستفيد إلى بلجيكا لإجراء الفحص محليًا.
وتتحمل الدولة البلجيكية تكاليف السفر والإقامة المرتبطة بهذه الإجراءات. وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن هذه النفقات قد تصل إلى 7 ملايين يورو سنويًا إذا تقرر استدعاء جميع المستفيدين المقيمين في الخارج لإجراء الفحوص داخل البلاد.
ويثير هذا الوضع تساؤلات بشأن كفاءة النظام الحالي، إذ تتحمل الخزينة العامة تكاليف إضافية بسبب صعوبة تنظيم الفحوص الطبية ومتابعة المستفيدين خارج الحدود.
هل يحصل المرضى في الخارج على رقابة أقل صرامة؟
يعتبر أكسل رونسه أن غياب البيانات الدقيقة وضعف المتابعة يؤديان إلى معاملة مختلفة بين المستفيدين المقيمين داخل بلجيكا وأولئك الموجودين في الخارج، واصفًا ذلك بأنه شكل من أشكال التمييز.
وشدد النائب على أن انتقاداته لا تستهدف المرضى أنفسهم، بل النظام الإداري وصناديق التأمين الصحي التي يرى أنها لم توفر المعلومات اللازمة لتمكين المعهد الوطني للتأمين الصحي والعجز من ممارسة الرقابة الفعالة.
كما دعا إلى إعادة النظر في دور صناديق التأمين الصحي في إدارة هذه العملية، معتبرًا أن نقل مسؤولية الرقابة إلى جهة أخرى قد يساعد على تحسين الشفافية وضمان تطبيق القواعد بصورة أكثر اتساقًا.
في المقابل، أقر الوزير فرانك فاندنبروكه بأن متابعة المستفيدين المقيمين في الخارج ليست حاليًا بالصرامة نفسها المطبقة على المرضى داخل بلجيكا، لكنه عزا ذلك إلى اعتماد الفحوص على مؤسسات أجنبية تواجه بدورها فترات انتظار طويلة.
وأكد الوزير أن صناديق التأمين الصحي تدير بياناتها بطرق مختلفة، وهو ما لا يحقق المستوى المطلوب من التنسيق، معلنًا أن الحكومة تعمل على معالجة هذا الخلل.
فحوص بالفيديو وتقارير طبية سنوية
أعلن فاندنبروكه عن خطوات تهدف إلى تحسين المتابعة، تشمل إنشاء مجموعة عمل لتطوير تسجيل البيانات، وإلزام المقيمين في الخارج بتقديم تقرير طبي سنوي.
كما ستُستخدم الاستشارات عبر الفيديو لتمكين الأطباء الاستشاريين البلجيكيين من تقييم الوضع الصحي للمستفيدين وتحديد ما إذا كانوا لا يزالون يستحقون تعويضات المرض.
أما الحالات التي لا يمكن تقييمها بهذه الطريقة، فسيظل من الممكن استدعاء أصحابها إلى بلجيكا لإجراء الفحص، مع استمرار تحمل الدولة تكاليف السفر والإقامة.
وأوضح الوزير أن الهدف هو تطبيق مبدأ يقوم على المساواة بين الجميع، بحيث تتساوى الحقوق والالتزامات وإجراءات الرقابة بصرف النظر عن مكان الإقامة.
هل تكفي الإجراءات الجديدة لحل المشكلة؟
لا يرى أكسل رونسه أن التدابير المقترحة كافية بالضرورة، مطالبًا بدراسة إرسال فرق طبية متنقلة إلى الدول التي يقيم فيها المستفيدون، لإجراء الفحوص بصورة مباشرة وتقليل الاعتماد على الإجراءات الإدارية الطويلة.
كما يعتزم مواصلة الضغط داخل البرلمان للحصول على توضيحات بشأن أسباب استمرار هذه الثغرات لسنوات، ودور صناديق التأمين الصحي والمعهد الوطني للتأمين الصحي والعجز والوزارة في عدم معالجتها في وقت سابق.
وتبقى القضية مرتبطة بتحديين أساسيين: حماية حقوق الأشخاص الذين يستحقون تعويضات المرض فعلًا، وضمان استخدام أموال الضمان الاجتماعي بطريقة سليمة مع توفير رقابة فعالة وعادلة لجميع المستفيدين، سواء أقاموا داخل بلجيكا أو خارجها.
