بلجيكا 24- قد يصبح السفر بالقطار بين دول أوروبا أسهل بكثير خلال السنوات المقبلة، بعدما كشفت المفوضية الأوروبية عن خطة جديدة تهدف إلى إطلاق نظام “رحلة واحدة.. تذكرة واحدة”، وهو مشروع يسعى لتبسيط الرحلات الدولية بالقطار وجعلها أقرب في سهولتها إلى حجز رحلات الطيران.
ويأتي هذا التوجه في وقت يواجه فيه ملايين المسافرين في أوروبا صعوبات متكررة عند محاولة التنقل بالقطار بين عدة دول، بسبب اختلاف شركات التشغيل، وتعدد مواقع الحجز، وتباين شروط التعويض والاسترجاع عند حدوث تأخير أو إلغاء.
السفر بالقطار في أوروبا ما زال معقدًا بالنسبة للكثيرين
رغم أن أوروبا تمتلك واحدة من أكبر شبكات السكك الحديدية في العالم، إلا أن تجربة الحجز ما زالت بعيدة عن البساطة التي توفرها شركات الطيران منخفضة التكلفة. فالمسافر الذي يريد الانتقال من بروكسل إلى ميلانو أو من باريس إلى برلين قد يجد نفسه مضطرًا لاستخدام عدة مواقع إلكترونية، والتعامل مع أكثر من شركة نقل، والحصول على تذاكر منفصلة لكل جزء من الرحلة.
هذا التعقيد لا يقتصر فقط على عملية الحجز، بل يمتد أيضًا إلى متابعة الرحلة نفسها، خاصة في حالات التأخير أو ضياع المواصلات بين القطارات المختلفة، حيث تختلف القوانين من دولة إلى أخرى ومن شركة إلى أخرى.
المفوضية الأوروبية تريد إطلاق نظام “رحلة واحدة.. تذكرة واحدة”
المشروع الجديد الذي يقوده مفوض النقل الأوروبي “أبوستولوس تزيتزيكوستاس” يهدف إلى إنشاء نظام موحد يسمح للمسافر الأوروبي بحجز رحلته الدولية بالكامل عبر تذكرة واحدة فقط، حتى لو كانت الرحلة تشمل عدة شركات وبلدان مختلفة.
وبحسب المفوضية الأوروبية، فإن الهدف لا يقتصر على تسهيل الحجز فقط، بل يشمل أيضًا تحسين حماية المسافرين، وتوحيد المعلومات، وتوفير شفافية أكبر بشأن الأسعار والخيارات المتاحة.
وإذا تم اعتماد المشروع، فقد يتمكن المسافر مستقبلاً من التخطيط الكامل لرحلته الأوروبية عبر منصة واحدة، مع معرفة جميع تفاصيل التنقل والتعويضات المحتملة مسبقًا.
لماذا يبدو حجز الطيران أسهل من القطار؟
في الوقت الحالي، يستطيع أي شخص تقريبًا حجز رحلة طيران أوروبية خلال دقائق عبر تطبيقات أو مواقع معروفة، بينما يبقى السفر الدولي بالقطار أقل وضوحًا بالنسبة للكثير من الناس.
خبراء قطاع السفر يرون أن المشكلة لا تتعلق بضعف شبكة القطارات، بل بطريقة عرض الخدمات للمستخدمين. فالكثير من الأوروبيين لا يدركون أصلًا حجم الخيارات المتوفرة للسفر بالقطار نحو مدن سياحية وشواطئ أوروبية مختلفة.
كما أن بعض المنصات الحالية لا تعرض جميع الشركات المنافسة، بل تكتفي أحيانًا بشركات وطنية معينة، وهو ما يحدّ من تنوع الخيارات المتاحة أمام المسافر.
مشكلة التذاكر المتعددة والربط بين الرحلات
حتى المنصات الأوروبية الحالية التي تسمح بحجز رحلات دولية ما زالت تعتمد غالبًا على إصدار عدة تذاكر منفصلة داخل عملية شراء واحدة. وهذا يعني أن المسافر قد يدفع مرة واحدة، لكنه يحصل فعليًا على عدة وثائق نقل مختلفة.
المشكلة الأكبر تظهر عند حدوث اضطرابات على خطوط السكك الحديدية، مثل التأخير أو إلغاء أحد القطارات. ففي بعض الحالات، قد يخسر المسافر القطار التالي بسبب تأخر الرحلة الأولى، دون أن يحصل تلقائيًا على حماية موحدة أو تعويض واضح.
كما انتقد بعض المختصين وجود رحلات تتضمن فترات انتقال قصيرة جدًا بين القطارات، أحيانًا لا تتجاوز بضع دقائق، ما يجعل احتمال ضياع الرحلة مرتفعًا خصوصًا في الدول التي تعاني من مشاكل تشغيلية متكررة.
حماية أكبر للمسافرين في حال التأخير أو الإلغاء
أحد أهم أهداف المشروع الأوروبي الجديد يتمثل في تعزيز حقوق الركاب عند حدوث مشاكل خلال الرحلة.
ففي الوضع الحالي، تختلف سياسات التعويض بشكل كبير بين الدول الأوروبية. بعض الشركات تعوض كامل قيمة التذكرة بعد فترة تأخير معينة، بينما تكتفي شركات أخرى بتعويضات محدودة.
أما النظام الجديد المقترح، فيهدف إلى منح المسافر حماية موحدة تشمل:
- المساعدة أثناء الرحلة
- إعادة توجيه المسافر إلى رحلة بديلة
- استرداد الأموال عند الضرورة
- تعويضات أو indemnisation في حالات التأخير الكبيرة
ويرى كثير من المسافرين أن هذه النقطة تحديدًا قد تشجع عددًا أكبر من الناس على اختيار القطار بدل الطائرة، خاصة في الرحلات الأوروبية القصيرة والمتوسطة.
البعد البيئي وراء المشروع الأوروبي
لا تخفي المفوضية الأوروبية أن لهذه الخطة بعدًا بيئيًا مهمًا أيضًا. فالقطارات تُعتبر من أكثر وسائل النقل صداقة للبيئة مقارنة بالطيران والسيارات، إذ تمثل السكك الحديدية نسبة ضئيلة جدًا من انبعاثات الغازات الدفيئة في قطاع النقل الأوروبي.
وتسعى بروكسل من خلال هذا المشروع إلى جعل القطار خيارًا أكثر جاذبية للمواطنين الأوروبيين، في إطار سياسة أوسع تهدف إلى تقليل الانبعاثات الكربونية وتشجيع وسائل النقل المستدامة.
وتأمل المفوضية أن يؤدي النظام الجديد إلى زيادة حركة النقل بالقطارات داخل أوروبا بنسبة تصل إلى 5% خلال السنوات المقبلة.
هل سيتم اعتماد المشروع فعلاً؟
رغم الحماس الذي يحيط بالمبادرة، إلا أن المشروع لا يزال بحاجة إلى موافقة مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي قبل دخوله حيز التنفيذ.
كما أن تطبيق نظام موحد بين عشرات شركات السكك الحديدية الأوروبية قد يواجه تحديات تقنية وتجارية وقانونية معقدة، خاصة مع اختلاف أنظمة الحجز والبنية الرقمية بين الدول.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن الضغط المتزايد من المسافرين والرغبة الأوروبية في دعم النقل المستدام قد يدفعان نحو تسريع هذه الإصلاحات خلال المرحلة المقبلة.
