تحقيقات وتقارير

ضرب واحتجاز وإصابات.. شهادات جديدة تضع الشرطة البلجيكية في قلب اتهامات بالعنف خلال المظاهرة الوطنية

بلجيكا 24- تتزايد الشهادات التي تتحدث عن ممارسات عنيفة من جانب الشرطة البلجيكية، إلى جانب اتهامات بعدم احترام بعض القواعد خلال المظاهرة الوطنية التي شهدتها بروكسل يوم الجمعة الماضي، احتجاجًا على إجراءات حكومة «أريزونا». وفي المقابل، دعت الشرطة إلى التعامل بحذر مع مقاطع الفيديو والشهادات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن المقاطع المنفردة لا تكشف بالضرورة السياق الكامل للتدخلات الأمنية.

وبين شهادات متظاهرين، وتحذيرات منظمات حقوقية، وردود الشرطة، تتصاعد المطالب بتوضيح ما حدث ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات تثبت صحتها.

معلمة بلجيكية تروي تفاصيل احتجازها: «لم أعد أستوعب ما حدث»

احتاجت بولين، وهي معلمة من بروكسل، إلى عدة أيام قبل أن تقرر نشر شهادتها على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما وجدت نفسها وسط أحداث لم تتوقع أن تتخذ هذا المنحى خلال المظاهرة المناهضة لإجراءات حكومة أريزونا.

وفي شهادة نشرتها يوم الخميس عبر فيسبوك، قالت إنها تعرضت للغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه خلال المظاهرة، موضحة أنها كانت، في حدود الساعة 15:50، تتأكد من خلو الأرض من المقذوفات حتى لا يصاب أحد، وتحاول إقناع الشباب المحيطين بها بعدم تصعيد المواجهة، كما كانت تحمي امرأة مرتبكة من التعرض لرش المياه دون إنذار مسبق.

وأضافت أنه بعد خمس دقائق فقط، حاصرها نحو 30 شرطيًا يرتدون ملابس مكافحة الشغب، قبل أن تجد نفسها قرابة الساعة الرابعة عصرًا، قرب المبنى رقم 20 في شارع الإمبراطور، وسط ما يُعرف أمنيًا بتكتيك «الحصار» أو «الفخ الشرطي»، حيث يُطوّق الأشخاص ويُمنعون من المغادرة.

وتقول بولين إن ما أعقب ذلك شمل تقييد حريتها وتفتيشها جسديًا، وإجبارها على الجلوس في مجرى تصريف المياه، ثم تكبيلها بالأصفاد واحتجازها في زنزانة.

وتضيف أنها كانت المرأة البالغة الوحيدة بين نحو 20 مراهقًا، كانوا مرهقين ومتوترين بعد المواجهات، مشيرة إلى أنهم حاولوا مساندة بعضهم بعضًا، وتبادلوا النكات، وتحملوا البرد والعطش، وحفظوا أرقام هواتفهم عن ظهر قلب حتى يتمكنوا من الاطمئنان على بعضهم في اليوم التالي.

ولم تُفرج الشرطة عن بولين إلا عند الساعة 23:55، أي بعد نحو ثماني ساعات من احتجازها، وفق روايتها.

وقالت في شهادتها إنها تحاول، إلى جانب الشباب الذين احتُجزوا معها، فهم ما جرى والتعامل مع تجربة وصفتها بأنها صادمة ومثيرة للغضب وغير عادلة، رغم اختلاف أسباب وجود كل منهم في المكان والنتائج التي ترتبت على ما حدث.

وأكدت أنها لا تريد إثارة الشفقة، بل تريد أن يعرف الناس ما حدث، معلنة عزمها تقديم شكوى إلى اللجنة الدائمة لمراقبة أجهزة الشرطة، المعروفة باسم «اللجنة P»، وهي الهيئة المكلفة بمراقبة أداء الشرطة في بلجيكا.

وأضافت أن محاولات إسكات المتضررين أو دفعهم إلى الاختباء وعدم المشاركة مجددًا لن تحقق هدفها.

بولين: ما صدمني أكثر هو تطبيع العنف

وفي تصريحات لقناة BX1 يوم الجمعة، أوضحت بولين أن نشر شهادتها كان مهمًا بالنسبة إليها، لأنه يكشف الطريقة التي يُعامل بها الأشخاص في الفضاء العام من جانب قوات الأمن.

وأعربت عن استيائها من التشكيك في روايتها من جانب أشخاص لم يكونوا حاضرين ولم يعيشوا ما حدث، معتبرة أن التقليل من مصداقية شهادات المتضررين يزيد من صعوبة التعامل مع التجربة.

لكن أكثر ما أثار صدمتها، بحسب قولها، هو التعامل مع العنف باعتباره أمرًا عاديًا، مشيرة إلى أن ما تعرض له الشباب من أصول عرقية مختلفة، ممن شاركوا في المظاهرة لإيصال رسالة، يثير لديها شعورًا عميقًا بالذهول.

وأضافت أن الحديث عما حدث يمثل بالنسبة إليها وسيلة لفهم التجربة المؤلمة ومعالجتها، فضلًا عن محاولة تحويلها إلى قضية تستحق الاهتمام.

رابطة حقوق الإنسان تتلقى شهادات عن ضرب شباب وقاصرين

لم تكن شهادة بولين الوحيدة التي ظهرت بعد المظاهرة. فقد أعلنت رابطة حقوق الإنسان البلجيكية (LDH) تلقيها عدة إفادات خلال الأيام الأخيرة، تتحدث عن تعرض أشخاص، خصوصًا من الشباب، لاعتداءات جسدية وصفتها بالعنيفة.

وقال مدير الرابطة، بيير-أرنو بيروتي، إن بعض الشباب تعرضوا للضرب والإهانات في الشوارع، بل إن شهادات أشارت إلى وقوع اعتداءات داخل سيارات الشرطة أيضًا. وأضاف أن بعض الأشخاص الذين تحدثوا عن تعرضهم للعنف لم يكونوا مشاركين أصلًا في المظاهرة.

وأعرب بيروتي عن قلقه من أن يكون عدد من المتضررين قاصرين وصغار السن، مؤكدًا أن التعامل مع هذه الفئة يفترض اتخاذ احتياطات خاصة واحترام قواعد إضافية لحمايتها.

وتسلط هذه الشهادات الضوء على ضرورة التحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وضمان حماية الحق في التظاهر السلمي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين.

شهادات عن إصابات بالهراوات وعمليات جراحية

من جهته، أعلن جهاز حقوق الشباب (SDJ) أنه تلقى أيضًا إفادات من شباب قالوا إنهم تعرضوا للعنف خلال الأحداث الأخيرة، فيما يواصل تقديم المساعدة الاجتماعية والقانونية عبر الهاتف وبمواعيد مسبقة.

وأوضح مدير الجهاز في بروكسل، بيير-إيف روسيه، أن بعض الشهادات تحدثت عن تعرض شباب تتراوح أعمارهم بين 17 و18 عامًا لضربات بالهراوات على مستوى الوجه.

وأشار إلى أن أحد الشباب تواصل مع الجهاز مباشرة من قسم الطوارئ، بينما اضطر شاب آخر إلى الخضوع لعملية جراحية في عظمة الترقوة، مضيفًا أن بعض المتضررين كانوا برفقة آبائهم وأمهاتهم.

وشدد الجهاز على ضرورة اتباع نهج أكثر مراعاة لحقوق الطفل والشباب عند التعامل مع المظاهرات، داعيًا إلى منع استخدام الغاز المسيل للدموع في الحالات التي يوجد فيها قاصرون، بسبب المخاطر الصحية المرتبطة باستنشاق هذه المواد وتأثيراتها السامة المحتملة على الأطفال.

اتهامات باستخدام القوة بصورة عشوائية وغير متناسبة

ترى رابطة حقوق الإنسان أن ما حدث يطرح تساؤلات جدية بشأن تناسب القوة المستخدمة مع الوضع الميداني، وكذلك طريقة إدارة المظاهرات والتعامل مع المشاركين فيها.

وقال مدير الرابطة إن وجود عدد محدود من مثيري الشغب لا ينبغي أن يؤدي إلى معاملة جميع المتظاهرين بالطريقة نفسها، منتقدًا ما وصفه بالاستخدام العشوائي للقوة، ولا سيما إطلاق الغاز المسيل للدموع الذي طال أشخاصًا لم يشاركوا في أعمال التخريب.

كما انتقد تكتيك تطويق الأشخاص ومنعهم من المغادرة، معتبرًا أن ذلك قد يؤدي إلى احتجاز أشخاص وسط الغاز المسيل للدموع، بمن فيهم من يعانون مشكلات صحية مثل الربو.

وبحسب الرابطة، فإن التعامل الأمني بهذه الطريقة قد يحول دون التمييز بين الأشخاص المتورطين في أعمال عنف وبين المتظاهرين السلميين أو المارة الذين وجدوا أنفسهم في المكان.

لماذا يصعب تقديم شكاوى ضد تجاوزات الشرطة؟

حذرت رابطة حقوق الإنسان من العقبات التي تواجه المتضررين عند محاولة تقديم شكاوى رسمية، موضحة أن الشكوى التي لا تدعمها أدلة ملموسة، مثل تسجيلات الفيديو أو الشهادات الطبية، تكون فرص نجاحها محدودة للغاية.

وأضافت أن جمع الأدلة قد يصبح أكثر صعوبة عندما لا يحمل بعض أفراد الشرطة شارات تعريف واضحة، أو عندما يتدخل عناصر بملابس مدنية مع ارتداء أقنعة تخفي وجوههم.

وترى الرابطة أن غياب وسائل التعرف على هوية العناصر المعنية قد يعرقل التحقيقات ويجعل ملاحقة المسؤولين عن التجاوزات أكثر تعقيدًا، حتى في الحالات التي توثق فيها الكاميرات بعض الوقائع.

وأكد بيروتي أن الرابطة تحذر منذ فترة طويلة من استمرار حالات يُشتبه في أنها تتضمن عنفًا شرطيًا دون أن تنتهي إلى عقوبات تأديبية أو إجراءات قضائية، معتبرًا أن ذلك يعزز الشعور بالإفلات من العقاب.

الشرطة البلجيكية ترد: مقاطع الفيديو لا تكشف الصورة كاملة

في المقابل، دعت منطقة شرطة بروكسل-العاصمة/إكسل إلى التعامل بحذر مع مقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، موضحة أنها اطلعت على التسجيلات التي جرى تداولها.

وقالت الشرطة إن هذه التسجيلات عبارة عن مقاطع منفصلة صُورت في لحظات محددة، ولا تسمح بمفردها بإعادة بناء تفاصيل التدخل الأمني بالكامل، أو فهم تسلسل الأحداث والسياق الذي دفع العناصر إلى التحرك.

وبشأن الادعاءات المتعلقة باستخدام القوة بصورة غير متناسبة أو صدور عبارات معينة عن بعض أفراد الشرطة، أكدت المنطقة أنها لا تستطيع التحقق من هذه المزاعم اعتمادًا على مقتطفات مصورة أو شهادات جزئية فقط.

وأضافت أن أي شكاوى رسمية تتعلق بوقائع محددة ستخضع للتحققات اللازمة، وهو ما يفتح الباب أمام فحص الادعاءات وفق الإجراءات المعمول بها.

وأكدت الشرطة، في الوقت نفسه، أن التدابير الأمنية التي أعقبت مظاهرة الجمعة الماضية والاضطرابات التي شهدها وسط بروكسل أدت إلى حرمان عدد من الأشخاص من حريتهم، بينهم قاصرون.

تحقيقات ومطالب بتوضيح ما حدث

تكشف الشهادات التي ظهرت بعد المظاهرة عن خلاف واضح بين روايات بعض المشاركين والمنظمات الحقوقية من جهة، وموقف الشرطة التي تشدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!