البنك الوطني يحذر من عجز بلجيكا ويدعو إلى قواعد مالية ملزمة
بلجيكا 24 ـ دعا البنك الوطني البلجيكي (BNB) إلى إقرار إطار وطني ملزم للميزانية، معتبرًا أن بلجيكا تحتاج إلى قواعد تضمن التزام مختلف مستويات الحكم بالأهداف المالية، وتضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار قابل للاستمرار.
وجاءت هذه الدعوة في تحليل مفصل لتطور المالية العامة خلال العقد الأخير، أظهر اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات، رغم تعهدات سابقة بالعودة إلى التوازن. وفي المقابل، شددت النقابة المسيحية (ACV) على أن تراجع الموارد، بفعل خيارات سياسية متعاقبة، يقع في صلب الأزمة.
العجز يبلغ 5.2% من الناتج المحلي
بحسب البنك الوطني، تفاقم العجز البلجيكي منذ مطلع القرن، ليصل إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025.
وخلال هذه الفترة، انتقل الرصيد الأولي، أي الفرق بين الإيرادات والنفقات باستثناء فوائد الدين، من فائض يقارب 7% من الناتج المحلي إلى عجز يناهز 3%، وهو مستوى لم تسجله البلاد منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وفق البنك.
ويعزو التحليل تدهور هذا الرصيد منذ عام 2000، بصورة شبه كاملة، إلى ارتفاع النفقات الأولية، في حين ظلت الإيرادات مستقرة نسبيًا. لكن الصورة اختلفت خلال العقد الأخير، إذ تزامنت زيادة الإنفاق مع انخفاض الإيرادات.
تراجع مالي رغم انخفاض كلفة فوائد الدين
بين عامي 2016 و2025، تراجع رصيد الميزانية بما يعادل 2.7 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، أو 18 مليار يورو، بينما بلغ تدهور الرصيد الأولي 3.3 نقاط مئوية، بما يعادل 21 مليار يورو.
ولفت البنك إلى أن هذه النتائج جاءت رغم التزام جميع مستويات السلطة، عقب الإصلاح السادس للدولة، بالعمل نحو تحقيق ميزانيات متوازنة.
كما أن هذا التدهور حدث في فترة انخفضت خلالها أعباء فوائد الدين بمقدار 0.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي، أي نحو 4 مليارات يورو. وبذلك، لم يكن انخفاض كلفة الفوائد كافيًا لتعويض الاختلال في بقية الحسابات العامة.
ووفق التحليل، يعود تراجع الرصيد الأولي منذ 2016 إلى عاملين متزامنين: انخفاض الإيرادات بما يعادل 12 مليار يورو، وارتفاع النفقات الأولية بما يعادل 9 مليارات يورو.
الحكومة الفيدرالية والأقاليم تتقاسم المسؤولية
لا يحصر البنك الوطني أسباب التدهور في مستوى واحد من الحكم، إذ ساهمت فيه الدولة الفيدرالية والكيانات الاتحادية، بما يشمل الأقاليم والمجموعات اللغوية. فقد تراجعت مواردها الذاتية، بينما ارتفعت نفقاتها الأولية النهائية نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى المستوى الفيدرالي، زادت هذه النفقات بما يعادل 7 مليارات يورو، مدفوعة أساسًا بارتفاع المخصصات الاجتماعية والنفقات الرأسمالية والإعانات، رغم انخفاض كتلة أجور القطاع العام.
أما على المستوى الإقليمي، فبلغت الزيادة في النفقات الأولية النهائية ما يعادل ملياري يورو.
أين تراجعت الإيرادات؟
سجل المستوى الفيدرالي انخفاضًا في الإيرادات بما يعادل 8 مليارات يورو، نتيجة تراجع حصيلة الضرائب على الاستهلاك ودخول العمل. ولم تعوض زيادة إيرادات ضريبة الشركات سوى جزء من هذا النقص.
وعلى المستوى الإقليمي، انخفضت الإيرادات بما يعادل ملياري يورو، ويرجع ذلك أساسًا إلى تراجع حصيلة الضرائب المرتبطة بالاستهلاك والممتلكات.
لكن البنك الوطني يحذر من اختزال تفسير هذه الخسائر في التخفيضات الضريبية وحدها، موضحًا أن تطورات الاقتصاد الكلي وعوامل أخرى أثرت بدورها في حجم الموارد.
فانخفاض حصة الأجور في القيمة المضافة ساهم في تراجع الإيرادات الضريبية على دخول العمل. وفي الاتجاه المقابل، ارتفعت حصيلة ضريبة الشركات لأن أرباحها نمت بوتيرة أسرع من نمو الناتج المحلي الإجمالي.
وأشار البنك إلى أن تراجع الإيرادات شمل جميع الأقاليم والمجموعات اللغوية التي تناولها التحليل، وأن كبح الإنفاق لم يعوض سوى جزء من هذا التراجع.
النقابة المسيحية: المشكلة تبدأ من إضعاف موارد الدولة
في ردها على التقرير، ركزت النقابة المسيحية (ACV) على جانب الإيرادات، معتبرة أن تآكل موارد الدولة، وليس ارتفاع الإنفاق، هو جوهر المشكلة المالية.
وترى النقابة أن بلجيكا تدفع ثمن خيارات سياسية أضعفت الإيرادات بصورة متكررة. واستشهدت بالتوسع في نظام الوظائف المرنة (Flexi-jobs)، وزيادة العمل الطلابي، وتنامي لجوء الأفراد إلى تأسيس شركات، باعتبارها تطورات تساهم، وفق موقفها، في تقليص الحصيلة الضريبية وموارد الاشتراكات الاجتماعية.
وانتقدت النقابة كذلك التخفيض المرتقب لضريبة الدخل للجميع دون تمييز، معتبرة أنه لا يقابله تعويض كافٍ عبر فرض ضرائب مكافئة على دخول رأس المال، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الفائدة.
وبين دعوة البنك الوطني إلى قواعد مالية ملزمة وتشديد النقابة على حماية الإيرادات، يبرز الخلاف حول كيفية معالجة العجز: حجم الإنفاق من جهة، والخيارات التي تحدد موارد الدولة وتوزيع العبء الضريبي من جهة أخرى.
