إقتصاد

صدام بوشيه ودي ويفر يهدد الحكومة البلجيكية.. هل تتحول أزمة الميزانية إلى هزيمة سياسية؟

بلجيكا 24- لن يلقي رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر خطاب حالة الاتحاد هذا العام في موعده المقرر، بعدما فشل في توحيد مواقف أطراف الحكومة بشأن الميزانية الفيدرالية. ومع استمرار الخلافات، بدأت أجواء الأزمة تخيم على شارع القانون في بروكسل، مقر المؤسسات الحكومية، وسط مشهد يعيد إلى الأذهان المواجهات السياسية التي شهدتها البلاد العام الماضي.

وتتركز الأزمة مجددًا حول رفع ضريبة القيمة المضافة، في مواجهة مباشرة بين رئيس حزب الحركة الإصلاحية (MR)، جورج-لو بوشيه، ورئيس الوزراء بارت دي ويفر. لكن ما يجري هذه المرة يبدو أكثر حدة، مع تزايد غضب الأحزاب الأخرى من تمسك بوشيه بموقفه الرافض لأي زيادة.

رئيس CD&V يحذر من تعثر ميزانية بلجيكا: لا وقت للصراعات.. والأسواق تترقب

أزمة ضريبة القيمة المضافة تتكرر داخل حكومة دي ويفر

تكاد المفاوضات الحالية تتطابق مع المشهد الذي عرفته بلجيكا العام الماضي. فالنقاشات بشأن الميزانية لا تزال تصطدم بالعقبة نفسها: هل ينبغي رفع ضريبة القيمة المضافة لتوفير إيرادات إضافية للخزينة العامة؟

ويؤيد بارت دي ويفر هذا الإجراء، كما فعل العام الماضي، لأنه يرى فيه وسيلة لتحقيق أثر مالي سريع وملموس على الميزانية الفيدرالية.

لكن حزب الحركة الإصلاحية (MR) يرفض المقترح رفضًا قاطعًا، بينما لا يُظهر حزب «فورويت» (Vooruit) حماسًا كبيرًا له، وإن كان موقفه أقل صخبًا. وفي المقابل، يميل حزبا الديمقراطيين المسيحيين الفلمنكيين (CD&V) و«الملتزمون» (Les Engagés) إلى دعم موقف دي ويفر.

والفارق هذه المرة أن المواجهة أصبحت أكثر حدة من العام الماضي. فرفض بوشيه بات أكثر صرامة، في حين تصاعد استياء بقية الأحزاب من موقفه، إلى درجة أن الخلاف لم يعد يقتصر على تفاصيل الميزانية، بل أصبح يتعلق أيضًا بالعلاقة السياسية بين الشركاء داخل الحكومة.

حزب «الملتزمون» يصعّد المواجهة مع بوشيه

يظهر الغضب من موقف حزب MR بوضوح داخل حزب «Les Engagés»، إذ سبق لزعيمه ماكسيم بريفو أن اصطدم بتصلب الحزب نفسه في قضية تأشيرات الدخول الخاصة بـ13 طالبًا فلسطينيًا.

وكان وزير الخارجية البلجيكي قد نجح، بعد أسابيع من المناقشات، في التوصل إلى اتفاق مع حزب التحالف الفلمنكي الجديد (N-VA) بشأن هذه القضية، إلا أن حزب MR رفض الاتفاق.

والآن، يوجّه ماكسيم بريفو انتقاداته بصورة مباشرة إلى حليفه الحكومي، معتبرًا أن المشكلة الحقيقية داخل الحكومة لا تكمن في الميزانية أو ضريبة القيمة المضافة، بل في جورج-لوي بوشيه نفسه.

ويكشف هذا التصعيد عن اتساع دائرة الخلافات داخل الائتلاف الحاكم، بعدما أصبحت بعض الأحزاب ترى أن إصرار رئيس MR على مواقفه يعرقل التوصل إلى تسويات في ملفات تتجاوز الشأن المالي.

 

بوشيه يتمسك بالرفض ويحوّل الخلاف إلى معركة سياسية

في المقابل، لا يحاول جورج-لوي بوشيه إخفاء دوره في تعطيل التوافق بشأن رفع ضريبة القيمة المضافة، بل يدافع عنه علنًا، معتبرًا أن موقفه يمثل مواجهة لنهج سياسي يعتمد على زيادة الضرائب باستمرار.

وكتب رئيس حزب MR على شبكات التواصل الاجتماعي: «أنا بالفعل مشكلة بالنسبة إلى أولئك الذين يريدون التمسك بالسياسة القديمة: فرض المزيد والمزيد من الضرائب».

ويرى التحليل السياسي الذي يستند إليه المقال الفرنسي أن بوشيه يجني مكاسب سياسية من هذا الموقف. فهو يقدم نفسه باعتباره الطرف الذي يقف بمفرده في مواجهة بقية الأحزاب، ويعزز صورته كسياسي مناهض للضرائب، وأكثر يمينية من منافسيه، بمن فيهم بارت دي ويفر.

كما يسعى إلى الظهور في صورة المدافع عن القدرة الشرائية للمواطنين، وإلى ترسيخ موقعه بوصفه صاحب النفوذ السياسي الأكبر داخل الحكومة، حتى من دون تولي منصب رئيس الوزراء.

وبحسب هذا التحليل، فإن تشدد بوشيه بشأن ضريبة القيمة المضافة يؤدي أيضًا وظيفة سياسية أخرى، إذ يحجب النقاش عن التنازلات الضريبية التي وافق عليها حزبه خلال العامين الماضيين، بما في ذلك الضرائب على الأرباح الرأسمالية، ووضع سقف لفهرسة الأجور والمخصصات، إلى جانب مجموعة من الضرائب الجديدة.

وفي ظل الضغوط التي يواجهها الحزب في استطلاعات الرأي، يبدو رفض زيادة ضريبة القيمة المضافة وسيلة لاستعادة الدعم السياسي من خلال رسالة بسيطة ومباشرة تصل إلى شرائح واسعة من الناخبين.

ومن هذا المنطلق، قد يتحول قبول زيادة ضريبة القيمة المضافة بالنسبة إلى بوشيه إلى ما يشبه هزيمة سياسية كبرى، وهو ما يفسر صعوبة تراجعه عن موقفه.

ميزانية بلجيكا المتعثرة.. هل ترتفع الضرائب والقروض العقارية؟

هل أخطأ بارت دي ويفر في حساباته؟

لم يكن هذا السلوك السياسي مفاجئًا تمامًا بالنسبة إلى رئيس الوزراء، وفق قراءة المقال. فإذا كان دي ويفر يدرك منذ وقت مبكر طبيعة موقف بوشيه، فلماذا دخل في مواجهة كان من المتوقع أن تصل إلى طريق مسدود؟

يطرح التحليل احتمالين رئيسيين. الأول أن يكون دي ويفر قد تعمد تصعيد المفاوضات ورفع سقف المطالب، بهدف دفع حزب MR أو بقية الأحزاب إلى تقديم تنازلات إضافية تتيح التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية.

أما الاحتمال الثاني، فهو أن رئيس الوزراء قلل من تقدير مدى تشدد بوشيه واستعداده للمضي بعيدًا في رفض المقترح.

إذا صح الاحتمال الثاني، فقد يجد دي ويفر نفسه أمام انتكاسة سياسية كبيرة، خصوصًا إذا استمر الجمود وتعذر التوصل إلى تسوية في الوقت المناسب.

من واترلو إلى بيريزينا.. هل يضيق طريق التسوية؟

يحمل عنوان التحليل الفرنسي إشارة تاريخية إلى معركتي واترلو وبيريزينا، في استعارة ترمز إلى الهزيمة والتراجع الشديد. فواترلو ارتبطت بهزيمة نابليون النهائية عام 1815، بينما ارتبطت بيريزينا بالانسحاب الكارثي للجيش الفرنسي خلال الحملة الروسية عام 1812.

ويستخدم الكاتب هذه الإشارات لوصف المأزق السياسي الذي قد يواجه بارت دي ويفر إذا فشل في تجاوز رفض بوشيه والتوصل إلى اتفاق يرضي شركاء الائتلاف.

وبين خطر الهزيمة السياسية وتكاليف استمرار الأزمة، يبدو مجال التسوية أضيق من أي وقت مضى. فالحكومة مطالبة بإيجاد موارد مالية إضافية وضبط الميزانية، بينما يتمسك أحد أبرز شركائها برفض الإجراء الذي يراه رئيس الوزراء ضروريًا لتحقيق نتائج سريعة.

ويبقى السؤال المطروح: هل يتمكن دي ويفر من انتزاع تنازلات تفتح الطريق أمام اتفاق، أم تتحول أزمة الميزانية إلى مواجهة سياسية تهدد تماسك الحكومة الفيدرالية البلجيكية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!