اخبار بلجيكا

قطارات النوم تعود في أوروبا.. ولكن لماذا يصعب إطلاق خطوط جديدة من بلجيكا؟

بلجيكا 24- بدأت قطارات النوم تستعيد حضورها تدريجيًا في أوروبا، لكن إعادة هذا النوع من الرحلات إلى الواجهة لا تعني أن إطلاق خطوط دولية جديدة أصبح أمرًا سهلًا.

فقد دشنت شركة European Sleeper البلجيكية-الهولندية الأسبوع الماضي خطها الليلي الجديد الذي يربط بروكسل بميلانو، ليصبح ثالث خط تطلقه الشركة منذ بدء نشاطها عام 2023.

ورغم وجود مشاريع أخرى على الطاولة، أبرزها خط يربط بروكسل بـبرشلونة والذي يجري الحديث عنه علنًا منذ نهاية عام 2022، فإن تحويل هذه المشاريع إلى واقع يواجه سلسلة طويلة من العقبات التقنية واللوجستية والمالية.

لماذا يمثل إطلاق قطار ليلي دولي تحديًا كبيرًا؟

الرحلة الجديدة إلى ميلانو تقدم مثالًا واضحًا على حجم التعقيدات. فالقطار يسلك حاليًا مسارًا يمر عبر فيرفييه وآخن وكولونيا، قبل عبور الأراضي السويسرية والوصول إلى إيطاليا.

لكن هذا المسار سيتغير اعتبارًا من 13 ديسمبر، إذ تعتزم الشركة إدخال هولندا ضمن خط سير القطار، بحيث لن يعود يمر عبر فيرفييه وآخن، بل سيتجه من بروكسل نحو أنتويرب، ثم مدينتي بريدا وإيندهوفن الهولنديتين، قبل مواصلة الرحلة باتجاه كولونيا.

ويفسر إلمر فان بورين، الشريك المؤسس والمدير في European Sleeper، سبب عدم اعتماد هذا المسار منذ البداية، موضحًا أن إضافة دولة جديدة إلى الرحلة تعني الدخول في مفاوضات وإجراءات إضافية للحصول على جداول ومواعيد مناسبة للقطار.

وبحسبه، اختارت الشركة في البداية تجنب المرور عبر هولندا بهدف تقليل التعقيدات وتسريع إطلاق الخدمة قدر الإمكان.

كل دولة تعني شبكة وقواعد ومواعيد جديدة

تشغيل قطار ليلي دولي يعني في الواقع ربط عدة شبكات للسكك الحديدية مع بعضها البعض. وهذا يتطلب التنسيق مع الجهات المسؤولة عن البنية التحتية في كل دولة يمر بها القطار.

ويوضح فريديريك ساكري، المتحدث باسم شركة Infrabel المسؤولة عن إدارة البنية التحتية للسكك الحديدية البلجيكية، أن الأمر يشبه سلسلة مترابطة من الحلقات.

فالشركة المشغلة تحتاج أولًا إلى إيجاد مساحة مناسبة للقطار على الشبكة البلجيكية، ثم تأمين استمرارية الرحلة على الشبكات الأجنبية، مع ضرورة الحصول على مواعيد تكون مناسبة تجاريًا للمسافرين.

وإذا تعذر توفير إحدى هذه الحلقات، فقد يصبح من المستحيل إطلاق الخدمة الجديدة بالشكل المخطط له.

وتزداد صعوبة المهمة عند إدراك حجم حركة القطارات داخل بلجيكا، إذ يعمل على شبكة السكك الحديدية نحو 3600 قطار يخدم مختلف المحطات الوطنية. وإضافة حركة قطارات دولية ليلية إلى هذه الشبكة المزدحمة تتطلب تنسيقًا دقيقًا للغاية.

إجراءات صارمة ومواعيد لا يمكن تجاوزها

ولتنسيق طلبات تشغيل القطارات العابرة للحدود، وضعت أوروبا منذ عام 2004 نظامًا مخصصًا لشركات النقل، تديره RailNetEurope (RNE).

لكن وجود هذا النظام لا يلغي ضرورة احترام مجموعة من الإجراءات والمواعيد النهائية عند تقديم طلبات المرور والحصول على المسارات المناسبة.

وهذا يفسر جزئيًا سبب توقف قطار بروكسل-ميلانو في المرحلة الأولى عند محطة فيرفييه بدلًا من الوصول إلى لييج.

فشبكة السكك الحديدية ليست فضاءً مفتوحًا يمكن للقطارات التحرك فيه بحرية، إذ تفرض البنية التحتية نفسها قيودًا كبيرة، خصوصًا أن معظم الخطوط تضم مسارين فقط.

ويوضح ساكري أن شركات السكك الحديدية التي تريد الحصول على حقوق المرور مطالبة عادة بتقديم طلباتها بحلول نهاية مارس من أجل العام التالي، بينما قُدم طلب خط ميلانو في هذه الحالة خلال سبتمبر.

وبالتالي، جاء التوقف في فيرفييه نتيجة حل وسط فرضه تقديم الطلب في وقت متأخر.

خط برشلونة.. مشروع يتأجل مرة بعد أخرى

وتظهر هذه الصعوبات بشكل أكبر في مشروع خط القطار الليلي بين بروكسل وبرشلونة، الذي لم ير النور حتى الآن.

كان من المقرر إطلاق الخط في 2025، قبل تأجيله إلى 2026، ثم أصبح الحديث عن إطلاقه في الفترة بين 2027 و2028.

لكن إلمر فان بورين يعترف بأن بدء الخدمة في عام 2028 نفسه سيكون مهمة صعبة، رغم أن الشركة لا تزال متمسكة بهدف الوصول إلى برشلونة.

1050 كيلومترًا داخل فرنسا.. ومشكلة في مواعيد القطارات

وتكمن إحدى أكبر العقبات في المسار الفرنسي، حيث يتعين على القطار قطع نحو 1050 كيلومترًا داخل فرنسا.

ويقول فان بورين إن الحصول على جدول زمني مناسب في فرنسا يمثل تحديًا حقيقيًا، خصوصًا أن الشركة تحتاج إلى مواعيد توقف وانتقال تجعل الرحلة جذابة وقابلة للتسويق بالنسبة للمسافرين.

لكن مشكلة خط برشلونة لا تتعلق بالمواعيد وحدها، فهناك عقبة أخرى أكثر تقنية تتعلق بـالقاطرة.

قطار ليلي جديد يربط بروكسل بميلانو 3 مرات أسبوعياً

لا توجد قاطرة واحدة مناسبة للمسار بين بلجيكا وفرنسا وإسبانيا

تكشف الشركة أن القاطرات المتوفرة حاليًا لا تسمح بجر قطار من بلجيكا مرورًا بفرنسا وصولًا إلى إسبانيا دون تغيير القاطرة.

وهذا يعني أن القطار سيحتاج إلى تغيير القاطرة أثناء الرحلة، وهو إجراء مكلف ويضيف مزيدًا من التعقيدات إلى تشغيل الخط.

ولهذا تبحث European Sleeper حاليًا في إمكانية تطوير أو توفير قاطرة قادرة على العمل في الدول الثلاث: بلجيكا وفرنسا وإسبانيا، وهو ما قد يساعد على جعل الخط أكثر كفاءة.

مشكلة أخرى: نقص عربات قطارات النوم

وحتى إذا تم حل مشكلات المسارات والقاطرات، تواجه الشركة تحديًا آخر يتمثل في نقص العربات المناسبة.

فبعد تراجع قطارات النوم واختفائها تقريبًا من العديد من الشبكات الأوروبية خلال العقود الماضية، لم تعد هناك أعداد كبيرة من العربات القديمة التي يمكن إعادة استخدامها.

ويعود ذلك جزئيًا إلى أن شركات السكك الحديدية الوطنية اختارت خلال السنوات الماضية الاستثمار في القطارات عالية السرعة بدل تطوير أسطول قطارات النوم.

وبالتالي، فإن شراء قطارات جديدة يظل خيارًا متاحًا، لكنه يحتاج إلى تمويل كبير، وهو أمر أكثر صعوبة بالنسبة لشركة خاصة مثل European Sleeper مقارنة بشركات السكك الحديدية الوطنية، مثل شركة السكك الحديدية البلجيكية SNCB.

قطار ليلي جديد من بروكسل إلى الدول الاسكندنافية.. كوبنهاغن ومالمو ضمن الوجهات

التمويل قد يكون مفتاح خط برشلونة

وتعمل الشركة حاليًا على إيجاد تمويل يسمح لها بشراء قطارات جديدة، لكن تصنيع عربات وقطارات جديدة عملية مكلفة وتحتاج إلى وقت طويل.

وفي الوقت نفسه، تبحث European Sleeper عن عربات مستعملة يمكن الاستفادة منها، إلى جانب البحث عن مصادر تمويل مناسبة.

ويرى فان بورين أن فرص توفير التمويل للعربات أصبحت أفضل، وهو ما قد يسمح للشركة بتجنب تأجيل إطلاق خط برشلونة لفترة أطول من اللازم.

التحديات لا تواجهها European Sleeper وحدها

ولا تقتصر هذه الصعوبات على الشركة البلجيكية-الهولندية، بل تواجه شركات أخرى التحديات نفسها عند تشغيل قطارات دولية ليلية.

ومن بين الأمثلة شركة السكك الحديدية النمساوية ÖBB، التي تشغل قطارات Nightjet التي تمر عبر بروكسل ولييج في طريقها إلى العاصمة النمساوية فيينا.

كما تواجه شركة Eurostar بدورها تحديات مرتبطة بتشغيل خدمات قطارات ليلية موسمية من بلجيكا نحو منتجعات التزلج في جبال الألب الفرنسية.

وهكذا، فإن عودة قطارات النوم إلى الواجهة الأوروبية تبدو واعدة، لكن توسيع شبكة هذه الخدمات يظل مرتبطًا بقدرة الشركات على تجاوز تعقيدات المسارات الدولية، وتوفير القاطرات والعربات، وتأمين التمويل، والحصول على جداول مناسبة.

بعد 10 سنوات.. قطار فائق السرعة يعود إلى مطار بروكسل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!