إقتصاد

ميزانية بلجيكا المتعثرة.. هل ترتفع الضرائب والقروض العقارية؟

بلجيكا 24- أعلن رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، مساء الأحد، أنه لن يلقي خطاب حالة الاتحاد يوم الثلاثاء، في ظل استمرار الخلافات داخل الحكومة الفيدرالية بشأن الميزانية، ولا سيما الملفات المتعلقة بضريبة القيمة المضافة (TVA)، وفهرسة الأجور والمخصصات وفق التضخم، والرعاية الصحية.

ويأتي هذا التعثر في وقت تحتاج فيه بلجيكا إلى اتفاق بشأن الميزانية للحفاظ على ثقة الأسواق المالية الدولية، التي تترقب خطوات واضحة لإعادة التوازن إلى المالية العامة للبلاد. ومع تضاؤل الوقت المتاح أمام الحكومة، تزداد المخاوف من أن يتحمل المواطنون في نهاية المطاف تكلفة استمرار الخلافات السياسية.

فما الذي قد يحدث إذا فشلت الحكومة في التوصل إلى اتفاق؟ وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على الضرائب والقروض العقارية والقدرة الشرائية للأسر البلجيكية؟

لماذا تأخر الاتفاق على ميزانية بلجيكا؟

جرت العادة على أن تُستكمل الميزانية الفيدرالية البلجيكية بحلول الثلاثاء الثاني من شهر أكتوبر، بالتزامن مع الخطاب التقليدي لرئيس الوزراء بشأن حالة الاتحاد.

لكن حكومة «أريزونا»، التي كانت قد تولت مهامها حديثًا العام الماضي، لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية قبل نهاية نوفمبر. وكان ذلك متأخرًا جدًا لإقرار جميع التدابير المعنية قبل نهاية العام، وبالتالي توفير ميزانية متكاملة للعام التالي.

ونتيجة لذلك، اضطرت الحكومة إلى العمل وفق نظام يُعرف باسم «الاعتمادات المؤقتة» أو «الأجزاء الاثني عشر المؤقتة» (Douzièmes provisoires)، وهو نظام تحصل بموجبه كل وزارة شهريًا على ميزانية تعادل جزءًا واحدًا من اثني عشر جزءًا من ميزانية العام السابق.

ويُعد هذا الوضع غير مرغوب فيه، لأنه يحد من قدرة الحكومة على إطلاق استثمارات جديدة، ويعرقل تنفيذ المشاريع العامة، ويؤخر الإصلاحات الهيكلية التي تحتاج إليها البلاد.

وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية بحلول نهاية أكتوبر، فقد تضطر الحكومة إلى تكرار هذا السيناريو.

وفي هذا السياق، حذر ديف سينارديت، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بروكسل الحرة الناطقة بالهولندية (VUB)، من أن المواطنين البلجيكيين يجب أن يشعروا بالقلق منذ الآن.

وأوضح سينارديت أن الوضع المالي للبلاد يثير مشكلات حقيقية، رغم أن فكرة تحقيق التوازن في الميزانية قد تبدو مسألة نظرية بالنسبة إلى كثيرين، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي ستكون له تكلفة يتحملها الجميع.

بلجيكا تحت مراقبة وكالات التصنيف الائتماني

لا تقتصر مخاطر غياب الاتفاق على تعطيل عمل الحكومة، بل قد تمتد إلى ثقة الجهات التي تقرض الدولة الأموال، وكذلك وكالات التصنيف الائتماني التي تقيّم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.

ففي حال تراجع الثقة في قدرة بلجيكا على ضبط ميزانيتها، قد ترتفع أسعار الفائدة في الأسواق المالية، ما يزيد تكلفة الاقتراض على الدولة، وقد ينعكس لاحقًا على الأسر والشركات.

وقال باسكال ديلويت، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الحرة ببروكسل (ULB)، إن انخفاض الثقة يؤدي إلى تراجع الاستهلاك والاستثمارات، وهو ما يزيد بدوره صعوبة معالجة العجز في الميزانية.

وقد يكون لأي خفض محتمل في التصنيف الائتماني تأثير متسلسل على المواطنين، خصوصًا فيما يتعلق بالقروض العقارية. فعندما تضطر الدولة إلى الاقتراض بأسعار فائدة أعلى، يمكن أن تنقل البنوك جزءًا من هذه الزيادة إلى العملاء، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل العقاري.

«يجب على البلجيكيين أن يشعروا بالقلق منذ الآن».

— ديف سينارديت، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بروكسل الحرة الناطقة بالهولندية (VUB).

وأشار باسكال ديلويت إلى أن الصعوبات التي واجهتها الحكومة العام الماضي في إعداد الميزانية لم تقتصر على عدم احترام الموعد المحدد في أكتوبر، بل امتدت إلى نهاية ديسمبر، عندما لم تكن الحكومة قد تمكنت من استكمال الاتفاق المطلوب.

وأضاف أن هذا التأخير أعطى انطباعًا بوجود حالة من الفوضى داخل الحكومة الفيدرالية، وأثار تساؤلات بشأن قدرة رئيس الوزراء على إدارة الملف المالي.

وحذر من أن تكرار الوضع نفسه هذا العام قد يعزز هذه الصورة السلبية، في مفارقة تتمثل في أن الحكومة تحتاج إلى استعادة ثقة الأسواق، بينما تؤدي خلافاتها الداخلية إلى إضعاف هذه الثقة.

كما أن التأخر في تنفيذ القرارات وغياب مسار واضح للميزانية قد يترتب عليهما ثمن اقتصادي مرتفع. ووفقًا للمادة الأصلية، قُدّرت الخسائر المحتملة الناجمة عن حالات الجمود السياسي السابقة بما يصل إلى 1.7 مليار يورو.

اتفاق الميزانية أو غيابه.. المواطنون أمام خيارين صعبين

سواء توصلت حكومة أريزونا إلى اتفاق بشأن الميزانية أم فشلت في ذلك، فإن المواطنين البلجيكيين قد يجدون أنفسهم أمام سيناريوهين لا يخلو أي منهما من الأعباء المالية.

السيناريو الأول: اتفاق حكومي وضرائب محتملة

إذا نجحت الأحزاب المشاركة في الحكومة في التوصل إلى اتفاق، فقد تظهر التدابير المالية المطلوبة بصورة مباشرة في حياة المواطنين، سواء من خلال زيادة ضريبة القيمة المضافة (TVA) أو عبر إصلاحات ضريبية تتضمن ضرائب ورسومًا أخرى محددة، مثل الرسوم غير المباشرة والضرائب الانتقائية على بعض المنتجات.

وتُعد ضريبة القيمة المضافة إحدى أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات الحالية، إذ تثير مقترحات تعديلها توترًا سياسيًا بشأن تأثيرها على المستهلكين وتكلفة المعيشة.

وفي المقابل، قد يساعد التوصل إلى اتفاق على استعادة ثقة الأسواق المالية، ويحد من خطر اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في مواجهة التدهور المحتمل في الوضع المالي للبلاد.

السيناريو الثاني: استمرار الخلافات وارتفاع تكلفة الاقتراض

أما إذا لم تتوصل الحكومة إلى اتفاق، فقد يواجه المواطنون ما يمكن وصفه بـ«الضريبة غير المرئية»، أي الأعباء التي قد تنتقل إليهم بصورة غير مباشرة نتيجة رد فعل الأسواق المالية.

وقد تشمل هذه الأعباء ارتفاع تكلفة القروض العقارية، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار تأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية، بما قد يضعف الاقتصاد البلجيكي أكثر.

وبذلك، قد يجد المواطن نفسه أمام تكاليف إضافية حتى في غياب قرار حكومي مباشر بزيادة ضريبة محددة، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجع الاستثمار والثقة الاقتصادية يمكن أن تؤثر في ميزانية الأسرة وسوق العمل.

كيف يمكن لبلجيكا استعادة التوازن في ميزانيتها؟

تواجه بلجيكا تحديًا ماليًا كبيرًا في ظل اقتراب الدين العام من 110% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما ورد في التقرير الأصلي.

ويرى باسكال ديلويت أن زيادة الإيرادات الضريبية قد تكون من الوسائل التي يصعب على الحكومة تجنبها لإعادة ضبط المالية العامة، سواء من خلال الضرائب المباشرة أو غير المباشرة.

وأوضح أن من الصعب تصور عودة البلاد إلى التوازن المالي دون زيادة بعض الضرائب أو الإيرادات في مجال واحد على الأقل، سواء تعلق الأمر بضريبة القيمة المضافة أو الضرائب الانتقائية أو الإيرادات الضريبية المباشرة.

من جانبه، اعتبر ديف سينارديت أن العودة إلى التوازن في الميزانية ستكون خطوة في الاتجاه الصحيح، مشيرًا إلى أن الأسواق الدولية تنتظر إشارة واضحة من بلجيكا تؤكد جديتها في ترتيب أوضاعها المالية.

وشدد على أن القوى السياسية تتحمل مسؤولية التوصل إلى اتفاق، معتبرًا أن ذلك يصب في مصلحة الجميع، ولا سيما المواطنين البلجيكيين الذين قد يتحملون نتائج استمرار الأزمة.

ماذا يعني ذلك للمواطنين في بلجيكا؟

لا يعني تأخر الاتفاق على الميزانية بالضرورة أن الضرائب سترتفع فورًا أو أن جميع القروض العقارية ستصبح أكثر تكلفة. فذلك يعتمد على القرارات التي ستتخذها الحكومة، وتطورات الأسواق المالية، ومدى تأثيرها على أسعار الفائدة التي تعتمدها البنوك.

لكن استمرار الخلافات لفترة طويلة قد يزيد حالة عدم اليقين بشأن السياسة المالية، ويؤخر الاستثمارات والإصلاحات، ويجعل معالجة العجز أكثر صعوبة.

وبالنسبة إلى الأسر، فإن أبرز الأمور التي تستحق المتابعة هي أي تغييرات محتملة في ضريبة القيمة المضافة، والضرائب الانتقائية، وفهرسة الأجور والمخصصات، وتمويل الرعاية الصحية، إلى جانب تطورات أسعار الفائدة على القروض العقارية.

وفي انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات، يبقى التحدي الأساسي أمام الحكومة البلجيكية هو التوفيق بين ضرورة ضبط المالية العامة، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان استمرار تمويل الخدمات العامة.

فالتوصل إلى اتفاق لا يتعلق فقط بالأرقام والحسابات الحكومية، بل أيضًا بقدرة بلجيكا على الحفاظ على ثقة الأسواق وتجنب تحميل المواطنين تكاليف اقتصادية إضافية في المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!