اخبار بلجيكا

صورة العثمانيين التي رسمها في عقولنا الفكر القومي العربى

في ذاكرتي، منذ أن بدأت تحفظ الأفكار والمواقف السياسية وكلام الناس، يعني منذ الطفولة المدرسية، وأنا أرى في الأتراك أو العثمانيين، أعداء لنا؛ فهم أعداء في القومية،

وهم مستعمرون، وهم من اغتصب لواء اسكندرون السوري، وهم من استعمر بلادنا العربية أكثر من أربعمائة عام، وفي أيامهم جرى تخريب البلاد وانتشار الفساد، وهم من قتل أولادنا في “السفر برلك” وقطع الغابات لتكون وقودا للقطارات التي تنقل الجنود إلى ساحات المعارك، وهم الذين ذبحوا الأرمن، وقبلهم الآشوريين والسريان (المسيحيين)، وقبل قبلهم (العلويين) وكل الأقليات التي أفتى “بقتلها” شيخ الإسلام ابن تيمية، وأخيرا إعدامهم للأحرار في ساحات دمشق وبيروت، كل ذلك كان يتم تكراره على مسامعنا وآذاننا التي تحولت مع ألسنتنا إلى مصادر بث واستقبال للفكر “القومي” الذي تجسد أخيرا في حزب البعث، “فبعث” فينا الميت من روحنا التي حاول العثمانيون قتلها على مدي أربعمائة عام وما استطاعوا.

هذه هي صورة العثمانيين التي رسمها في عقولنا الفكر القومي العربي دون ذكر أي إيجابية لهؤلاء البشر، الذين كانوا في إحدى اللحظات التاريخية سادة العالم، وكانت دولتهم تمتد على ثلاث قارات، وكان يسكنها كل أنواع البشر وكل الديانات. هذه الصورة تركت فجوة كبيرة عند بعض الناس بين ثقافتهم الحالية وتراثهم وخاصة الديني منهم، لذلك لم أكن أفهم، في مراهقتي وشبابي، تعاطف أبناء الأغلبية الدينية في سوريا (السنة) مع الخلافة العثمانية، ورفضهم لكل أنواع الذم والقدح الذي كان يوجه لها، لقناعتهم ربما بأنها تمثل ثقافتهم وحلمهم في الدولة الإسلامية التي تعيد لهم حقوقهم وتحميهم من الأجنبي. كما أنهم، ولنفس الأسباب، كانوا ضد الفكر القومي والفكر الاشتراكي والعلمانية، بل إنهم اعتبروا أي فكر مصدره الغرب، حتى لو كان مفيدا، هو فكر دخيل يريد شرا بالإسلام والمسلمين، يجب رفضه والتنديد به.
إن إعادة قراءة لخريطة القوى السياسية وأماكن انتشارها والأفكار التي رافقتها تجعلنا نرى بوضوح أن الفكر القومي متمثلا في حزب البعث، والفكر الاشتراكي متمثلا في الحزب الشيوعي ثم في حزب العمل الشيوعي والفكر العلماني المتمثل في الحزب السوري القومي الاجتماعي، إن هذه الأحزاب وأفكارها الايديولوجية منتشرة بشكل أساسي في أوساط الأقليات الدينية والقومية، ويكاد يكون وجودها في أوساط السنة السوريين قليلة جدا، لذلك نلاحظ أنه عندما قامت الثورة السورية، فإن القوى المسماة “تقدمية” شككت فيها، في البداية، ثم وقفت فى غالبيتها ضد الثورة واختارت نظام الأسد، وفي الطرف الآخر، لاحظنا أن الكتلة المنخرطة في الثورة هي الكتلة الجماهيرية “السنية”، مع استثناءات قليلة. ولعل من المفيد الإشارة هنا إلى أن أعضاء “اليسار” السني قد اختار أغلبهم الوقوف مع الثورة، بينما وقف أعضاء “اليسار” نفسه من أبناء الاقليات مع السلطة الأسدية.
لست بصدد إطلاق أحكام نهائية على أحد، ولست مؤهلا أصلا لذلك، وما أوردته سابقا ما هو إلا مشاهدات شخصية لاحظتها عبر سنوات، وجاءت الثورة كي تفضح ما كان مستورا أو مغلفا بشعارات، سرعان ما تمزقت مع أول رياح الثورة، ودفعت الجميع لإعادة النظر بالمسلمات التي كانت نائمة في تلافيف الأدمغة، ومنها دماغي. مع سفري إلى اسطنبول نهاية العام الماضي للمرة الأولى، وزيارتي لبعض المواقع الأثرية العثمانية وإعجابي الكبير بما رأيته، كل ذلك في مناخات الثورة السورية داخليا ودوليا، وخاصة تركياً، عادت لي ذاكرتي النائمة، واكتشفت حجم الهوة التي كانت تفصلني، أنا السوري العروبي المسيحي العلماني اليساري، ابن الأقليات السورية بكل أنواعها، عن تراثي الإسلامي، الذي رأيت بعض جماله في الآثار العثمانية في اسطنبول، ووقعت في حبها، وكأنني وجدت روحي التي كانت هائمة وقد استقرت في فضاءات الجوامع والتكيات والأسواق والحمامات والكنائس القديمة التي ما تزال قائمة في اسطنبول، بعضها فوق المعابد الرومانية والبيزنطية، وبعضها الآخر وحيدا ولكنه مشبع بروح الفنون الإسلامية.
من هنا كان قراري الذهاب إلى تركيا والكتابة عن الآثار العثمانية، والعيش في مناخاتها قدر ما يسمح لي عمري ودخلي المالي المتواضع، فأنا لا أريد الرحيل عن هذا العالم إلا بعد أن أساهم، قدر طاقتي، بواسطة الكتابة، في ردم تلك الهوة الثقافية، التي أشرت إليها، بيني وبين ثقافتي الإسلامية، وبين وبين مجتمعي، وبيني وبين ثورتي، وبين وبين سوريتي الحرة

 

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى