تراجع دي ويفر عن رفع ضريبة القيمة المضافة.. مكسب لبوشيه؟
بلجيكا 24- يبدو أن جورج لوي بوشيه، رئيس حزب الحركة الإصلاحية (MR)، حقق مكسباً سياسياً في مواجهة رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، بعدما تراجع الأخير عن نهجه السابق في مفاوضات الميزانية، مع استبعاد رفع ضريبة القيمة المضافة من المرحلة الحالية. لكن هذا التراجع، الذي قد يُحسب انتصاراً لبوشيه، يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر بشأن كيفية سد العجز، وتقليص الدين العام، وحماية القدرة الشرائية للبلجيكيين.
فبينما يسعى دي ويفر إلى انتزاع اتفاق بشأن الميزانية، اختار تغيير مسار المفاوضات. وبدلاً من معالجة الاحتياجات المالية دفعة واحدة على مدى ثلاث سنوات، باتت الحكومة تتجه إلى تقسيم الجهد المالي على أساس سنوي، على أن تبدأ عام 2027 بتوفير ما بين ثلاثة وأربعة مليارات يورو. وفي المقابل، لم يعد رفع ضريبة القيمة المضافة مطروحاً في الوقت الراهن.
بوشيه يفرض موقفه ودي ويفر يغيّر حساباته
من الناحية السياسية، يمثل هذا التحول مكسباً واضحاً لبوشيه، الذي تمسك برفض زيادة ضريبة القيمة المضافة. ففي الوقت الذي حافظ فيه رئيس الحركة الإصلاحية على موقفه، اضطر رئيس الوزراء إلى تعديل منهجه في إدارة المفاوضات.
كان دي ويفر يسعى إلى تسوية الاحتياجات المالية المقدرة بنحو عشرة مليارات يورو دفعة واحدة. أما الآن، فيقترح البدء بإجراءات توفير تتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات يورو خلال عام 2027، وتأجيل معالجة بقية المبلغ إلى مراحل لاحقة.
وبذلك، نجح بوشيه في تثبيت موقفه بشأن الضريبة، بينما أبدى دي ويفر مرونة في خطته. وفي ميزان القوة داخل الائتلاف الحكومي، لا يُعد هذا التغيير تفصيلاً بسيطاً، بل يعكس قدرة رئيس حزب الحركة الإصلاحية على التأثير في مسار القرارات الاقتصادية.
صدام بوشيه ودي ويفر يهدد الحكومة البلجيكية.. هل تتحول أزمة الميزانية إلى هزيمة سياسية؟
رفع الضريبة مؤجل وليس مستبعداً نهائياً
لكن اعتبار ما جرى انتصاراً نهائياً لبوشيه قد يكون سابقاً لأوانه. فرفع ضريبة القيمة المضافة لم يُستبعد بصورة نهائية، بل أُبعد عن المرحلة الحالية من المفاوضات، مع احتمال العودة إليه خلال النصف الثاني منها.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية: الأموال التي لن تحصل عليها الدولة من خلال زيادة الضرائب على الاستهلاك، لا بد من تأمينها من مصادر أخرى. وهذا يعني أن استبعاد رفع الضريبة لا يلغي الحاجة إلى اتخاذ قرارات مالية صعبة، بل ينقل عبء البحث عن الموارد إلى ملفات أخرى.
فما الإجراءات البديلة التي ستعتمدها الحكومة؟ ومن سيتحمل كلفتها؟ وهل ستتجه إلى خفض الإنفاق، أم إلى تدابير مالية أخرى تمس فئات مختلفة من المجتمع؟ الإجابات عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية للمكسب السياسي الذي حققه بوشيه.
الدين العام قد يحوّل الانتصار السياسي إلى فاتورة للجميع
في الوقت نفسه، يواصل الدين العام البلجيكي الارتفاع، ما يجعل هامش المناورة أمام الحكومة محدوداً. وإذا فقدت الأسواق المالية ثقتها في قدرة بلجيكا على ضبط أوضاعها المالية، فقد تطالب بعوائد أعلى مقابل إقراضها الأموال، الأمر الذي سيرفع تكلفة الاقتراض على الدولة.
وعندها، قد يتحول الانتصار السياسي الذي حققه بوشيه إلى عبء يتحمله الجميع، سواء عبر إجراءات تقشفية لاحقة أو من خلال ارتفاع كلفة خدمة الدين، بما يضيّق المجال المتاح لتمويل الخدمات العامة والاستثمارات.
هل يتحول بوشيه إلى «بيروس» السياسة البلجيكية؟
في هذا السياق، تبرز عبارة «انتصار بيروسي»، وهي تعبير يُستخدم لوصف فوز يتحقق بثمن باهظ يجعل نتائجه أقرب إلى الهزيمة. ويعود أصل التعبير إلى الملك بيروس، الذي خاض معارك ضد روما في إيطاليا وحقق انتصارات عسكرية، لكنه تكبد خلالها خسائر كبيرة في صفوف جيشه.
فبينما تمكن الرومان من إعادة بناء قواتهم، كانت قدرة جيش بيروس على مواصلة القتال تتآكل. ومن هنا يأتي السؤال السياسي: هل يحقق بوشيه انتصاراً قصير الأجل في ملف ضريبة القيمة المضافة، لكنه يساهم، من حيث لا يريد، في تعقيد الأزمة المالية التي قد يدفع ثمنها المواطنون لاحقاً؟
لا يعني ذلك أن النتيجة محسومة، لكنه يسلط الضوء على المفارقة التي تواجه رئيس الحركة الإصلاحية: فالتمسك بموقف يحظى بقبول الناخبين قد يحقق مكسباً سياسياً فورياً، لكن نجاحه على المدى الطويل يتوقف على وجود بدائل مالية قابلة للتطبيق.
المشكلة ليست في الحسابات بل في القرارات السياسية
من الناحية الحسابية، قد تبدو المفاوضات قابلة للحسم بوتيرة أسرع. لكن العقبة الحقيقية لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في الخيارات السياسية التي يتعين على الحكومة اتخاذها: من سيدفع؟ ومن سيُطلب منه تحمل عبء إضافي؟ ومن سيقبل باتخاذ قرارات قد تثير استياء ناخبيه؟
ومن خلال تقليص نطاق المرحلة الحالية من المفاوضات، يأمل دي ويفر تسهيل التوصل إلى اتفاق. غير أن توفير ثلاثة إلى أربعة مليارات يورو ليس مبلغاً هامشياً، كما أن استبعاد زيادة ضريبة القيمة المضافة لا يعني أن توافقاً قد تحقق بشأن بقية الإجراءات.
فالاتفاق على تأجيل أحد الخيارات لا يحل الخلافات المتعلقة بتوزيع الأعباء المالية، ولا يضمن موافقة أطراف الائتلاف على البدائل التي ستُطرح لاحقاً. لذلك، سيظل نجاح الخطة مرتبطاً بقدرة الحكومة على الاتفاق على إجراءات ملموسة، لا بمجرد إعادة ترتيب جدول المفاوضات.
تراجع يثير الشكوك حول مصداقية الحكومة
إلى جانب التحديات المالية، يطرح تغيير المسار سؤالاً يتعلق بمصداقية الحكومة نفسها. فعندما يُقدَّم إجراء ما على أنه ضروري لضبط الميزانية، ثم يُؤجَّل تحت ضغط الخلافات السياسية، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الائتلاف قادراً على الوفاء بالتزاماته وتنفيذ الإصلاحات التي أعلنها.
يحاول دي ويفر، من خلال هذا التعديل، كسب مزيد من الوقت وتسهيل الوصول إلى تسوية. لكن الوقت ليس مجانياً في ظل ارتفاع الدين العام، إذ تزداد كلفة التأخير كلما طال أمد الخلافات وتأخر اتخاذ القرارات المالية.
وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح هذه الجولة من المفاوضات بمن تراجع أو من فرض موقفه، بل بقدرة الحكومة على تقديم ميزانية قابلة للاستمرار، والحد من تفاقم الدين، وتوزيع الأعباء بصورة يمكن الدفاع عنها أمام المواطنين. وحتى تتضح البدائل، يبقى انتصار بوشيه سياسياً في الظاهر، فيما تظل كلفته الاقتصادية المحتملة مفتوحة على أكثر من احتمال.
