تحقيقات وتقارير

14 ضحية للعنف الجنسي يوميًا في بلجيكا.. أرقام تكشف حجم المشكلة

بلجيكا 24- تستقبل مراكز رعاية ضحايا العنف الجنسي في بلجيكا أعدادًا متزايدة من الأشخاص الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية، إذ لجأ إليها نحو 5 آلاف ضحية خلال عام 2025، أي ما يقارب 14 شخصًا يوميًا.

وتشكل النساء الغالبية العظمى من الحالات، لكن الأرقام تخفي وراءها قصصًا مؤلمة لأطفال ومراهقين وكبار في السن، وهو ما تكشفه شهادات العاملين في مراكز رعاية ضحايا العنف الجنسي (CPVS).

وتقول موظفتان تعملان في هذه المراكز، وهما القابلة ليسبت بوليسن والأخصائية النفسية هانا فان دينينغن، إن الحالات التي تصل إليهما تكشف أحيانًا عن اعتداءات ارتكبها أشخاص من محيط الضحية نفسها.

ضحايا تتراوح أعمارهم بين عامين و87 عامًا

شهدت أعداد الأشخاص الذين يلجأون إلى مراكز CPVS ارتفاعًا مستمرًا خلال السنوات الماضية، ويرتبط ذلك جزئيًا بزيادة معرفة المواطنين بوجود هذه المراكز والخدمات التي تقدمها.

وتشير أحدث الأرقام إلى أنه خلال الفترة الممتدة من 2017 إلى 2025، استفاد أكثر من 22,500 شخص من خدمات هذه المراكز. وفي عام 2025 وحده، بلغ العدد نحو 5 آلاف ضحية، أي بمعدل يقارب 14 شخصًا كل يوم.

وفي نحو 9 حالات من أصل 10 تكون الضحية امرأة، بينما يبلغ متوسط عمر الضحايا حوالي 24 عامًا.

وتوضح ليسبت بوليسن، التي تعمل منذ ثلاث سنوات ونصف منسقة لمركز CPVS في ليمبورغ، أن أصغر ضحية استقبلها المركز كانت تبلغ من العمر عامين فقط، فيما بلغ عمر أكبر ضحية 87 عامًا.

وفي 62% من الحالات، تكون الضحية على معرفة بالمعتدي. وترتفع هذه النسبة كلما كان عمر الضحية أصغر، خصوصًا في حالات الاعتداء على الأطفال والمراهقين داخل محيط الأسرة.

وتشير بوليسن إلى أن بعض الحالات تتعلق بأطفال تعرضوا للاعتداء من أشخاص يفترض أن يكونوا مصدرًا للأمان، مثل زوج الأم أو الأخ غير الشقيق أو الجد غير البيولوجي، وهو ما يجعل بعض القصص شديدة الصعوبة على العاملين في هذه المراكز.

اعتداءات داخل المحيط القريب للضحية

وتروي بوليسن مثالًا عن طفلة صغيرة أخبرت صديقة لوالدتها، تعمل في أحد المستشفيات، بما تعرضت له. وبعد ذلك اصطحبتها تلك المرأة إلى المركز للحصول على المساعدة.

ولا تقتصر الحالات على الاعتداءات داخل الأسرة، إذ تستقبل المراكز أيضًا مراهقين يتعرضون للاستدراج عبر الإنترنت. ومن بين الحالات التي يواجهها العاملون، مراهقون تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عامًا يتعرفون إلى أشخاص عبر تطبيقات التواصل، ويتبادلون معهم الرسائل قبل الاتفاق على لقاء، ليكتشفوا عند وصولهم أن الشخص الذي ينتظرهم أكبر بكثير مما توقعوا.

وتؤكد الأخصائية النفسية هانا فان دينينغن، التي تعمل في مركز CPVS بمدينة غنت منذ سبع سنوات، أن أصعب الحالات بالنسبة إليها هي تلك التي تتعلق بأطفال في السادسة أو السابعة أو الثامنة من العمر، بعدما تعرضوا لاعتداءات بالغة الخطورة.

وتوضح أن المعتدي يكون في كثير من الأحيان شخصًا من محيط الطفل، مثل أحد أفراد الأسرة أو جار أو مدرس أو شخص في نادٍ رياضي. وفي بعض الحالات، يتم توجيه الأطفال إلى المركز من خلال المدارس أو أطباء الأسرة.

ورغم صعوبة هذه القصص، تقول فان دينينغن إنها تستطيع ترك العمل خلفها عند عودتها إلى المنزل، بفضل الدعم المتبادل بين أعضاء الفريق، لكنها تؤكد أنها تبقى دائمًا في حالة يقظة وانتباه.

العنف الجنسي يترك آثارًا نفسية عميقة

أكثر من نصف الحالات التي تصل إلى هذه المراكز تتعلق بالاغتصاب، بينما تشمل الحالات الأخرى اعتداءات على السلامة الجنسية، مثل اللمس غير المرغوب فيه.

وتشير بوليسن إلى أن القانون يميز بين أنواع مختلفة من الاعتداءات من الناحية الجنائية، لكن الأثر النفسي للضحية قد يكون بالغًا في جميع الحالات.

«أول شيء نفعله عندما تصل الضحية هو طمأنتها والتأكد من أنها تشعر بالأمان».

ليسبت بوليسن

وفي مركز ليمبورغ، تستقبل الفرق بشكل خاص عددًا كبيرًا من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و22 عامًا. وترتبط بعض الحالات بمرحلة المراهقة والشباب التي تشهد تجارب اجتماعية وعاطفية جديدة، فيما يمكن أن يؤدي استهلاك الكحول أو المخدرات إلى زيادة تعرض بعض الشباب للخطر.

وبالرغم من أن متوسط عمر الضحايا يبلغ 24 عامًا، فإن عدد طلاب التعليم العالي والجامعات الذين يصلون إلى المركز أقل مما قد يتوقعه البعض. وتقول بوليسن إن المركز يستقبل أشخاصًا من هذه الفئة العمرية أيضًا، لكن كثيرًا منهم يكونون في أوضاع هشة، مثل الشباب الذين تركوا الدراسة أو بدأوا العمل في سن مبكرة.

كما أن بعض الضحايا لديهم تاريخ سابق مع مشكلات نفسية أو تعاطي مواد مخدرة، بينما لا تظهر في المركز أعداد كبيرة من الأشخاص ذوي المؤهلات التعليمية العالية، دون أن يكون لدى العاملين تفسير واضح لهذا الأمر.

مركز متخصص متاح مجانًا على مدار الساعة

يمكن لضحايا العنف الجنسي التوجه إلى مراكز CPVS مجانًا وعلى مدار 24 ساعة، حيث يتم جمع مختلف أنواع المساعدة في مكان واحد، بدل اضطرار الضحية إلى التنقل بين عدة مؤسسات.

وتضم الفرق ممرضين وقابلات وأخصائيين نفسيين ومنسقًا طبيًا، وجميعهم تلقوا تدريبًا متخصصًا في التعامل الطبي والجنائي مع حالات العنف الجنسي. وعندما يتعلق الأمر بالأطفال، يشارك طبيب أطفال مرتبط بالمستشفى في عملية الرعاية.

«في أكثر من 60% من الحالات، تقدم الضحايا بلاغًا للشرطة».

هانا فان دينينغن

الضحية هي من تقرر ما سيحدث

عند وصول الضحية إلى المركز، تستقبلها أولًا ممرضة متخصصة في الطب الشرعي. وتكون الأولوية لطمأنتها والتأكيد لها بأن جميع خطوات الرعاية ستتم بموافقتها.

وتوضح بوليسن أن الضحية هي التي تقرر نطاق الرعاية التي تريد الحصول عليها، وأنه لن يتم القيام بأي إجراء ضد إرادتها.

كما أن هذه المراكز تخضع لضوابط أمنية، ولا يُسمح لأي شخص بالدخول إليها دون تصريح.

الفحص الطبي وجمع الأدلة

بعد المقابلة الأولية، يبدأ التقييم الطبي، والذي قد يشمل علاج الإصابات، والفحص للكشف عن الأمراض المنقولة جنسيًا، وإجراء تحاليل الدم والبول، والتطعيمات عند الحاجة، إضافة إلى اختبارات الحمل وجمع عينات الطب الشرعي للبحث عن آثار الحمض النووي.

وتؤكد فان دينينغن أن الساعات الـ72 الأولى بعد الاعتداء مهمة للغاية بالنسبة إلى جمع الأدلة والعناية الطبية، مشيرة إلى أن رفض الضحايا أخذ العينات أمر نادر.

هل يجب تقديم بلاغ للشرطة فورًا؟

لا تُجبر الضحية على تقديم شكوى، إذ يمكنها اتخاذ القرار بنفسها. ووفق العاملين في المراكز، تقدم أكثر من 60% من الضحايا بلاغًا.

وبالنسبة إلى البالغين، يمكن تقديم الشكوى داخل المركز، حيث يكون مفتشو الشرطة المتخصصون في قضايا العنف الجنسي متاحين دائمًا.

أما القاصرون، فيتوجهون إلى مركز الشرطة لإجراء جلسة استماع خاصة تعرف باسم TAM، وهي تقنية مخصصة للاستماع إلى القاصرين وتسجيل شهاداتهم بالصوت والصورة.

وفي الحالات التي يكون فيها الضحية بالغًا، توجد من حيث المبدأ مهلة عام واحد لاتخاذ قرار بشأن تقديم الشكوى. وخلال هذه الفترة، يمكن الاحتفاظ بالعينات التي جُمعت في مجمدات مخصصة، بحيث تظل متاحة إذا قررت الضحية لاحقًا تقديم بلاغ.

أما بالنسبة إلى القاصرين، فيمكن الاحتفاظ بالعينات لمدة تصل إلى 50 عامًا.

الإجراء يستغرق نحو ست ساعات

تستغرق العملية بأكملها حوالي ست ساعات، لكن هذه المراكز لا توفر إمكانية المبيت فيها.

وبالتالي، إذا وصلت الضحية في ساعات المساء، فعليها مغادرة المركز خلال الليل بعد انتهاء الإجراءات. وتقول بوليسن إن العاملين يواصلون في كثير من الأحيان متابعة بعض الملفات حتى وقت متأخر من الليل.

ولا تنتهي المساعدة بانتهاء الزيارة الأولى، إذ تحرص الفرق على توفير متابعة للضحايا لمدة ستة أشهر على الأقل، رغم أن هذه الفترة قد لا تكون كافية دائمًا لمساعدة الشخص على تجاوز آثار ما تعرض له بشكل كامل.

ثلاثة مراكز جديدة ستضاف إلى الشبكة

تضم بلجيكا حاليًا 10 مراكز متخصصة في استقبال ضحايا العنف الجنسي، ومن المنتظر أن تنضم إليها ثلاثة مراكز أخرى خلال الخريف، في مناطق هال-فيلفورد وتورناي وأوتيني.

وترى ليسبت بوليسن وهانا فان دينينغن أن الأرقام الحالية لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، وتؤكدان أن الحالات التي تصل إلى المراكز ليست سوى «الجزء الظاهر من جبل الجليد»، ما يعني أن عدد الضحايا الذين لا يطلبون المساعدة قد يكون أكبر بكثير.

جهات يمكن اللجوء إليها للحصول على المساعدة

يمكن لأي شخص لديه أسئلة أو مخاوف تتعلق بالاعتداءات أو الإساءة إلى القاصرين التواصل مجانًا وبشكل مجهول مع خدمة Tele-Accueil على الرقم 107.

كما يمكن لمن لديه مخاوف بشأن وضعه الشخصي أو وضع شخص قريب منه التواصل مجانًا وبشكل مجهول مع خدمة Stop it Now على الرقم 080014112.

وتتوفر قائمة مراكز رعاية ضحايا العنف الجنسي في بلجيكا عبر الموقع الرسمي لهذه المراكز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!